Skip to main content

Full text of "maanaamaanaa"

See other formats


1 رالنا ارد 
فيرو ا تريخ 
هي - اسعردي 


الطببعة التاليقة 
5ه 311اومر 


من النْمزرالتعرة وادزقياس 
لبرذاعة والسرعر انراز طوس الولف 


دار المنارة للنشر والتوزيع » ١4١5‏ ه 
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطئية أثناء النشر 
الطنطاوي؛ علي 
مع الناس . جدة 
..رضص؛..سم 
ردمك خا 16 ١9م‏ 415506 
١‏ الوعظ والإرشاد ‏ أ العنوان 
ديوي 511 ا حل 
رقم الإبداع: 15/1147 
ردمك: 8 ه١٠‏ ١5م‏ 3 50وة 


الال هاف: 11.145 - متاكسن 11.7294 - المستودع؛ 1170471 
“0# َِدّ: 111401.صات: .120 . الماككة العرببئّة الستعودسّة 


هذه حمعة صريره سلا قار ص الناسسى ) أكبرلم عا ان أهان 


١ : 0‏ 1 م م 1 )نه 400 
عر دوثوما رز د سال الم ان نع م الوا وبر كر سيان 
وناساشان الات 1 


أ 
ادامل ١‏ د يوري كل هارم 


سل سل 


هذه طبعة جديدة من كتابي رمع الناس) » الحمل لله على أن أعان 
عليهاء ووفق إليهاء وأسأل الله أن ينفع بها القراءء وألآً يحرمني أنا وناشر 


الكتاب من الثواب . 
مكة المكرمة ناوج 
لكر عاط نا 
١1/1‏ 


أحسن كما أحسن الله إليك 


2 
ءًّ 5 
أذيعث سئة 5ه9١‏ 


نظرت البارحة فإذا الغرفة دافقة» والنار موقدة وأنا على أريكة مريحة. 
أفكر في موضوع أكتب فيه؛ والمصباح إلى جانبي» والهاتف قريب مني. 
والأولاد يكتبون» وأمهم تعالج صوفاً تحيكه. وقد أكلنا وشربناء والرادٌ 
(الراديو) همس بأغنية حلوة يلقيها بصوت خافت. 

ع هادىء؛ وليس ما أشكو منه» أو أطلب زيادة عليه. 

: الحمد لله. أخرجتها من قرارة س0 ثم فكرت فرأيت أن 
50 ليس كلمة تقال باللسان ولو رددها اللسان ألف مرة» ولكن الحمد على 
النعم أن تفيض منها على المحتاج إليهاء حمد الغني أن يعطي الفقراء. وحمد 
القوي أن يسعد الضعفاء, وحمد الصحيح أن يعاون المرضى» وحمد الحاكم أن 
يعدل في المحكومين» فهل أكون حامد الله على هذه النعمء إذا كنت أنا 
وأولادي فق شبع ّ وجاري وأولاده 3 ا جوع والبرد؟ وإذا كان جاري ١‏ 
يسألبي أفلا يجب عل أنا أن أسأل عنه؟ 


وسألتني زوجت ؛ فيم تفكر؟ فقلت لها. 


قالت: صحيح, ولكن لا يكفي العباد إلا من خلقهم» ولو أردت أن 
تكفي جيرانك من الفقراء. لأفقرت نفسك قبل أن تغنيهم . 


قلت : : لوكنت غنيا لما استطعت أ ن أغنيهم» فكيف وأنا رجل مستور, 
00 تخد و خاصاً وترجع بطل 
لا. لاأريد أن غني الفقراء؛ بل أريد أن أقول أن المسائل نسبية» وأنا 


/ا 


بالنسبة إلى أرباب الآلاف المؤلفة فقيرء ولكني بالنسبة إلى العامل الذي يعيل 
عشرة وما له إلا أجرته. غنى من الأغنياء» وهذا العامل عن بالنسبة إلى الآرملة 
المفردة التي لا مورد لحاء ولا مال في يدها. ورب الآللاف فقير بالنسبة لصاحب 
الملايين. فليس في الدنيا فقير ولا غني ‏ فقراً مطلقاً وغنى مطلقاًء وليس فيها صغير 
ولا كبيره ومن شك فإني أسأله أصعب سؤال يمكن أن يوجه إلى إنسان» أسأله 
عن العصفور هل هو صغير أم كبير؟ فإن قال: صغير. قلت: أقصد نسبته إلى 
النملة. وإن قال: هو كبير. فقلت: أقصد نسبته إلى الفيل . 

فالعصفور كبير جداً مع الثملة» وصغير جداً مع الفيل. 

وأنا غنى جداً مع الأرملة المفردة الفقيرة» التي فقدت المال والعائل. وإن 
كنت فقيراً جداً مع فلان وفلان من ملوك المال. 

تنا نبا بن 

تقولون: إن الطنطاوي يتفلسف اليوم. لا ما أتفلسف ولكن أحب 
أقول لكم يا أبها السامعون ويا أيها السامعات إن كل واحد منكم» 9 
يستطيع أن يجد من هو أفقر منه فيسطيه. إذا لم يكن عندك يا سيدتي إلا 

خمسة أرغفة وصحن (مجدرة)(١2‏ تستطيعين أن تعطي رغيفاً لمن ليس له شيء. 
والذي بقى عنده بعد عشائه ثلاثة صحون من الفاصوليا والرز وشيء من 
الفاكهة والحلوه يستطيع أن يعطي منا قليلاً لصاحبة الأرغفة والمجدرة. 
والذي ليس عنده إلا أربعة ثياب مرقعة يعطي ثوباً لمن ليس له شيء» والذي 
عنده بذلة صا حة لم تخرق ولم ترقم ولكنه مل منهاء وعنده ثلاث جدد من دونهاء 
يسنطيع أن يعطيها لصاحب الثياب المرقعة» ورب ثوب هوفي نظرك قديم 
وعتيق بال لو أعطيته لغيرك لرآه ثوب العيد. ولاتخذه لباس الزيئة وهو يفرح 
به مثل فرحك أنت لو أن صاحب الملايين ملّ من سيارته الشفرولية طراز 
سنة ١9617‏ بعد ما اشترى كاديلاك طراز ١505/‏ فأعطاك تلك السيارة . 


)١(‏ طعام من البرغل وهو القمح المجروش مع العدس, 


م 


ومهما كان المرء فقيراً فإنه يستطيع أن يعطي شيئاً لمن هو أفقر منه» إن 
أصغر موظف لا يتجاوز راتبه مئة وخمسين ليرة» لا يشعر بالحاجة ولا يمسه الفقر 
إذا تصدق بليرة واحدة على من ليس له شيء» وصاحب الرائب الذي يبلغ 
أربعمئة ليرة لا يضره أن يدفع منها حمس ليرات ويقول: هذهلله. والذي 
يربح عشرة آلاف من التجارة في الشهر يستطيع أن يتصدّق بمثتين منها في كل شهر. 

ولا تظنوا أن ماتعطونه يذهب بالمجان. لا والله أنكم تقبضون الثمن 
أضعافاً تقبضونه في الدنيا قبل الآخرة. ولقد جربت ذلك بنفسي . أنا أعمل 
وأكسب وأنفق على أهلي من أكثر من ثلاثين سنة» وليس لي من أبواب الخير 
والعبادة إلا أني أبذل في سبيل الله | إذا كان في يدي مالء وم أدخر في عمري 
شيئاً» وكانت زوجي تقول لي دائا: يارجل» وفْر واتخل لبناتك داراً على 
الأقل» فأقول: خليها على الله . أتدرون ماذا كان؟ . 

لقد حسب الله لي ما أنفقه في سبيله وأدنصره لي في (بدك) الحسنات 
الذي يعطي أرباحاً سنوية قدرها سبعون ألفاً في الكة. : نعم! لكَمَئْل حَبَة 
نيمث سبع سدايسل في كل مشا حب وهداك زدادات تلغ فص 
لدع م يضاعف لمن يشاءُ» فأرسل الله صديقاً لي سيداً كريماً من 

مشق 207 فأقرضي ثمن الدار وأرسل أصدقاء آخرين من المتفضلين29 فبنوا 0 
حق كملت رأنا وال لا أعلم من أمرها إلا ما يعرفه المارة عليها من الطريق» ثم 
أعان الله برزق حلال لم يكن محتسباً فوفيت ديونها جميعاً » ومن شاء ذكرت له 
التفاصيل وسميت له الأسماء . 

وما وقعت والله في ضيق قط إلا فرجه الله عبى, ولا احتجت لشيء إلا 
جاءني » وكلم| زاد عندي شيء وأحببت أن أحفظه وضعته في هذا (البنك) . 


)١9‏ هوالأستاذ السيد سعيد حمزة» نقيب الأشراف. 
(؟) الإخوان الكرام الشيخ عبد القادر العانٍ؛ والسيد سهبل الخياط» والسيد فخري 


فهل في الدنيا عاقل يعامل (بنك) المخلوق الذي يعطي 5 / ربحاً 
حراماً وربما أفلس أواحترق أوطيرته قنبلة» ويترك (بنك) الخالق الذي يعطي في 
كل مئة ربحاً قدره سبعون ألفاً؟ وهو (مؤمن عليه) عند رب العالمين فلا يفلس 
ولا يحترق ولا يأكل أموال الناس . 

فلا تحسبوا الي تعطونه يذهب هدراً. أن الله يخلفه في الدنيا قبل 
الآخرة وأنا لا أحبٌ أن أسوق لكم الأمثلة» فإن كل واحد منكم يحفظ مما رأى 
أو سمع كثيراً منبا. | ما أسوق لكم مثلاً واحداً : قصة الشيخ سليم المسوتي 
رحمه الله. وقد كان شيخ أبي وكان على فقره لا يرد سائلا قط. ولطالما لبس 
الجبة أو (الفروة) فلقي بردان يرتجف فلزعها فدفعها إليه وعاد إلى البيت بالإزار. 
وطالما أخذ السفرة من أمام عياله فأعطاها السائل. وكان يوم في رمضان وقد 
وضعت الائدة انتظاراً للمدفع» فجاء سائل يقسم أنه وعياله بلا طعام» فابتغى 
الشيخ غفلة من امرأته وفتح له وأعطاه الطعام كله؟ فلا رأت ذلك امرأته 
ولولت عليه وصاحت وأقسمت أنها لا تقعد علده. وهو ساكت, فلم تمر نصف 
ساعة حتي قرع الباب» وجاء من يحمل الأطباق فيها ألوان الطعام والحلوى 
والفاكهة فسألوا: ما الخبر؟ وإذا الخبر أن سعيد باشا شموين كان قد دعا بعض 
الكبار فاعتذروا فغضب وحلف ألا يأكل من الطعام وأمر بحمله كله إلى دار 
الشيخ سليم المسوتي. 


قال : أرأيت يا امرأة؟ . 


وقصة المرأة التى كان ولدها مسافراً» وكانت قد قعدت يوماً تأكل وليس 
أمامها إلا لقمة أدام وقطعة خبزء فجاء سائل فمنعت عن فمها وأعطته وباتت 
جائعة؛ فلما جاء الولد من سفره جعل يحدثها بما رأى قال: ومن أعجب 
ما مربي أنه لحقني أسد في الطريق, وكنت وحدي فهربت منه؛ فوثب علي وما 
شعرت إل وقد صرت في فمه» وإذا برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي فيخلصي منه» 
ويقول: لقمة بلقمة» ولم أفهم مراده . 


فسألَيّه عن وقت هذا الحادث وإذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على 
الفقير نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بهاء فنزع ولدها من فم الأسد. 

والصدقة تدفع البلاء ويشفي بها الله المريض» ويمنع با الله الأذى وهذه 
أشياء مجربة وقد وردت فبها الآثار. والذي يؤمن بأن لهذا الكون إلَها 
هويتصرف فيه وبيده العطاء والمنع» وهو الذي يشفي وهو يسلم, يعلم أن هذا 
صحيح ؛ والملحد ما لنا معه كلام . 

والنساء أقرب إلى الإيمان: وإلى العطف, وإن كانت المرأة بطبعها أشد 
بخلا بالمال من الرجلء وأنا أخماطب السيدات وأرجر آلا يذهب هذا الكلام 
صرخة في واد مقفرء وأن يكون له أثره» وأن تنظر كل واحدة من السامعات 
الفاضلات ما الذي تستطيع أن تستغني عنه من ثيابها القديمة أو ثياب أولادهاء 
وجما ترميه ولا تحتاج إليه من فرش بيتهاء وما يفيض عنها من الطعام والشراب» 
فتفتش عن أسرة فقيرة يكون هذا لها فرحة الشهر. 

ولا تعطي عطاء الكبر والترفع» فإِنْ الابتسامة في وجه الفقير مع الفرنك 
تعطيه له. خير من ليرة تدفعها إليه وأنت شامخ الأنف متكبر مترفع» ولقد 
رأيت بنتي الصغيرة (بنان) من سنين تحمل صحنين لتعطيها الحارس في 
رمضان. قلت: تعالي يا بنت». هاتي صينية وملعقة وشوكة وكأس ماء نظيف 
وقدميها إليه هكذا. إنك لم تخسري شيئاً. الطعام هو الطعام؛ ولكن إذا قدمت 
إليه الصحن والرغيف كسرت نفسه, وأشعرته أنه كالسائل (الشحاد)» أما إذا قدمته 
في الصينية مع الكأس والملعقة والشوكة والمملحة. ينجبر خاطره ويحس كأنه 
ضيف عزيز. 

ومن أبواب الصدقة مالا ينتبه له أكثر الناس مع أنه هين من ذلك 
التساهل مع البياع الذي يدور على الأبواب» يبيع الخضر أو الفاكهة أو البصل» 
فتأني المرأة تناقشه وتساومه على الفرنك وتظهر (شطارتبها) كلهاء مع أنها قد تكون 
من عائلة تملك مئة ألف, وهذا المسكين لا تساوي بضاعئه التي يدور نهاره 


لل 


ليبيعهاء لا تساوي كلها عشر ليرات» ولا يربح منما إلا ليرتين» فيا أيها النساء 
أسألكن بالله. تساهلن مع هؤلاء البياعين. واعطوهم ما يطلبون, وإذا خسرت 
الواحدة منكن ليرة فلتحسبها صدقة, إنما أفضل من الصدقة التي تعطى 
(للشحاد). 

ومن أبواب الصدقة أن تفكر معلمة المارسة حينيا تكلف البنات شراء 
ملابس الرياضة مثلً. أوتصر على شراء الدفاتر الغالية والكماليات التي لا 
ضرورة لها من أدوات المدرسة, أن تفكر أن من التلميذات من لا يحصل أبوها 
أكثر من ثمن الخبز وأجرة البيت» وأن شراء ملابس الرياضة أو الدفاتر العريضة 
أو (الأطلس) أو علبة الألوان» نراه نحن هيئاً ولكئه عنده كبيرء والمسائل كما 
قلت نسبية» ولو كلفت المعلمة دفع ألف ليرة لنادت بالويل والثبورء مع أن 
التاجر الكبير يقول: وما ألف ليرة؟ سهلة. سهلة عليه وصعبة عليهاء كذلك 
الخمس ليرات أو العشر. سهلة على المعلمة ولكنبا صعبة على كثير من الآباء . 

والخخلاصة يا سادة! أن من أحب أن يسخر الله له من هو أقوى منه وأغنى 
فليعن من هو أضعف منه وأفقرء وأن يضع كل منا نفسه في موضع الآخرء 
وأن يحب لأححيه ما يحب لنفسه. إن النعم إنما تحفظ وتدوم وتزداد بالشكرء وإن 
الشكر لايكون باللسان وحده ولوأمسك الإنسان سبحة”' وقال ألف مرة : الحم د لله » 
وهويضن ماله إن كان غنيء ويبخل بجاهه إن كان وجيهاًء ويظلم بسلطانه إن 
كان ذا سلطان» لا يكون حامداً لله وإِغا يكون مرائياً أو كذاباً . 

فامدوا الله على نعمه حمداً فعلياًء وأحسئوا كما تحبون أن يحسن الله 
إليكم» واعلموا أن ما أدعوكم إليه هو من أسباب النصر على العدو. ومن جملة 
الاستعداد له. فهو جهاد بالمال, والجهاد بالمال أخو الجهاد بالنفس . 

ورحم الله من سمع المواعظ فعمل بباء ولم يجعلها تدخل من أذن لتخرج 
من الأخرى . 


)١(‏ وماعرف سلفنا الصالح هذه السبحة. 


١ 


حديث عن دمشق 


نشرت سنة /41 ١9‏ 
وقد أمضيت تلك السئة في مصر 


دخلت مزناً (في القاهرة) أشتري منه شيئأ» فسمع لهجتي الشامية شيخ 
هم كان هناك أبيض الشعر كأن رأسه ولحيته التغامة. فالتفت إلى وقال: 


فسطع على وجهه نورء وبرق في عيئيه بريق. وبدت على جبينه ظلال 
ذكريات حلوة مرت 5 رأسهع وأخحل بيدي هاشا لي باشا بوجهى 2 فأقعدني 
معة وقال لي : 
أهلاً بك, أهلاً وسهلاً. تشرفنا يا ولدي. فتعال! تعال حدثنى عن 
دمشق, فقد طال ابتعادي. وزاد إليها اشتيافى » حدثنى عن سهلها وجبلهاء 
عن غوطتها وربوتماء عن (الميزان)» ألا يزال الميزان مثابة الطهرء ومثوى 
الجمال» وجنة الدنيا؟ ألا يزال السراة والتجار يصلّون الصبح كل يوم 
ويخرجون إليهء يقضون فيه حق النفس بالتأمل» كا قضوا في المساجد حق الله 
كن #2 
بالصلاة. فيجمع الله هم الحنتين» ويعطيهم نعيم الدارين؟ ألا يزال زاخرا 
الأخضرء يشرفون على (قلوات) و(باناس)20 وهما يخطران على العدوة الدنيا 


)١(‏ ويدعوه الناس بانياس وهما من فروع بردى السبعة. 


١, 


متعانقين متمخاصرين فعل الحبيبين في غفلة الرقيب» يمشيان حالمين خلال الورد 
والفل والياسمين» كزوجين في شهر العسل» يظهران حيئاً ثم تشوقه) الخلوة, 
فيلقيان عليهما حجاباً من زهر المشمش والدراقن والرمان؛ وعلى العدوة القصوى 
زوجان أخران حبيبان» يمضيان يتناجيان ويتخالسان القبل: (يزيد) و(تورا)7)؟ 
وبردى! ألا يزال يدب في قرارة الوادي على عصاه. ينظر باساً إلى بليه ثم يلوي 
عن مشهدهم بصره» وينطلق في طريقه لا يبالي»ء عاف الحب ومسل الغرام: 
وعلّمته تجارب العمرء أن كل مافي هذه الحياة باطل إلا ذكر اللَّه والعمل 
للآخرة» كله لعب وهو ومتاع زائل؟ وقاسيون الحد العبقري الذي عاش عشرة 
ملايين سنة وما انفكٌ شاباًء وشاخ ابن أخيه بردى وم يشخء ألا يزال قاسيون 
قاعداً قعدة ملك جبار. قد رفع رأسه ومدٌّ ذراعين له من الصخرء فأحاط بها 
دمشق وغوطتهاء من الربوة إلى (برزة)» ووطأ لها ركبته فنامت المدينة عليها. ىا 
تنام الحبيبة إن أضناها النعاس على ركبة الحبيب» واحتمت الصالحية بصدره كما 
يحتمي الطفل الوليد بصدر الأم الرؤوم؟ والشمس! ألا تزال الشمس تضحك 
لبردى وأبنائه» وتستحم أنوارها في مائة, وتسبح أشعتها في سمائه؟ 

و(صدر الباز) و(مصطبة الأمبراطور) و(الصوفانية) و(الشاذروان)؟ 
حدثني عنها. . . حدّث عن دمشق, ألا يزال الناس يعيشون في دمشق للخير 
والجمال؟ ألا يزال التجار يخرجون من صلاة العصرء فيغلقون دكاكينهم 
ويمضون إلى بيوتهم, إلى أولادهم وأهليهم. ثم يتعشون المغربب. ويؤمون 
المساجد, فإذا صليت العشاء خرجواء فمنهم من عاد إلى داره» ومغهم من ذهب 
إلى الدرس» ومنهم من مثى إلى (الذّور). . 

قل لي: ألا يزال (الدَّوْر) يجمع الإخوان المتألفين, والأحبة المتصافين. 
يسمرون في كل ليلة في منزل واحد منهم ) يلشدون الأشعار ويسوقون النوادر. 


)١(‏ من فروع بردى السبعة. 


١ 


ويروون المضحكات. ويطالعون الكتب؛ ويتجاذبون الحديث, ويأكلون ألوان 
الحلويات؛ ويشربون الشاي» ثم ينصرفون إلى دورهم, وقد استمتعوا أوق 
ما يكون الاستمتاع؛ وسروا أكثر ما يكون السرورء وماغشوا قهوة, ولا أُموا 
ملهى » ولا جالسوا غريباً. ولا أتوا محرماًء ولا أنفقوا في غير وجهه مالا؟ 

ألا تزال منازل المشايخ في (زقاق النقيب) و(حمام أسامة) 20 و (القيمرية) 
معاهد إرشاد. ومدارس علم. ودارات ملوك؟ قل لي! من بقي من تلك الآسر 
العلمية؛ ال حمرة وال عابدين والطنطاوي والعطار والخاني والطيبي والشطي 
والأسطواني والكزبري والعمادي والمحاسبني والميني والخطيب؟ ألا يزال فيها 
العلماء الأعلام أم تنكب الخلف طريق السلفء واستبدلوا الدنيا بالدين» والمال 
بالعلم؛ والمنصب بالتقوى؟ والعلماء ألا يزالون أعزة بالدين» يعرضون عن 
الملوك فيسعى إلى أبوابهم الملوك؛ ويزهدون في الدنيا فتقبل عليهم الدنياء 
وهربون من الولايات والمناصبء فتلحقهم المناصب والولايات؟ 
ألا يزال الناس يعكفون في دمشق عل العلم لايريدون 
به ل الله والدار الآخرة. يلون لذلك ركبهم ويحيون ليلهم. ويكدون 
نهارهم ؛ ويقنعون في أيام الطلب بما سد الرمق» وحمل الجنب» وستر العورة. 
لا يسألون عم! غاب من ذلك أو حضرء قد فكروا في غيره» وأقبلوا على سواه 
فكان العلم أملهم , وكانت المطالعة شغلهم » وكان ثواب الله مبتغاهم. قد 
صغرت الدنيا في أعينهم حتى إنهم لم يروها ليتكالبوا عليهاء ويذلوا من أجلهاء 
و( يضربوا) عن التعليم إن لم يصلوا إليها؟ ألا تزال هذه المدارس 
عامرة؟ يجيئها الطالب؛ فينام في غرفهاء ويستمع من مشايخهاء ويأكل من 
أوقافهاء ويجعلها دنياه لا دنيا له وراء جدرانها: العمرية والمرادية والنورية 
والبادرائية والقلبقجية ودار الحديث وجامع التوبة وباب المصلى والدقاق ومدرسة 
الخياطين وأمثالهاء ألا تزال زاخرة بالطلاب عامرة بالعلم؛ عاملة للإصلاح؟ 


.66 


ومنازل دمشق! ألا تزال تلك المنازل الواسعة الصحون, ذات الظل 
والماء» والبرك والنوافير» والأشجار والزهورء والدواوين والمجالس» والصيانة 
والسترء فهي من خارجها حواصل تبن» ومن داخلها جنات عدن» وهي 
مصيف ومشتى » وهي مسكن وملهى ؛ وهي دار وبستان . 

ألا تزال في دمشق الأسرة كلها تعيش في المنزل الواحد: الجد والأب 
والأعمام والأولاد. ونساؤهم وأولادهم , ثم لا نهد خلافاً ولا شقاقاً ولا دسا 
ولا كيداًء الصغير يوقر الكبير ويطيعه. والكبير يرحم الصغير ويحبه. وكل يؤثر 
على نفسه. ولا يجب لغيره إلا ما يحب لها؟ 

ألا تزال المرأة لبيتها ولزوجهاء لا تقيس الطرقات» ولا تقصد الأسواق». 
ولا تعتاد منازل الخيّاطات. إن احتاجت شيئاً اشتراه لها بعلهاء وإن أرادت 
زيارة أهلها ذهب معهاء وإن اشترت ثوباً خخاطته بنفسهاء والحجاب سابغ ؛ 
والشهوات مقموعة, والزواج شامل. لا يبلغ الولد عشرين إلآ وله ولدء 
ولا تصل البنت إلى الثامنة عشرة إلا ولها ولدان؟ 

والبوابات! هل زالت البوابات» التي كانت تغلق كل ليلة بعد العشاء 
وتسد الطرقات في وجوه لصوص الأموال والأعراض فلا تفتح إلا لقاصد بيته 
أوذاهب في حاجة مشروعة؟ 

والأحياء! ألا يزال في كل حيٌ عقلاؤه وسادته» يسعون لخيره؛ ويعينون 
عاجزه, ويسعدول فقيره» ويأخذون من فضل مال الغني ما يسدٌّ خلة المحتاج» 
وإذا رأى أحدهم غريباً ني الحي سأله من هووما يكون؛ فلا يدحل الحي 
إلا رجل شريف. وإن وجد امرأة متبرجة نصحها وزجرهاء وبحث عن وليها 
لبحميها. وإن علم بأن داراً ترتكب فيها فاحشة؛ عقد مجلساً فدعا المؤفجر 
والمستأجر وكانت المحاكمة التي لا تؤدي إلا إلى منع الفاحشة في غير ظلم 
ولا عدوان» فكان الحي كله كالأسرة الواحدة. وكان البلد مجموعة أسر كلها 
ير فاضل نبيل؟ 


حل 


حقه فلا يطلب إلا أقل منه. ويعرف ما عليه فلا يقصر في أدائه. وإن اختلفوا 
رجعوا إلى العالم ورضوا بحكمه, لا يعرفون المحكمة إلآإن استحكم الخلاف» 
وقلما كان يستحكم الخخلاف؟ 

ألا يزال القاضي الشرعي مرجع كل خصومة, ومصدر كل حكمء يحكم 
في كل قضية بشرع الله فلا نطويل ولا تأجيل»؛ ولا مراوغين ولا محامين7١)؟‏ 

ألا يزال كل ما يحتاج إليه الناس يصنع في دمشن» فلا يأكلون 
إلا حاصلات بلادهم, ولا يلبسون إلا نسيج أيديهمء ولا يتداوون إلا بعشب 
أرضهم ‏ لا يدفعون أموالهم إلى عدوهم, ولا يعينونه مها على أنفسهم؟ 

ألا يزالون سعداء راضين؟ قد انصرف العالم لعلمه. والتاجر لتجارتهء 
والطالب لدرسه. والمرأة لبيتهاء لايشتغل أحد بغير شغله. ولايدخحل 
أمانتهم فأعطوهم طاعتهم. ورأوهم لا يسرقون مالهم. ولا يمالئون عدوهمء. 
ولا يضيعون مصالحهم» فلم ينفسوا عليه زعامتهم . ولا ضيقوا عليه مكانتهم ! 

فقلت للشيخ : منذ كم فارقت دمشق يا سيدي؟ 

فتغبد وقال: منذ سنة 1881» فارقتها شاباً. ول أدخلها بعد ذلك أبداً. 

فرحمت الشيخ أن أفجعه في أحلى ذكرياته» وأن أطمس في نفسه أجمل 
صور حياته فتلطفت فودعته؛ ولم أقل له شيئاً» وماذا أقول؟ 

أأقول له: إن أهل الشام قد انصرفوا عن صدر الباز والميزان والصوفانية 
والشاذروان وأهملوها حتى صارت مزابل» لأنهم آثروا عليها العباسية والماقانا 
وشهرزاد ونادي الصفا؟ 


)1١(‏ معذرة يا ساداتي المحامين: فقد جرتكم القافية ليس إلا. . . وحقكم على الشيخ 
المحدّث لا عل أنا. 


١,7 


وإنهم هجروا منازهم التي كانت جئات» ليسكنوا كالإفرنج في طبقات 
كأنها سجون أو مغارات» وإن أبناء العلماء الأتقياءء صاروا من الفساق 
الجهلاء. وإن مدارس العلم هدمث أو سرقت, وإن غرفها احتلت لتكون 
مساكن أو قهرات أو مخادع شهوات» وإن طلبة العلم الديي يطلبونه للمناصب 
والمراتب والأموال والرواتب» وإن الأسر انصدع شملهاء وتفرق جمعهاء وإن 
النساء ملأن اليوم الطرقات وأممن المخازن والسيدمات» وعاشرن الشبان في 
المدارس والملهيات» وإن البنات كسدن في البيوت» لما اشر الشباب اللهو على 
الزواج؛ والسفاح على النكاح» وإن الأحياء غلب عليها سفهاؤها. وضعف عن 
حكمها عقلاؤهاء وإن الناس اختلفوا وتنازعواء وفشا فيهم الغش واللخداع, 
وإن المحاكم هجرت شرع الله وحكمت بقوانين فرنساء وإك الناس تركوا 
أشغالهم واشتغلوا بالسياسة, وإن الزعاء طلبوا المال والجاه. وآثروا مصالحهم 
على مصالح الناس, وإن الموظفين غلبت عليهم السرشوات والبسراطيل 
والسرقات» وإننا تركنا مصنوعات بلادنا وكرهنا أزياءهاء وتعلقنا بأذئاب 
الغربيين» وأعطيناهم أموالناء وإنه قد ارتفع الوفاق وحل الشقاق» وذهب 
الرخاء وجاء السسخط» فالرجل يختلف أبداً مع زوجته» والأب ينازعه ابنه. 
والشريك يسرقه شريكه. وليس فينا راض ولا قانع ولا سعيد» ما فينا إلا شاك 
بلك كاره الحياة» متمن الموت. . . ثم إننا لم نحس أن هذا كله من لعنة هذه 
المدنية الغربية, ومن ثمراتها المرة التي لا يمكن أن تثمر غيرها. . . 

ولكن لاء فإن في دمشق خيراً كثيراً» لا يعرف خيرها إلا من يعيش في 
غيرهاء إن دمشق التي يصفها الشيخ لم تمت» ولا تزال تتردد ذماؤهاء فإما أن 
تنعشها (رابطة العلاء) ويمدها الإخلاص بالقوة حتى تنقذهاء وإما أن يغلب 
القضاءء فيموت المريض تحت يد الطبيب. . . 


ولن تموت دمشق الإسلامية بحول الله أبداً! 
ين 


14 


ااا 00لا |.|.5154ا1 73 373ا٠116‏ ايا الل سما 


نشرت سنة ١9619‏ 


لما قعدت أكتب هذا الحديث, تقابلت في نفسى صورتان لرمضان: 
رمضان المزعج الثقيل» الذي قدم يحمل الجوع والعطش» ترى الطعام أمامك, 
يدك تصل إليه ونفسك تشتهبه؛ ولكنك لا تستطيع أن تأكله» ويلهب الظماً 
جوفك؛ والماء بين يديك ولكنك لا تقدر أن تشربه» وتكون في أمتع نومة» فيأتي 
رمضان فيوقظك لتأكل من جوف الليل وأنت تؤثر لحظة منام على كل ما في 
الدنيا من طعام؛ وإن كلت صاحب دخان منعك من دخينتك (سيكارتك), 
أو نارجيلتك», فهو شهر مشقة وتعب. وجوع وعطش . 

ورمضان الحلو الجميل الذي يقوم فيه الناس في هدءات الأسحار 
وسكنات الليل» حين يرقٌ الأفق, وتزهر النجوم ويصفو الكونء ويتجلى الله 
على الوجود يعرض كنوز فضله على الناس» ويفتح لهم باب رحمته» يقول جل 
وعلا: «ألا من مستغفر فأغفرٌ له, ألا من سائل فأعطيّه» فيسأل الطالب» 
ويستغفر المذنب» فيعطى السائلء ويغفر للتائب» وتتصل القلوب بالله فتحس 
بلذة لا تعدل لذاذاتٌ الدنيا كلها ذرة واحدة منباء ثم يسمعون صمت المؤذن 
يمشى في جنبات الفضاء مشي الشفاء في الأجسام, والطرب في القلوب» ينادي 
«الصلاة خير من النوم), فيقومون إلى الصلاة يقفون بين يدي مصرف الأكوان 
يناجون الرحيم الرحمن» فيسري الإيمان في كل جنان» ويجري التسبيح على كل 
لسان» وتنزل الرحمة في كل مكان. 


18 


رمضان الذي ينيب فيه الناس إلى الله. ويؤمون بيوته, فتمتلى» المساجد 
بالمسلمين, متعبدين أو متعلمين» لا متتحدثين ولا نائمين. ففي كل بلد من بلاد 
الإسلام مساجد حمل بالعبّاد والعلماء» ليس يخلو مجلس فيها من مصلٍ 
أوذاكر, ولا أسطوانة من تال أو قارىء, ولا عقد من مدرس أو واعظ» قد 
ألقوا عن قلوبهم أحمال الإثم والمعصية» والغل والحسدء والشهوات والمطامع, 
ودخحلوا المساجد بقلوب صفت للعبادة وسمت إلى الخير» قطعوا أسبابهم من عام 
الأرض ليصلوها بعالم السماء» تفرقوا في البلدان واجتمعوا في الإيمان» وحدتهم 
هذه القبلة التي يتوجهون كلهم إليهاء لا عبادة لهاء فم يعبد المؤمن إلا الله 
وما الحجر الأسود إلا حجر لا يضر ولا ينضع» وإنما هو رمز إلى أن المسلكين مهم) 
ثناءت بهم الديار» وتباعدت الأقطار, أمة واحدة, دائرة محيطها الأرض كلهاء 
ومركزها الكعبة البيت الحرام . 

رمضان الذي نجتلى فيه أجمل صفحات الوجود» وما كنا لنجتليها قبل 
رمضان, لأن الحياة سفّر في الزمان» يحملنا قطار الأعمار» فإذا قطع بنا أجمل 
مراحل الطريق» حيث يولد النور» وتصفو الدنياء ويسكن الكون. مرحلة 
السحر. قطعها بنا ونحن نيام لا نفتح عليها عيوننا ولا نبصر فتوهها . 

رمضان الذي تتحقق فيه معاني الإنسانية. وتكون المساواة بين الناس» 
فلا يموع واحد ويتخم الآخره بل يشترك الناس كلهم في الجوع وني الشبع. 
غنيهم وفقيرهم» فيحسٌ فيحس الغني 1 الجوع. ليذكره من بعد إذا جاءه من يقول 
له : أنا جوعان, ويعرف الفقير قيمة نعمة الله عليه, حين يعلم أن ف لمي 
على غناه رغيفاً من الخبز أو كأساً من الماء» ويعلم يعلم الجميع حين يجلسون إلى 
مائدة الإفطار, أن الجوع يسوي بين المطاعم كلها: القوزي والنمورة. وصحن 
الفول المدمس وقطعة الجرادق. وليس الذي يطيب الطعام غلاء ثمنه» ولا جودة 
صنعه. ولا حسن مائدته. ولكن ا جوع الذي يشهيه والصحة التي #بضمهء 
وأرخص طعام مع الصحة والجوع ألذّ من موائد الملوك لمن كان مريضاً 
أو شبعان . 


ويغدو الناس كأنهم أخحوة و في أسرة واحدة؛ أو رفناق في مدرسة داخلية 
يفطرون حميعاً في لحظة واحدة. ويمسكون حميعاً في لحظة واحدة» فتراهم المساء 
مسرعين إلى بيوتهم. أو قائمين على مشارف دورهم, أوعلى أبواب منازلهم, 
ينظرون في ساعاتهم ويتطلعون إلى المآذن بعيونهم وإلى المدفع بآذاهم. فإذا 
سمعوا ضربة المدفع. أوأبصروا ضوء المنارة» أورن في أسماعهم صوت 
المؤذن» عمّت الفرحة الكبار والصغار» فانطلقت وجرمه الكبار. وصاح الصغار 
بنغمة موزولة: دَأذْنْ أذّنْ أَذْنْ» وطاروا إلى دورهم كعصافير الروض» يرضى كل 
با قسم له. وبحمد الله عليه قد راضهم الجوع على أن يتقبلوا كل طعام فكل 
طعام هوفي أذواقهم تلك الساعة سدم طعام . 

فإذا فرغو من طعامهم ) أموا المساجد فقاموا بين يدي ريم وخالقهم. 
صفاً واحداً متراصة أقدامهم: ملتحمة أكتافهم. وجباههم جميعاً على الأرض . 
الغني والفشيرء والكبير والصغيرء والصعلوك والأمير» يذلون لله يضعون له 
وجسوههم عند مسواطىء الأقدام. فيعطيهم الله ببذه الذلةله 
عزة على الناس كلهم. فتنخفض لهم رؤوس الملوك والجبارين حتى تقع على 
أقدامهم» ومن ذل لله أعزه الله ومن كان لله عبداً جعله الله قي الدنيا سيداًء 
ومن كان مع الله باتباع شرعه والوقرف عند أمره ونهيه: وإتيان فرائضه واجتناب 
محرماته» كان الله معه بالنصر والتوفيق والغفران» وبذلك ساد أجدادنا الناس. 
وفتحوا الأرض من مشرقها إلى مغرمهاء وحازوا المجد من أطرافه. وأقاموا دولة 
ما عرف التاربخ أنبل منها ولا أفضل», ولا أكرم ولا أعدل. 

رمضان الذي يجمع للصائم صحة الجسم. وصحة الروح؛ وعظمة 
النفسء ورضا الله . 

إن الصيام من سئن الرياضيين» وسلوا كتب الرياضة وسلوا شيخها 
مكفادن» ولست طبيا واكني ججربت بنفسى» ورب حرّب أعرف بنفسه من 
طبيب» فأنا أحد من أضتتهم الرثية (الروماتزم) وحصوات الكلى. ولقد راجعت 
في علاجها ستة وثلاثين يا اي واللهء وأحسبني جربت لها كل علاج؛ فلم 


ل 


أجد لحاء مثل الصيام . والصيام يصفي الجسمء ويطرح سمومه )2 وينفيى عنه 
هذه صورة رمضان الحلوة. أفلا تستحلى معها مرارة الصورة الأخرى؟ 
إنه دواء فمن من العقلاء لا يحتمل ألم الدواء» لا يرجو بعده من لذة الشفاء؟ 

٠‏ هذا هو ذا رمضان. فإذا أردتم أن تصوموا حقاً. فصوموا فيه عن الأحقاد. 
والمائمء والشرورء كفوا لسانكم فيه عن اللغر وغضوا فيه أبصاركم عن 
الحرام) واعلموا أن من الصائمين من ليبس له من صيامه إلا ا جوع والعطش.» 
لا يكف عن الكذب والغش والعدوان على الناس», ولقد سآل الرسول كل 
أصحابه» من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لامال له ولا درهم, قال: 
المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وحسنات ويأق قد ضرب هذا وشكم 
هذا وأكل مال هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فلا يبقى له ثيء. 
وأفظع الذنوب الكذب, الكذب بالقول والكذب بالفعل» بأن تتزيا بزي 
الصالحين. وتتخذ سمث المتقين» وأنت مراء ادع تريد أن تأكل الدنيا بالدين» 
ولقد سئل رسول اللهء هل يسرق المؤمن! هل يفعل كذا وكذا من الذنوب» 
فأجاب بأنه ربا وفع ذلك منه فتاأب» فسألوى هل يكذب المؤمن؟ قال: لاإنما 
يفتري الكذب الذين لا يؤمنون. 

ولقد بين يله بأن من غش فليس من وهذا قانون من مادة واحدة معناه 
بلسان اليوم : «يطرد من الجنسية الإسلامية من يغش»! . 

فنتشوا في الصائمين؛ أليس فيهم من يكذبء أليس فبهم من يخش؟ 
أليس فيهم من يخلف الوعد وإخلاف الوعد ثلث علامات النفاق؟ فكيف يرجو 
هؤلاء أن يكون هم واب الصائمين» وهم قد صامواعن الطعام الجلال 

إن الدين المعاملة. ومقياس الصلاح أ لصفر أء و لبيضاء» الذهب 


؟؟ 


والفضةء المال» هذا هوالمقياس» ولقد زكى رجل رجلا عند عمر فقال له: هل 
عاملته؟ هل سافرت معه؟ أم لعله غرّك منه إحناء رأسه في الصلاة» وتحريك 
لسانه بال لتسبيح (2. 

الدين المعاملة» والمقياس المال. 

وبعد يا أبها الصائمون, فإن رمضان شهر الحب والوثام» فكونوا فيه أوسع 
صدراًء وأندى لسانأء وأبعد عن المخاصمة والشرّ وإذا رأيتم من نسائكم زلة في 
رمضان فاحتملوهاء؛ وإن وجدلم مساءة من إخوانكم فاصبروا عليهاء, وإن 
باداكم أحد بالخصام فلا تقابلوه بمثله؛ بل ليقل أحدكم : إني صا 


وإذا جعتم هذا الجوع الاختياري» فاذكروا من يتجرع غصص الجوع 
الإجباري . واشكروا على نعمة ربُكم. وليس الشكر أن ترددوا ألف مرة 
باللسان وحده الحمد لله ؛ الحمد لله . ولكن شكر الغني بالبذل للفقراء» وشكر القوي 
إسعاد الضعفاء . 

وأعطوا من نفوسكم كما تعطون من أموالكم؛ فربٌ بسمة مع العطاء 
تنعش السائل أكثر من العطاء . وكلمة خير لجار» تحيي الجار» وبش في وجه ذي 
الحاجة والاعتذار عنهاء خير من قضائها مع الترفع عليه عند السؤال؛ والمنْ عليه 
بعد النوال. 

فجربوا هذه العطية في رمضان. 

وخذوا منه الصحة لأجسامكم. والسمو لأرواحكم ؛ والعظمة لنفوسكم » 
والقوة والنبل, والبذل والفضل» وخذوا منه ذخراً للعام كله ٠‏ يكن لكم ذخراً. 

رمضان الذي تشيع فيه خلال الخير. ويعم الحب والوئام . فإذا أردتم أن 
تصوموا حقا فصوموا عن الأحقاد, واذكروا مافي أعدائكم من خلال الخير 
فأحبوهم لأجلهاء واغفروا لهم وادفعوا بالتي هي أحسن. فإذا الذي بينكم وبيئه 


)1غ( الصلاة هي العماد لكن قد تكون رياء. 


رف 


عداوة كأنه ولي حميم . وليس يخلو أحد من خلّة خير» وليس في الدنيا شر مطلق 
حتى الموت » فإنها تمر بنا ساعات نرتجي فيها الموت» حتى إبليس» فإن له مزية 
الأمثال . 


ان ين 


"3 


نشرت سنة ١9055‏ 


أنا أكتب في الصصحف والمجلات من ثلائين سنة, والكتابة هي حرفتي», 
ولم أكن مع ذلك من المجلين السابقين في درس «الإنشاء) في المدرسة. وكان 
بعض إخحواننا في (الصف) ممن صاروا اليوم أبعد الناس عن الكتابة وإن صاروا 
من أعلام السياسة أو العلم أو الاقتصاد ‏ يأخذون من علامات النجاح أكثر 
تما اخذ. . . 

لا لأعهم كانوا يكتبون أحسن مما أكتب» بل لأن المدرس كان يحدد لنا 
الموضوع, وعدد الأسطر, ووجهة التفكير, فلا أستطيع مع هذه القيود أن 
أسير, كبهاء الساقية إن أقمت في وجهه السدود, ومنعته أن يجري في محراه 
وقف ثم انقلب من رقراق عذب متحدر إلى بركة أسنة . 

لذلك كنت أخيب» فلا عجب إذا خبت اليوم» وقد جاء محرر مجلة 
الإذاعة يعيد معي قصة مدرس الإنشاء فيحدد لي الموضوع والأسطر: فال موضوع 
(تقاليد رمضان الماضي), والمجال صفحة أو صفحتان من المجلة. 

وأنا أعرف رمضان الذي كان يجي دمشق من أكثر من أربعين سنة. 
ولا أزال أذكر ملامح وجهه. ولون ثيابه. والذي افتقدته من زمن بعيد فلم 
أعد أراه , 


)١(‏ نشرت في محلة الإذاعة, 


>30 


لفد تبدل كيا تبدلت أناء ونحن كل يوم في موت وحياة» لقد مات كما ٠:‏ 
مات فيّ ذلك الطفل الذي كان يذهب إلى المدرسة قبل إعلان الحرب الأولى» 
وأين ذلك الطفل؟ إنه مغى كما مغبى رمضان إلى لا يعود الذاهبونء وجاء في 
مكانه إنسان اخر يحمل اسمه ولكنه ليس إياه. كما يحمل رمضان هذا اسم 

أنا أعرفه» واذكر كيف كان يستقبله الشاميون» وأعرف أن للحديث عنه 
منعة وادة؛ ولكني كاعد من لعن أحاول أن ؛ أحصر ذهني لأكتب عنه فلا 
عندهاء وقد يكون الفكر كالفرس لامح لا يمشى بك حيث تويد أنت: بل 
حيث يريد هوء ولم يبقّ أمامي إلا أحد أمرين: إما أن تعفيني المجلة من 
فالك تي ل ولسولاه ل يكن لرمضان معنى . رأي معن يبقى 
ل (التدريب العسكري) إذا خجلا من المشقة والتعب» وبذل الجهد. وصار ثوماً 
متصلا وأكلٌ متصلا وأكلاً وشرباً واسترخخاء؟ 

ولكني أعني مزعجات الناس» وإذا كان قراء المجلة يعدوننى بأن يكتموا 
ماأقول عن مدير الإذاعة» لقلت لهم أن شطر هذا الإزعاج من الإذاعة, 
والشطر من الناس. 

إزعاج ب يستمر من الصباح إلى المساعع ولا ينقطع لحظة واحدة نرجع فيها 
إل أنفسنا ونستطيع أن نستجي فيها طلعة رمضان» أو نبحس بوجوده. 
ورمضان أجمل مرحلة في طريق الزمان» يمر فيه ركب الإنسانية على الروض 
الأنيق. فيرى المشهد البارع , ويشم العطر العبق » ويسمع من صدح البلابل 
وهديل الحمام» ما يرقص من الطرب القلوب . 

ولكن كيف برى المشهد من يزدحم عليه الناس حتى يسدوا في وجهه 


إن 


الصوت الرقيق من تحف به ضجة تزلزل الأرضص؟ 


إنها مائدة حافلة ولكنكم لا تدعونني أتناول لقمة منها حتى تصدوني عنها. 


إنه شهر التأمل والعيادة» وللة الروح. وأنس القلب. ولكنكم لا تتركونث 
لي ساعة. ساعة واحدة أستمتع مبدأة التأمل» وذهلة الحلم. ونشوة المناجاة . 


وهذا هو الموجز وهاكم تفصيل الأنباء كا يقول المذيع : 

أما الإذاعة فهي لا تسكت من صباح الله الباكر إلى نصف الليل» ولا 
تستريح ولا تريح ولااتكف لسانها دقيقة» ولو كانت تذيع مايعين على 
الخشوع والعبادة في رمضان, وما يذكر بالله لمان الخطبء ولكنها تذيع الأغاني 
الي أجمعت كلمة الأنس والجن على استنكار أكثرها وأنا لا أقول للإذاعة: 
لا تغني ! لأن لا أحب أن أقول كلمة أعلم أنه لن يستجاب لهاء ولكن أقول إن 
موسيقا الناس نصفها لحان معبرة» ونصفها كلام ملحن, وموسيقانا كلها 
كلام وإن الكلام في موسيقاهم نصفه للمرأة ونصفه للطبيعة والوطن والحياة 
وما عندنا كله للمرأة» وإن ما للمرأة عندهم نصفه من الغزل السامي والاتباعي 
(الكلاسيك) ونصفه غزل خفيفء وليس عندنا إلا هذا الغزل الخفيف. بلفظ 
عامي فظيع., ومعان شنيعة مبتذلة, ونغم مسترحخ متخنث؛ وهم 
يجدون كل يوم جديدا ونحن لعقم القرائح نردد ونعيد. ولماذا أعمم القول 
فأكون ظالاً؟ لا ليس كله كذلك! وقد نسمع أغاني تبلغ في جمال لفظهاء 
وحسن معناهاء وتوقيع لحها ذروة الكمال» ولكنا نسمعها أول مرة فنستجدها 
ونستجيدها ونستعيدهاء ونسمعها الثانية فنطرب لا ونسر بهاء ونسمعها الثالشة 
فنستملحها والرابعة فلا نكرههاء والخامسة فنبدأ بالإعراض عنهاء والسادسة 
فنضيق بتكرارهاء فلا تزال الإذاعة تعيدها حتى تأتي المرة العاشرة والخامسة عشرة 
والسادسة والسبعون فتطلع منها أرواحنا. ولوكانت الشهد المصفى أو الفالوذج 


يفا 


وأطعمتها إنساناً كل يوم عشر مراتء وحشوت به فمه جائعاً وشبعان» راغباً 
وكارهاً. لصار لها في فمه طعم العلقم . 

أما الناس فإزعاجهم أكبر وأنكرء وأنا أستطيع أن أسد الراد فلا أسمع 
ما تذيع الإذاعة, أو آخذ منهما صفا وأدع ما كدر» ولكن ما أصئع بمن لا يطرب 
إلا أن أشرك معه بسماع الأغنية مئة جارة وجار» من أمام ومن خلف وعن 
اليمين وعن اليسار؟ فكيف ننام» وكيف نشتغل» وكيف نخلص التوجه إلى 
اللهء ومن كل جهة من حولناء هذه المصائب الثقال» والضجة المروعة» وفريد 
الأطرش» وهذا الآخر عبد الحليم حافظ! 

فإذا سكت الراد في الساعة الثانية عشرة وحاولت أن تنام» لم تمر نصف 
ساعة حتى يجيء (أبو طبلة) هذه الآفة التي لا دافع لحاء المسحر الذي ضاقت 
به الصناعات والمهن فلم يجد له صنعة إلا أن يحمل طبلا ثم يأتي نصف اللبل 
ليقرع به رأسكء» ويوقظك من منامك» وأعجب العجب أن يعترف المجتمع 
هذه الصنعة؛ ويعدها من الصناعات المقررة» ويوجب عليك أن تقول له 
أشكرك, وأن تدفع له في آخر الشهر أجرته على أنه قد حطم أعصابكء؛ وكسر 
دماغك . 


وأنا أفهم أن يكون للمسحر موضع في الماضي, أما اليوم وني البلد 
إذاعة , وفي كل بيت ساعة» وفي كل حي مئارة عليها مؤذن» وفي البلد مدفع 
يوقظ صوته أهل المقابرء فليس للمسحر موضع فينا. 


(وراك وراك) و(يا بياع الورد), وعاد الجيران إلى تطبيق الجو ببذه الأصوات» 
وجاء بياع الحليب» وبياع الفول» ومصلح اليوابير. و(الذي عنده خحزانات 
للبيع والذي عنده كنبات للبيع) وزلزلت الأرض باأبواق السيارات؛ وصراخ 
الأولاد. . . 


54 


فإن هربت إلى المسجد الأموي لتأحذ منه موعظة أو لسمع درساً رأيت 
النائمين مصفوفين بالطول وبالعرض» يشخرون ويتنفسون من كل منفك. .. 
وحلقات المتحدثين يضحكون ويمزحون ويغتابون ويكذبون ووجدت العوام ' 
يدرسون بلا رخحصة ولا إذن لأن العلماء غائبون. ولم تجد في المسجد شيئا ثما يجب 
أن يكون فيه! 

فإن سرت في الشوارع رأيت المطاعم مفتوحة؛ والمفطرين في كل مكان؛ 
وركب أمامك في الترام من يدخن وينفخ الدخان في وجهك, مع أن القانون والعرف 
يمنعان التدخمين في الترام. والذوق (إن لم نقل الدين) بمنع إعلان الفطر في 
رمضان في البلد المسلم. . 

فمن أين مع هذه المزرعجات, من أين (يا مجلة الإذاعة) أستطيع أن 
أنفذ إلى الموضوع الذي تريدون مني أن أكتب فيه؟! . 


ف 


كنا 


نشرت سنة ١96/‏ 


زاري شاب فاضل قال إنه من (لحج)ء ففتشت في زوايا ذهني فلم 
أجد شيئاً عن الحج هذه ووجدتني أجهلها جهال مطبقاًء لا أعرف شكلها 
ولا أهلهاء ولا أدري كثي رأولا قليلامن خبرها . ونظرت فوجدت أن كل ما نعرف 
عن بلادنا (العربية والإسلامية) هو ما ذكره المصنفون الأولون. وما نحفظ من 
شعر فيها ما قاله الشعراء الأولون؛ ولولا أن الله يسر ل (ياقوت) أن يصف لنا 
هذه البلاد التي مر بأكثرها تاجراً. ويجمع ماقرأ عنهاء في كتابه العظيم (معجم 
البلدان) ولولا هذه الكتب الأربعة أو الخمسة الأخرى, لجهلنا عن بلادنا كل 
شيء . 

فأين الكتب التي ألفها فيها علماؤنا اليوم, وأين الشعر الذي قاله فيها 
شعراؤنا؟ | نل بين في فرنسا ملا جسل ولا ر ولا قلة ولا قصر» إلا قال ف 
الشعراء» ووصفه الكتاب, وكتب عله العلماء . ونحن نعيش في أجل البلاد؛ 
وأحفلها بالماضي الضخم والمجد التليد وآمال شعب هبٍّ ينظر إلى الأمام, 
وينشىء المستقبل المجيد» ثم لا نقول فيها شيئا . 

هاتوا خبروني! كم قصيدة قال شعراء الشام في بلودان والزبداني وعين 
الصاحب والعين الخضراءء؛ وهذا الوادي الذي هو بيت القصيد في ديوان 
الوجود. والذي لا يدانيه في جماله وسحره وادٍ؟ هل قالوا في ذلك كله وفي جنات لبنان 
معشار ما قاله شعراؤنا الأولون في سلع ومنى ونُعمان وذي سلم وهاتيك 
الصحارى المقفرات؟ 


ونقول إننا في إبان نيضة أدبية أو فيها الأدب العربي على الغاية. 
١ # # #‏ 

وتعالوا أسألكم, ماذا تعرفون عن الكوفة؟ لا أريد الكوفة التى ملأت 
أخيارها كتب التاريخ والأدب. بل الكوفة اليوم : أين 0 وماذا بقي منبا؟ 
وما صفتها؟ والبصرة الآن ما مكانها من البصرة القديمة؟ وأ ين المربد؟ بل 
خبروني عن دمشق». هل تعرفون حدود دمشق أيام الأمويين؟ هل تعرفون 
تاريخ امتدادها من بعد وتوسعها؟ 

تقرؤون في كتب الأدب والتاريخ خ اسماء نجد واليمامة وجبلي طيء فهل 
تعرفول ما حدودها وما أسماؤها الآن؟ وهل درون أين جرت معركة القادسية؟ 
الكبرى» وأين. . . أين حطين؟ 

جود كل سئلةق فهل 0 أين ولد رسول الله صلوات الله عليه؟ 
وأين دار الأرقم؟ وأ ين ين مكان الرماة في أحد ؟ وأي ين كانت منازل اليهود التي أجلوا 
عنها؟ 

بل أنا أسألكم أن تمتحنوا أنفسكم فتجيبوا فوراً بلا مراجعة ولا فكر: أين 
تفع مدينة مراكش» وما بعدها عن فاس؟ وأين مسجد القرويين وأين جامع 
الزيتونة؟ وهل القيروان على البحر أو على سفح جبل وما صفتها اليوم؟ 
لأني واثق أنكم لا تعرفون منها إلا أسماءهاء وهذه الاحصاءات المبتة التي بقيت 

الت عشرات اللي في نص عن ابل الي عدها ياقوت في 

كلية الآداب في القاهرة ا 07 وهو مولود في مصر؛ سأي مرة : و(بردي) 

ده يبقى إيه؟ 


لمن 


ولو قال من أين ينبع بردى أو أين يصب؟ لكان لذلك وجه. أما أن 
يسأل عنه يبقى إيه؟ لا يدري أهو جبل أهو مر أم جبل أو هو قئال في متحف أو 

7 ينفرد إخواننا المصريون (أعني قبل الوحدة) بجهل بلادناء فنحن على 
كثرة ما نقرأ عن مصر في مجلاتهاء وما أرى من مناشرها في (أفلامها) ءلا نعرف 
غير القاهرة والاسكندرية» ولو سألت جمهرة المتعلمين مناء أين تقم الفيوم من 
المنصورة؟ وما الدقهلية من الغربية؟ لما دروا. 

ونحن لا نكاد نعرف عن المغرب دانيه وقاصيه شيئاً. أما سائر بلاد 
الإسلام, فأنا أقر على نفسيء انني لم أكن أعرف عن اطند والملايا وأندونيسياء 
قبل أن أذهب إليهاء أكثر مما أعرف اليوم عن الفلبين ونيوزيلندة» حتى تاريخها 
(وهو فصل كبير خطير ماجد من تاريخ الإسلام) لم نقرأ منه شيئاء وليس في 
الكتب التى هي تحت أيدينا شيء عنه . 

بل إن كثيرين من الشاميين الذين يقرؤون هذا المقال لا يعرفون 
بلاد الشام . 

لست أعني معرفة الشوارع والساحات» بل معرفة العادات وا مواضعات» 
فمن من أهل دمشق يعرف أسلوب الاحتفال بالعرس أو الختان» في قرى إدلب مثلل 
أوعَرَاز بل من يعرف من شبابهم كيف كانت طرائق الزواج في دمشق نفسها 
في القرن الذي مفى ؟ 

فأين من وصف هذه العادات وسجلها من الأدباء؟ 

أين المقالات الوصفية والقصص والقصائد التى قيلت في نضالنا 
الفرنسيين في هذا المواقف الرائعة التي وقفناها رسع قرن كامل؟ 

إنه ليس في الدنيا أمة تجهل ديارهاء ولا تعرف نفسها إلا نحن العرب» 
إن في كل بقعة من ديارنا معدناً (أي منجم)) هو أثمن من معادن الفحم والنفط» 


يونا 


معادن جمال ومجد. وطريف العادات, وبارع الحكايات, وفي كل بلد 
شخصيات لا يصل إلى معرفتها التاريخ إن لم يدله عليها قلم الأديب» ونكت 
ونوادرء وأمثال سوائرء وأغان عبقريات فلماذا يضيع ذلك كله؟ 

أما أجدادنا فأشهد أنهم ما قصرواء ولقد وصفوا لنا حال عصرهم, 
ورجال بلداهم؛ حتى أنهم دونوا التافه من أخبارهم , والغث من كلامهمء 
وسجلوا أخبار عبيدهم وإمائهمء وعقلائهم ومجانيهم. وصالحيهم وطالحيهم, 
وهم (كما يزعم زاعمون منا) كانوا في عصر تأخر وانحطاط. ونحن في عصر 
الأدب والفن. . . لم نصنع شيئا. 

ولو أن أدباءنا عكفوا من أول هذه النبضة على أن يصف كل أديب قريته 
التي خرج منهاء وبلدته التي نشأ فيها» ريفها وعمرائبهاء وشوارعها وميادينهاء 
وآثارها وخلائق أهليهاء وعاداتهم في أفراحهم وأتراحهم. وأعراسهم ومأتمهم. 
وزواجهم وطلاقهم» وجدّهم ولموهم., وأعيادهم ومواسمهمء كم كان يجتمع 
لنا في هذا القرن من الثروة العلمية والأدبية» وكم يغنى تاريخنا ويفيد أدبنا؟ وكم 
من صور الطبيعة؛ وصفحات التاريخ وعبقري الشعرء وبارع القصص يجتمع 
لنا ؟ وكم من سير الرجال وأحاديث الأبطال» وقصص الحب والجمال» نحفظ 
من الضياع ونستئقل من النسيان؟ 


و 


الأماكن أوعية الحوادث. وظروف التاريخ, وما التاريخ إلا زمان ومكان 
ورجال؛ وقد مر الزمان فلا يعود. وذهب الرجال ولا يرجعون ول يبق 
إلآ المكان» فهو جسم التاريخ» وإذا نحن رأينا (وأرينا تلاميذنا) الساحة التي 
جرت فيها المعركة والدار التي عاش فيها العظيم» والقلعة التي افتتحها 
القائد, فقد رجعنا إلى التاريخ وعشنا فيه؛ وإذا لم نستطع زيارة المكان: 
فلا أقل من أن تكون له اليوم صورة فلرى الصورة:؛ وأن يكون له وصف 
فئقرأ الوصف . 

إن من العرب من يعرف من صفة برج (إيفل) في باريزء والجسر المعلق 


يفل 


في نيويورك» أكثر ما يعرف عن (ملويّة) سر من رأى» وجسر بغداد. لأنه يرى 
هذه في السينما كل يوم. ويبصر صورتها في كل كتاب, وتلك لا يعرفها 
إلا من راها. 

بل إن من الأدباء من شد الرحال وسافر إلى أوروبة» فوصف الرين 
والبندقية» ولكنه لم يسافر إلى الشام ولا إلى العراق, ولم يصف بردى ولا البصرة 
بندقية العرب . 

ألا تدرون أن البصرة بندقية العرب؟ وأن فيها إلى جنب كل شارع قناة» 
فأنت تركب السيارة في الشارع» أو الزورق في القناة؟ وأن فيها أماكن لا مسالك 
فيها إل أقنية الماع ولا مركب إليها ليها إلا الزوارق تسير فيها بين غابات النخيل» 
وخائل الوردء حت تنفذ إلى شط العرب؟ 

فيا شعراء العربية» ويا أصحاب الأقلام. ويا معلمي الإنشاءء خلدوا 
بالأدب كل دار عاش فبها عظيم» وكل بقعة نشأ فيها محد. وكل ساحة ولد فيها 
ظفرء وكل روضة هام فبها شاعر. وكل جبل وكل مصيف, وكل مشت . عودوا 
إلى الطبيعة فصفوهاء لا تقتصروا على وصف ذراها وسفوحهاء ومساربها 
وسوحهاء بل انفذوا إلى قلبها وروحها. وإن للطبيعة روحاً وللبلدان لساناء إن 
هذه الأودية المسحورة من لبنان التي ضلت طريقها بين الجبال كعاشق هائم 
ينشد طيف الحبيب» لقلباً. ييث في الدنيا عواطف الجمال والتأمل» ولمذه 
الجبال المعتمة بالثلج. التي تشرف على الدنيا كفيلسوف مفكر يستجلي وجه 
الحقيقة من بين أشباح الأوهامء لعقلل ينثر على الناس حكمة البقاء والعدم» 
ولهذه الأمهار الني تمنى منذ الأزل» إن للنيل ودجلة وبردى لساناً يروي أخبار 
الماضي , ويحدث أحاديث القرون؛ ويملاأ الأسماع (لو وجدت الأسماع) شعراً 
وقصصاً وأدباً خالدا . 


وإن لبدر واليرموك والقادسية وجبل طارق وعين جالوت لشعرا في الفخر 
يخرس الشعراء» وبيانا يسجد له البلغاء؛ إن أرضنا المفدسة من فلسطين 


ان 


مافتثت تتلوعلى الدنيا سور المجد. وآيات النبل» وتقص أروع قصة عن 
البطولة اخيّرة وعَتها أذن الزمان وكنا نحن أبطالها: قصة أجنادين وحطين وجبل 
النار» قصة المرّات الثلاث التى انتصرت فيها فلسطين”!؟. قصة قلب الآسدلماذاق 
حَرٌ الل وأحسٌ حر الل فانقلب خائفاً مناء مكبراً لناء والقديس لويس» 
ما أقمنا له من دار ابن لقمان معبداً ومن الطواشي (صبيح) سادناء وقصة 


الشعب الذي لم يخلق إلا ليكون سيدا . 
إن في كل بقعة من ديار العروبة منبع شعر وأدب» وفن وبيان ولكن 
أين الرواد؟ 


أين اليوم أدباء العربية وشعراؤها يستنطقون الديار» ويروون عنها 
أحاديث من نور ومن نار؟ وأين (لا أين) يعيشون» ماهم عبن ترىء ولا أذن 
تسمعء ولا قلب يحسء ولا لسان ينطق؟ والآ فأين القصص التي تصور البلاد 
وعاداتها؟ وأين الصحف التي تروي تاريخها؟ وأين القصائد التي تتغنى بجمالها 
وجلالها؟ أين هم (وهذا يومهم) يشحلون العزائم» ويوقظون الهمم. ويقولون 
القول العربي المعجز الذي يجعل من الإنسان ذي اللحم والدمء دبابة قحم 
الجبلء وطيارة تنطح النجم. وملّكأ يسمو عن الدنايا بجناحين من خير وطهر 
ويثبت للقريب والبعيد» وللأجيال والذراري» أن بلادنا أجمل البلاد » وأهلها 
أكرم الأهل, وماضيها أجل المواضي » وأن المستقبل لما؟ 

وأين معلمو الإنشاءء يفتحون على هذا الجمال الأبصار؟ ويلفتون إلى 
هذا المجد القلوب» ويصنعون للشعب العربي شعراءه وكتابه؟ 


7 
)١(‏ وستقص عم)| قريب قصة النصر على اليهود وعلى من هم وراء اليهودء واستترداد 
فلسطين, وقد يبدأ الفصل الأخير منها ببذه (الانتفاضة) التي أوشكت أن تكمل السئة 


مكنا 


دعن المدئيسون 


نشرت سلة ١9546‏ 


اهتزت الأرض لما كرّث دمشق» وزلزلت الدنيا لما أصابهاء وانبرت أقلام 
بواترٌ تناصرها في محنتهاء وازدلفت إليها الوفود تمسح جراحهاء وتلعن جَراحهاء 
وم بق قُ المشرق والمغرب صحيفة , تتل أخبارهاء ونصف حريقها ودمارها, 
وأنا في فراشي قد ملكتني الحمى فلم أشارك قومي في جهادء ول أبذل لهم 
(وطالما كنت باذلاً) قلمي هذا الضعيف ولساني . 


كنت أطل من شباكي على دمشق (وداري كا يعلم من يعلم من القراء 
تعلو عن دمشق ضاربة في الجبل) فأرى مساقط القنابل وأشاهد مواقع 
القذائف؛ وأبصر النار تأكل بلدي الحبيب». والرصاص يحصد حصدا قومي». 
فأحس في أعصابي فوق الحمى حميات» ولكني لا أقدر على شيء. 


ول أقرأ في هذه البرهة الطويلة مجلة ولا أبصرت (رسالة)» ولا رأيت ممن 
وفد على دمشق من (الإخوان) الكرام أحداء ولا حضرت (وقد دعيت) 
لتكريمهم احتفالاً . قل قيدني امرض بفراشي فلا أستطيع له براحاً. . هذي 
أول ساعة أقدر فيها على القلم» وأمكن من زمامه, رآيت فرضاً عل فيها فرص 
الاعتراف والوفاء» أن أكتب للرسالة . 

جلست لأكتب في محنة دمشق» فرأيتها قد سارت بحديثها الركبان 
وامتلأت بها الآذان؛ ومشت على كل لسانء فكدت أدع القلم» ثم قلت 
لنفسي لئن تآخرت اليوم فلقد كنت يوماً سبّاقاً. يوم هوت تحت السنابك 


8 


(باريس).؛ وقام كتاب (منا. .) يبكونهاء وما يبكون إلا لذات لهم فيها محرمة 
فقدوهاء ومفاسق خسروهاء وكنا وكان سيف فرنسا العادية مسلولا علينا» 
فكتبت في الرسالة (58”) في 5 يولية ١14٠‏ كلمة قصيرة ولكنها كسنان 
الرمح لا يضره مع مضائه قصرهء صغيرة ولكنها كالقبلة إذا تفجرت دمرت» 
ولقد شرقت شظاياها وغربت فأصابت فيمن أصابت مستشار المعارف الفرسى» 
حملها إليه بعض (الأذناب. . . ) ممن تبدل اليوم لأن الدهر تبدل ودار. فدعاني 
وكان بيني وبينه كلام لوأنا نشرته خفت ألا يصدقه من لا يعرف قائله, من 
القراء . لا أقول ذلك فخرأ ولكن ليعلم الناس» أنا ‏ بني الشام ‏ ماذللدا قط 
ولا خنعناء ولا أخافتنا فرنسا يوم كانت فرنسا وكان لا في الأرض سلطان. وبين 
الأعزة الأقوياء مكان! 


#0 


ولئن فاتني الكلام في (حادث الشام) فيا فاتني أن أكتب (على هامشه). 
وإن لدي صوراً وإن في يدي عبرأ إذا وفق الله وواليت نشرها في اسرسالة. 
اجتمع منها كتاب . ولست أعيد ما قاله الكتاب. ولا أحب أن أ عرف المعروف. 
ولقد فرغ الناس من الحكم على فرنسا ومدنيّتها وحرسّت ألسن كانت تسبح 
بحمدهاء وتمجد حضارتهاء وما تحمد منها (أقسم بالله) إلا مطارح الهوى 
الفاجر. ومسارح الفن الداعر» وجفت أقلام كانت في 1 وجيشاً خامساً) 
وما حديث الجيش الخامس في إسبانيا ببعيد. . فلم يبق لآ أن نسوق صوراً 
لا يراها | إل القريب المشإهدء وعبراً لا ينته لها | ِل الرقيب 05 وأن ننذر قومنا 
يوماً أشدٌ» وخخطباً أ عم إذا لم يقطعوأ أسبابه » ول يغلقوا بابه. . 


وإن أول ما ينبغي أن نخرج به من هذا الذي كان أن نعلم أن الله عادل 
لايصيب قوماً إلا بما قدّمت أيديهم, وأن من بديع صنعه لهذه الأمة أن يبعث 
لما هذه الشدائد تنبّهها من غفلتها كلما غفلت» وتوقظها إذا نامت» وأن من 
أسرار هذه العربية أن الابتلاء هو الامتحان» وهو المحلة وهو الفتدة. كلمات 


ذا 


غتلفات اللفظ يتلاقيان في المعنى وأنّ الله يمتحننا ليرى أَنوز في الامتحان أم 
نكون من الخاسرين . . فتعالوا يا إخواننا نحاسب أنفسنا وننظر من أين أتينا؟ 

أما ما أنا فلقد فكرت فرأد يت أن الذنب ذنبناء ما هو بذنب الفرنسيين» وأنك 
إن عانقت الميّة فلدغتك فالا الحيّة بل تكون أنت الملومء إن الفرنسيين قد 
جروا على سنّتهم. واستجابوا لطبيعتهم. » نفاض إناؤهم بالذي فيه وما فيه إلا 
الطيش والخرق فرق والخرور والتبجح وعشر أآخر من هذه الصفات» ولقد بلوناهم 
ربع قرن فا رأينا من حضارتهم إلا البارود والنار وآلات القتشل والدمار» 
ولا أبصرنا من فنهم | إلآ الفسوق والعري والاستهانة بالعرض وإضاعة اللمار, 
ولا شاهدنا من قوتهم إلا العدوان على الأطفال والنساء والعجائز الكبارء ولقد 
طالما تبدّلت علينا الوجوهء ولكن السنّة السئة؛ والطبع الطبعء كل في 
الحماقة سواء . 

ولكنّا مع ذلك واليناهم وقد نبانا الله عن موالاتهم» وقلّدنئاهم وقد منعنا 
ديننا من تقليدهم. وتركنا بياننا لرطانتهمء وفضائلنا لأزيائهم. وشريعتنا 
لقوانيهم. ومساجدنا لملاهيهم. والقادسية لأوسترلتز. وعمر لنابليون». 
ومكة لباريس؟ 


نحن أعطيناهم هذا السلاح الذي قاتلونا به: جاؤونا بالخمور تبري 
أمعاءناء وتمزق أكبادناء فشربناها ودفعنا الثمن. وجاؤوا بالكتالوجات فيها 
الأزياء العارية تُذهب فضيلتناء وتفسد شبابنا وبناتناء فعملنا بها وتركنا لها قرآننا 
ودفعنا الثمن. وجاؤونا بالأرتستات يخربن بيوتناء ويمرضن جسومناء ويسممن 
أرواحناء فهبطنا على أقدامهن ودفعنا الثمن. وجاؤونا بكل بليّة فيها الأذى وفيها 
الملاك؛ فدفعنا الثمن. فأخذوه فجعلوا منه دبابات وطيارات ثم أتوا فقالوا: 
هذا لجيشكم السوري27. أليس جيشكم؟ قلنا: بلىء وهل في ذلك شك؟ 


"4 


قالوا: هاتوا ثمنه فدفعناه مرة ثانية» فقاتلونا بسلاح شريئاه نحن ودفعئا ثمنه 
مرتين! 

نحن أعطيناهم الحنود الذين حاريونا بهم : أبناءناء قلنا لهم خحذوهم 
وخلوا بناتنا فعلّموهم في مدارسكم, ونشكوهم على مبادئكم؛ واستعمروا 
عقوم كيف شئتمء فجعلوا من أبنائنا عدوا لناء يا أبها الفراء في مشارق 
الأرض ومغاريها اعلموا أن الذي ضرب الشام بالمدافع (بإذن أوليفا روجه 
وأمره) إنما هو رجل شامي ومسلم وابن شيخ واسمه (علاء الدين الإمام)! . 

# د 

فهل استيقظنا؟ إذا لم توقظنا هذه المدافع المدوّية» إن لم ينبهنا لذع النار, 
في) والله يوقظنا شيء. ظ 

هل علمتن يا آنساتي ويا سيداتي الآن» أن هذا (الكتالوج) إنما 
هو (ديناميت) إن احتفظتن به في دوركن دمر الدور وأهلها؟ وأنكن حين تكشفن 
عن شيء من مواطن الفتنة في أجسامكن إنما تكشفن للعدو قلعة من قلاع 
الوطن» لأن كشفها يفسد أخلاق الشباب فتذهب رجولتهم ويفقدهم روح 
الكفاح» ويشغلهم عن الحرب بالحب؟ وأن هذا الأحمر على خدودكنٌ وشفاهكن 
إغما هو دم الشهداء لولاه ولولا أشباهه ما تمكن العدو مناء وما كان ليغلبنا لولا 
أن أضاع علينا أخلاق صحرائناء وشغلنا عنها بكنْ» وشغلكن بهذا الأمر عن 


كل واجب عليكن؟ . 
هل علمتم أسها الآباء أن من يضع ابئه 3 ملرسة علوم عا يخون وطئه 
ودينه وربه؟ . 


وهل سمعتم أيها القراء اللعنئة الني أطلقها ف الشام؛ خطباء على المنابر 
وأثمة ُ المحاريب» فتجاوبت بصداها الأودية والشعاب : 


ملعون كل من ينسى ما صنع بنا الفرنسيون. ملعون كل من يحب فرنسيا 


و 


أو يتزوج بعد اليوم فرنسية» أو يشتري بضاعة فرنسية. ملعون من يدخل ابنه 
أو بنته مدرسة فرنسية. ملعون كل شركمي أكل خبزنا وحاربنا. ملعون كل 
سوري أعان على بلده عدواً. ملعون علاء الدين الإمامء لعنة مجلجلة صارخحة 
مستمرةٌ متجددة) متنقلة في البطون» ماشية في الذراري»؛ لعنة الأم الى فجعها 
الفرنسيون بوحيدهاء واليتيم الذي أفقدوه أباه» والزوجة التي أيموها بعد 
زوجهاء والأسرة التي قتلوا رنها وخربوا دارهاء والتاجر الذي أحرقوا دكانه 
وسرقوا متاعه, لعنة مغموسة بالدم. مغسولة بالنار. 


ل 


كيل شىيء للناس 


نشرت سنة ١969‏ 


من عاد أني لا أركب إن استطعت المثي؛ ولا أمثئى في الظل إن قدرت 
أن أمشي في الشمس. سواء علي في ذلك * شمس لبنان في تشرين» وشمس المند 
في تموز, وكان النبار أمس صائفاً حاراً» فحللت هذا الرباط من عنقي » وطويته 
ووضعته في جيبي 2١7‏ فمر بي صديق أحبه وأحترمه. ولكني أنكر عليه أنه 
يتمسك بلعادات » أكثر من مساك العايد بد بالدين» ترص 0 نس 0 
صاره الوجه بادي الاهتمام فقال: وكيك تصنع هذا اموه 

هك وماذا صلعت؟ 

وجعلت أذكر هل أحدثت في الإسلام حدثاً؟ أوآويت محدثاً؟ أوجنيت 
جناية؟ فلا لم أذكر قلت : 

ب وضح با أي وقل لي ما الذي بلغك عني»فلعل الذي بأفك فاسق 

ب قالء ما لخن أحد ولكني أرى بعيني . وأشار إلي . 

قلت وما ذاك؟ 

قال العقدة (الكرافات) كيف تمشى بلا عقدة؟ هذا لا يليق 
بمستشار0") , ماذا يقول عنك الناس؟ 


)01( الجيب في اللغة فتحة القميص» ولكني استعماتها بالمعنى المشهور الذي بغ يفهمه القراء . 
00( وكنث يومئلٍ مستشاراً في محكمة النقض . 


ا 


فتركت الحوار وقعدت أفكر. . فإذا نحن نعمل كل شيء للناس . 
نخنق أنفسنا مهذا العقد التى نضعها في أعناقنا كالارسان» ونتكلف منها في حر 
الصيف ما لا يطاق من أجل الئاس . 

والنساء يتتخذن هذه الأحذية الفظيعة ذوات الكعوب العالية» مع أن المثي 
بها أصعب من المشي على الحبل» ومن لم يصدق من الرجال فليمش مئة خطوة 
على رؤوس أصابع قدميه: وهي فوق ذلك تصلب عضلات الساق وتشوه 
جمالحاء وما للبسها معنى. وليس فيها جمال» ولكن هكذا يريد الناس . 

ورأيت مرة امرأة واقفة في الترام» والمقاعد خحالية» وكلما دعوها لتجلس 
أبت؛ ثم تبين لي أنها تلبس إزاراً (خراطة أوجونيلا) ضيقاً عجيباً لا تستطيع معه المي 
إلا كمشي المقيد بالحديد» ولا تستطيع صعود درجة الترام إلا بكشف رجليها 
وإخراجههم| منهء فلذلك لا تستطيع القعود تتساءلون لماذا تعذب نفسها هذا 
العذاب ؟ والحواب من أجل الئاس . 

ومن الشبان من يصفف شعر رأسه تصفيفاً فنيأ يشتغل به نصف ساعة» 
ويبقى الههار كله خائفاً أن هب نسمة هواء, أوأن تقترب منه يد طائشة في 
الترام» فتفسد هندسته, وربما أدركته الحكة فاحتمل ألمها طول النبار. ولم يستطع 
أن يمد إصبعه فيحكه, لاذا؟ لأجل الناس! وكل خير هو للناس . 

المرأة ظرفها ولطفها للناس.. تقابل ضيوفها وصديقاتها بالوجه المشرق 
والفم الباسم» والجرس الناعمء والأدب البالغ» وزوجها ليس له إلا التجهم 
والنظر الشزرء واللفظ الجافيء وكذلك يصنع الزوج. 

وزينتها للناس. إذا خمرجت تزينت للغرباء وتعطرت وارتدت أجمل 
أثوامهاء وزوجها لا تلقاه إلا منفوشة الشعر, كالحة الوجهء تسبقها روائح 
السمن والبصل والثوم » وكذلك يصنع الزوج. 

والمائدة المرتبة في غرفة الطعام للناسء فإذا جاء الناس صفت الأطباق 
والصحون. ونضدت الأوراد والزهور, وإن لم يكن أحد كان الكل في المطبخ . 


بح 


وغرفة النوم ذات الأسرة المرتبة» والأغطية المطرزة, ليراها الناس. 
وأصحابها ينامون في غرفة أخرى» فيها أسرة من حديدء ولحف بلا ملاحف. 

نتعب أنفسنا ونقيد أعناقنا وأرجلنا للناس» وكل خير عندنا للناس وإن 
أردنا أن نزوج البنت؛ لم ننظر إلى مصلحتها ومصلحة زوجهاء ول نفكر في 
إسعاد حياته وحياتباء ولكن فكرنا في أيام العرس وحدهاء وسعينا لإرضاء 
الناس فقط. 

لا نسأل إلا قليلاً ‏ عن أخلاق الرجل وطباعه. بل نسأل عن المهر 
الذي سيدفعه لنقول للناس: مهر بنتنا عشرة آلاف. وعن الجهاز ليراه الناس 
فيقولوا: ماشاء الله والله جهاز عظيم. وعن حفلة العرس نتسابق لإرضاء 
الناس بإضاعة الأموال في هذا وأمثاله . 

ثوب العرس الذي لا يلبس إلا ليلة واحدة فقط يكلف مئتي ليرة على 
الأقل» وقد يصل إلى ألفين. وعلبالملبس ثمن الواحدة ليرة على الأقل وقد تصل 
إلى العشرين . 

وفيم كل ذلك؟ لفائدة العروس؟ لا والله. للشواب والجنة؟ لا والله 
لكسب المال؟ لا والله» فلم إذن؟ للناس! والناس بعد ذلك لا يرضون لأنك 
مهما أنفقت فإن في الناس من ينفق أكثر منك فيقولون: ما هذه الحفلة؟ وما هذه 
العلب؟ علب فلان كان ثمنبا أكثرء وحفلة فلانة كانت أكبر. 

والمآتم مثل الأفراح كلها تسابق إلى إضاعة المال. 

ويا ليت الأمر يقتصر على أصحاب العرسء أو عائلة الميت»لا ولكن كل 
زواج وكل وفاة فيها نكبة ثلاثين أسرة. 

يكون الزوج المسكين قد أعدّ مشروع موازنة الشهرء وسهر الليالي 
وضرب الأخماس بالأسداس», حتى استطاع أن يسدّد حاجة الأسرة براتبه الذي 
لا يتجاوز ثلاثمئة ليرة في الشهر. يشدٌ لحافه ليغطي كتفيه؛ فيكشف عن 


لف 


رجليهء فإذا سئثر رجليه انحسر عن كتفيه» وبيدا هوني ذلك | إذ خطر على بال 
عمة امرأة خال زوجته أن تموت فجأة(١)‏ فتجيء الروجة تطلب حالاً وبلا تأر 
وبالسرعة الكلية (على لغة المبايعات الرسمية) أربعين ليرة ثمن ثوب 
أسود للعصرية. 

فيقول: |سمعي يا امرأة إن موازنتنا لا تتحمل . 

فتبكي وتعول وتقول: وكيف أذهب إلى عصرية الفقيدة العزيزة ا مرحومة 
المأسوف على شبابها عمة زوج خالي بلا ثوب أسود وماذا يقول عني الناس؟ 

قد تكون هذه العزيزة المأسوف على شباءها بنت تسع وسبعين سنة فقط. 
وقد تكون منقطعة عن زيارتها من ست سنين» ولكن الحكاية حكاية: ماذا 
يقول الناس؟ 

وإذا ولد مولود لزوجة ابن صديق رئيسك أو معلمك» فيجب أن تقتطع 
من مرتبك الذي لا يكني ثمن حبزك, لتقدم لها الهدية اللائقة ى) يقدم أمثالك» 
وإلا فماذا يقول عنك الناس؟ 

وإذا كنت مشغولاً بإعداد درسك في المدرسة, أو حساب عملاثك في 
المتجر, أو قريض بنتك المشرفة على الموت» وإذا كان لديك شغل الذهب». 
وجاءك فجأة بلا موعد أحد العاطلين المعطلين الفارغين» ليقطع الوقت باللت 
والعجن 29 معك؛ فلا تقل له: أنا مشغول. إياك وإلا فانت أعلم بما يقوله 
عنك الناس . 

وإذا كان جارك أو عديلك غنياً بملك الملايين» وكنت أنت مستوراً ليس 
لك إل راتبك» واشترى لبيته ثريا بألف ليرة» وبرّادة وغسّالة وعصّارة كهربائية 
وفرثاً على الغاز وسبحادة طوها ثمانية أمتار وعرضها حمسة» فاذهب حالاً فاشتر 


)03( والمحيي المميت هو الله . 


غ 


مثلها ولو سرقت ونهبت وقطعت الطريق» وإلآ أوقعت نفسك في أفواه الناس . 
وإذا أقامت زوجة التاجر الفلاني, أو الوارث العلاني وليمة» دعت إليها 
ا مرأتك. وقدّمت فيها لحم الطواويس» وألسئة الشحارير» والحلويات المصنوعة 
في روما الواردة بالطيارة الخاصة. فيجب أن تعد زوجتك مثل ذلك وإلا تكلم 
عنها الناس . 
والخلاصة أنه هيب أن يكون قيامك وقعودك» وأكلك ولبسكء وفرش 
بيتك » ونفقات يومك..» كما يريك الناس أن تكون» ولو اختنقت حساً ومعن ٠‏ 
ولو نكبت في سعادتك وني مالك ولو احترق نَفْسَكء » وإلآ انتقدك الناس. 
الناس. دائ) الناس . فيا أمها الناس! مى تعيش لأنفسنا؟ ومى نستطيع 
أن نقف عند حدٌ الشرع , وحدّ العقل؟ ومتى يخرج فيئا العقلاء الأقوياء» الذين 
يكسرون هذه القيود؟ 
أما أناء فوالله ما أبالي هذا كله ولا أدخلته يوماً في حسابي . ولكن أعظ 
من شاء أن يتعظ. أن يتبع دينه أولاً فلا يأتي محرمأء ثم يتبع العقل, ثم يعمل 
مايراه خيرا ويمد ل رجليه على قدر لحافه. وينفق النفقة الضرورية ويرك 
التبذير» ولو كان أغنى الأغنياء, ولا تخشوا قول الناس ما دمتم لم ترتبكوا محرماً 
ولا ممنوعاً شرعا . 
وهل عند الناس إل أن يقولوا؟! لقد قالوا عن محمد ولهِ وموخحاتم 
الأنبياء نون وقالوا ساحر» وقالوا كذاب» فليقولوا عنكم ماشاؤواء ولا تبالوأ 
بسخط الناس» إن كنتم قد أرضيتم الله . 


3 


1 


أذيعت سئة 5ه و١‏ 


أنا الآن قُ ورطة يدي 5 حقائب السفر» ورجلي 5 الركاب» وعلي 
أن أكتب هذا الحديث» وأن أعد المحاضرات التي دعيت لإلقائها في الكويت. 
والموضوعات تتزاحم في رأسي وتتضارب وتتراكض حتى لأحس بها تضرب 
أصداغي » وكلما شرعت في موضوع, ورد عل طرف من الموضوع الآخرء حتى 
تداخلنى اليأس» فكدت ألقي القلم وأعترف بالهزيمة. 

ثم قلت لنفسي : لقد فشلت». ولكن لماذا لا أفكر في أسباب الفشل 
فأجعل منها موضوع الحديث؟ 

لقد فشلت لسببين: الأول أني حملت نفسى فوق ما أطيق» فأنا أعمل في 
المحكمة» وأكتب في غير مجلة(١»:‏ وأذيع في الإذاعة, وأعدٌ محاضراتء ولو 
اقتصرت على ما أستطيع حمله وأداءه على وجهه. جحت . 

والثاني: أن من طبعي التأجيل والتسويف» فأنا لا أزال أؤجل عمل اليوم 
إلى غد وأتشاغل عله وأسوف فيه حتّى لا يبقى للمحاضرة أو الحديث 
إلآ ساعات معدودة» فأركض ركض الآرنب» وكان خيراً لي وأهون عل 
لو مشيت من أول الوقت ولومشى السلحفاة. 

ولكن هل أنا وحدي الذي يحمل نفسه فوق طاقتها؟ وهل أنا وحدي 


(1) أي في أكثر من مجحلة, 


ل 


أما يعدك الخياط أن يسلمك البذلة في نصف رمضان. فلا يزال يسوف 
حتى تأني ليلة العيد» والبذلة2'0 لم تصل إليك؟ 


أليس السبب أن الخياط يلزم نفسه بعشرين بذلة وهولا يقدر على أكثر 
من عشر؟ 

أوليس الحذّاء والبئاء وأصحاب الأعمال كلها مثل الخياط؟ كلهم يحمل 
أكثر نما يطيق » فيعجز عنه؟ 


والتأجيل. . أليس التسويف والتأجيل مرضنا جميعاً؟ بل هوعلى التحقيق 
رأس أمراضنا الاجتماعية؛ وعلة عللناء كل أب يعرف طريقة لتربية ولده خيراً 
من طريقته» وكل تاجر يجد أسلوباً لتوسيع تجارته أحسن من أسلوبه؛ وكل 
رجل يعرف الطريق لتحسين صحته؛ وإصلاح سيرته في بيته مع أهله 
وزوجته,» ولكن كل واحد من هؤلاء يؤجل الابتداء بهذا الأصلاح يوماً 
بعد يوم حتى ثمر السنون الطويلة وهولم يفعل شيئاً. كل مدخن يقول لنفسهء 
سأترك التدخين» ولكنه يؤجل تنفيذ هذه الإرادة» من يوم إلى يوم. فتمضي 
السنوات وهولا يزال ى! كان؛ وكل مسرف مبذّر يعزم أن يقتصد ويزن نفقاته 
بميزان العقل, ولكنه يؤجل التنفيذ» وكل فاسق تدركه لحظات يسمع فيها آية 
أو موعظة» فيرق قلبه» وتسمو نفسهء ويعزم على التوبة» ولكنه يؤجل» يقول 
سأنوب إذا جاء رمضان وأرجع إلى الله وأكون من الصالحين» فإذا جاء رمضان 
قال: سأحج وأتوب في الحجء فإذا ذهب وقت المج قال: أنا الآن شاب 
وسأتوب إذا بلغت أواخر العمرء ويمضي العمر وهو لم يتب ولم يصلح . 


ونحن لا ينقصنا العلم, بل ينقصنا الشروع في العمل بما نعلم» لا 


(1) البذلة في الأصل ثياب التبذل, ولكني أكتب هذه الفصول للعامة, فآئرت ما يفهمون. 


لاع 


واحد منا يعلم أن للوالدين حقوقاً. وأن صلة الرحم من الواجبات» وأن الغش 
والظلم والعدوان من أسباب غضب الله ولكنا لا نعمل بهذا الذي نعلمه . 

ولقد كان أبي رحمه الله. كلما أيقظني لصلاة الصبح, يقول لي: - , 
لا تتراخ» اقفز قفزا. 

فأتراخى, وأتكاسلء ثم أتناوم فلا أرد» أو أردٌ ولا أقوم. حتى 
يمل فيدعني . ' 

وأنا أعض أصابعي الآن ندماً لأني لم أسمع هذه الوصية: «اقفز قفزأ». 
ولو أني سمعتها وعملت بهاء أو أنه أجبرني عليهاء لتغيرت حياني» ولا فشلت 
في إعداد هذا الحديث. ولكنت في دنياي وفي ديني خخيراً مما أنا عليه اليوم . 


نا إلى الآن كلا أ ردت أن أقوم في الصباح أحس هذه الكلمة» كلمة 
ب تدوي في أذني «اقفر قفرا : قم إلى الصلاة ة: فالصلاة خير من النوم) . ثم 
أسمع صوت الشيطان يقول لي: 7 دقيقة أحرىء. فالوقت فسيح. ا 
دافىء والجو بارد» . 


ولا أزال بين داعي الواجب» وداعي اللذة. أفكر في ثواب, الصلاة فأتحفز 
للقيامء وأتصور لذة المنام وبرد الماء فأسترخي وأتقلب من جنب إلى جنب» 
ولا تزال نفسي بيهما كنواس الساعة (الرقاص) بين: (قم). (نمى. (قم)؛ 
(نم)» (قم). (نم)؛ حتى تدركني رحمة الله فأقفزء أوتطلع الشبمس وتفوت 
الصلاة» وأقوم وقد مشى الوقتء ودنا العمل» فأكل طعامي لقمة بالطول 
ولقسة بالعسرض » ولقمة تعدرض في صدري فأغصٌ بهاء وألبس جورباً على 
الوجه وجورباً على القفاء وأعقد العقدة مائلة. وأزرّر زر القميص الأول في 
العروة الثانية. وأنسى من عجلتي الساعة أو النظارات» وأهرول في الطريق» 
فأبيء هضمي », وأتعب معدتي». وأضحك الناس علٍ» وكل ذلك لأني أطعت 
الشيطان لعنه الله فلم أقفز قفزاً. إلى صلاة الصبح . ْ 


م 


وأنا أقرأ كل يوم مهما أقللت ومهها كنت مشغولاً أكثر من مثتي صفحة("2, 
أكثرها مما لا يفيد علا ولا يعلم أدبا ولا يقَوّم خلقاً. وأدع عشرات من 
الكتب الجدية النافعة» مع أني ما اشتريتها إلا لأقرأها. قد صففتها أمامي» 
ولكني كلما #ممت بالشروع فيها أجدها كثيرة» فأؤجلها إلى غد., ويأتي الغد 
فأحذفها إلى ما بعده؛ وتمضى السئون وما قرأت منها إلا أقل ما أردت» والسبب 
مرض التأجيل والتردد. ْ 

هذا المرض الذي طاما أضاع علينا أموالاً ومكاسب. وخيرات ومنافع. 
وأفقدنا الدنيا والدين» وهو مرض الجماعات منا والحكومات . 

كلما جاء الصيف شكا الناس من فساد الطرق وسوء السيارات» وقلة 
الماءء وغلاء البيوت والمأكل» ووضعت المخطط للإصلاح» ونهم بأن نشرع بها 
فيكون الصيف قد ولى » فنؤجل ونسوّف حتى يجيء صيف جديد . | 

ولا كنت في بغداد سئة 19 فاض نبر دجلة فيضاناً مخيفاً مرعباً» صدع 
قلوب الناس» وكاد يغرق بغداد كلهاء ونادى منادي الخطر. وحشدوا الناس 
من الشوارع لإقامة السدود», فلم) ذهب الخطر جاء التسويف». وبقي الأمر كى) 
كان إلى الآن. 

وكل مشروع من المشروعات الكبرى في بلاد هذا الشرق كلهاء إما أن 
ينام على فراش التخدير (بمورفين) التسويف والتأجيل» وإما أن يجيء مرتجلا 
مشوهاً كجنين ولد قبل الأوان. 

إنا لا نؤدي واجباً في موعده. حتى صارت كلمة الوعد الشرقي رمزاً مع 
الأسف للوعد الذي لا يوثق به ولا يطمأن إليهء وكلما أوغلت في الشرق رأيت 
ذلك أظهر وأوضح. فلا تقام في باكسنان حفلة في موعدهاء ولايأتي ضيف 
إلا متاخراً ساعة. مع أنه لوجاز لكل أمة في الدنيا أن تهمل المواعيد وتتراخى 


.ها١4١4 وأنا على ذلك منذ سبعين سنة إلى الآن أي إلى سئة‎ )١( 
. (؟) نشرت وصف ذلك في (الرسالة)‎ 


1 


الدقائق والثواني. فالذي يصلي قبل موعد الصلاة بخمس دقائق لا تصح 
صلاته؛ والذي يفطر قبل آذان المغرب بخمس دقائق لا يصح صومه. والذي 
يصل عرفة بعد طلوع فجر يوم النحر بخمس دقائق لا يصح حجه. 

وكل ذلك لتعليمنا ضبط المواعيد» وإلا فماذا يضر الصائم في الصيف 
(عقلا لا شرعاً) إن صام أربع عشرة ة ساعة إلا لس دقائق؟ ألا يصوم في 
الشتاء اثنقي عشرة ساعة؟ 


المراد أن نتعود النظام والضبط في أعمالنا كلهاء وألا نصاب بطاعون 
التأجيل والتسويف وإخلاف المواعيد. 

والرسول كله يقول: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذبء وإذا وعد 
أخلف.» وإذا اومن خان. فإخلاف الوعد والإخلال به ثلث النفاق. والإسلام 
لا يعرف هذه الوعود المائعة» الوعود الشامية العتيقة: «قبل الظهر)» «بين 
الصلاتين»؛ «بعد المغرب)». بل يعرف الوعد المضبوط ضبط الساعة. ضبط 
أوقات الصلاة وأوقات الامساك والإفطار. 


يا أءها السامعون والسامعات! 


إن الذي لا يقفز إلى الفريسة تفلت منه» ومن لا يغد يغتدم الفرصة في وقتها 
لا نجدهال ومن لا يضرب الخديد حامياً لا يستطيع أن يضربه إذا برد» والذي 
يؤجل ما يجب عليه. لا يقدر أن يؤديه كاملا . 

فيا أيها المدخن» إذا عزمت حقاً أن تترك الدخان, فابداً من الآنء التي 
الدخيئة من يدك» ولا تؤجل تركه دقيقة واحدة» لأن الدقيقة تجر دقيقة والساعة 

ويا أيها التلميذ الذي يريد أن يستعد للامتحان ابدأ من الآن. ولا تقل 


زه 


سأبدأ غداً؛ لأن الغد إذا جاء صار حاضراً وأعقبه غد جديد» فلا ترى إلآ 
الامتحان قد صار أمامك وأنت ل تصئع شيئا . 

ويا أيتها المرأة التي تريد أن تصلح نفسهاء. وتضع عقلها في رأسهاء فتهتم 
بأمر زوجها وأولادهاء لا بالأزياء والاستقبالاات وبالكلام الفارغ. اشرعي 
من الآن. 

ويا من يعلم أن بعد الدنيا آخرة» وأن بعد الحياة موتاًء وأنْ لا بدٌ من 
وقفة للحساب» ومشية على الصراطء وليس بعدٌ إلا الجنة أوالنا تَبُ من 
الآن» ولا تؤجل التوبة إلى غد, فإنك لا تدري ما هو مقدّر عليك في غد. 

وليكتب كل واحد منكم ‏ هذه الحكمة في لوحة كبيرة» (لا تؤجل عمل 
اليوم إلى غد)» وليعلقها في صدر مجلسه. ولينظر فيها صباحه ومساءه. وليعمل 
مها فهي دستور النجاح, وأساس الفلا : 

ولا نؤجل عمل اليوم إلى غد)! . 


ف 


0١ 


الحمبٍ والسز واج 
جوابي على سؤال «الأيام) 


0 
شرت سنة 1968 


تطلع علينا (الأيام) كل يوم باستفتاء أو سؤال» تحرك به ماحمد من 
العقول» وتوقد به ما خمد من القرائح. تدفم الكتاب إلى إعمال العقل وإجراء 
القلم» فيستمتع القراء بثمرات عقوهم » وحصاد أقلامهم . 

وكان من آخر ما طلعت علينا به: السؤال عن الزواج. هل يمكن أن يبنى 
على الحب وحله؟ وعن سن الزواج: متى بحسن بالرجل أن يتزوج؟ 

وبدت طلائع الأجوبة؛ فكان منها ماهو عجب من العجب, وأنا 
لا أحبث نّ أن أجادل أحداًء ولا أن أردٌ على أحد, وإنما أدلي بالرأي الذي أراء» 
فمن كان يثق بي واتبع رأيي» فبها وَنِعِمَت. ومن خالفني وعصاني فلست 
مسؤولاً عنهء ولا أنا عليه بوكيل . 

وقبل الجواب على السؤال الأول» أحبٌ أن أفهم ما هو هذا الحب الذي 
تسألون عنه؟ 

إن الله خلق في الإنسان غريزتين» غريزة لبقاء ذاته» وغريزة لبقاء نوعه. 
فبالأولى يسوقه لع الجوع إلى ابتغاء الطعام ليدفع بالشبع الموتعن نفسه» وبالثانية 
يسوقه وَقُدُ الشهوة إلى الاقتراب من الأنثى » ليمنع بالنسل الانقراض عن جنسه . 


وقل يكون الطعام بين يديك في المطعم. وثمنه في جيبك» تفكر فبه فتراه 
أمامك. ويكون الحنس الآخر في ملكك. ويكون حلالا لك قيد طلبك 
فلا نشغل بتصوره ذهنك, ولا تكدٌ بانتظاره أعصابك . 


0 


وقد يكون الجوع موجوداًء والطعام مفقوداً» فأنت كلا فاسيت مرارة 
0 ازدادت قُْ لور حلاوة 5 فإذا طال الأمدى مار (كما 

وتكون الرغبة الجنسية موجودة»؛ والجنس الآخر مفقوداً: فيكون عندك من 
التفكير فيه مثل تفكير الجائع في الطعام وهذا هوالذي نسميه الحب» وهو أشد 
من تفكير الجائع بالطعام. لأنه حين يطلبه لا يفكر في لونه ولا في جنسهء 
والجائع الجسي قد تستقر رغبته في امرأة بعينها تنحصر دنياه كلها فيها. 

إنه يطلب أن ينظر إليها ويحدثها فهل ترونه يكتفي إن رأها بالنظر؟ هل 
تظنون إن حدثها قنع بالحديث217؟ 

إنه كالجائع ‏ فهل يكفي الجائم أن يرى الطعام ويشمه ويئة في وصفه 
الأشعار. ويصوع القواني؟ 

لايا أولادي. لا والله العظيم؛ ؛» إنه لا يريد حملها لعينه» ولا حديثها 
لأذنه؛ ولكن يريد قفلها لمفتاحه22. إنها غريزة النوع لا يرويها إلا مايتم 
به النسل . 

وما الحب (مهما زخرفه الشعراء وزوقه الأدباء) إلآ رغبة في الاتصال 
الجسي لم تجد طريقهاء إن الحبٌ العذري الشريف حديث خرافة لا تروج سوقه 
إلا على المجانين والشباب . 

هذه حقيقة من أنكرها وجد الرد عليه في نفسه؛ | إن في كل نفس الدليل 
على أنها حقيقة لا سبيل إلى لى إنكارهاء فهل يصلح الحب | إذن وحده أساساً 
للزواج. 


(1) _انظر تفصيل القول في (الحب) في كتاب (صور وخواطر) . 
(7) وأنتم تفهمون ما هي الحكاية! 


رن 


إن الحب جوع نفسي. فهل يستطيع الجوعان أن يحكم على جودة 
الطعام؟ ألا يزين له جوعه المجدّرة حتى يحس لا تحت لسانه طعم الخروف 
المحشي. فإذا زالت لذعة الجوع عادت المجدّرة مجدّرة» وتبيّن أنما لم تكن 
خروفاً إلا في أوهام الجوع . 

كذلك المحبٌء إنه يسبغ من حبّه على المحبوب ثوباً براقاً يراه به أجل 
الناس» فإذا تزوجها لهذا الثوب الذي يغريه مهاء ثم زال عنها لما زال الحب. 
م يبقَ بيها زواج, لأنه ما تزوج بها ولكن تزوج الثوب الذي أسبغه خياله 
عليهاء ومادام الحب في حقيقته اشتهاء للقاء الجسيء فلا بذ أن يزول إن زالت 
هذه الشهوة» ولا بد أن يعقل المجنون فتعود ليلى في نظره امرأة كسائر النساء. 
فلا تبقى له فيها رغبة» كما تذهب رغبة الجائع في الطعام إذا ملأ معدته منه. إله 
رباط مؤقت ينقطع من الملامسة الأولى. وأنتم تفهمون ما معنى الملامسة! والزواج 
صلة دائمة تحتاج إلى رباط دائم يقوى بالملامسة ويشتدٌء ولا يزداد على الأيام إلا 
قوة وإحكاما. 


وأنا من مدمني النظر في آداب الأمم كلهاء ولا أحصي القصص التي 
قرأتها لكبار الأدباء» في موضوع الزواج الذي يبني على الحب. ونهايتها كلها 
الشقاق والفراق. ولا تغتروا بأمثال الام فرتر ورفائيل وماجدولين وبول وفرجيني 
وكرازبيلا وجوسلان والأجنحة المتكسرة»فهذه كلها صور لمرحلة الرغبة التي 
تكلّمت عهاء ولوتزوّج كل واحد من أبطالها بالتي يعشقها زواج حب فقطء 
لكانت خائمة القصة الطلاق. 

لا؛ لا يصحٌ أن يُبنى الزواج على الحبٌ وحده إل إن صم أن تبنى 
العمارة الضخمة على أساس من الملح؛ في مجرى الماء . 

إنما يبنى الزواج على التوافق في التفكبر والسلوك والوضع الاجتصاعي 
والحالة المالية» وبعد هذا كله تأتي العاطفة» فينظر إليها وتنظر إليه؛ أي ينظر إلى 
وجهها وكفيها فقط بحضور وليّها أوأحد محارمها: لا كا أفتى ذلك الشيخ 


1ن 


لبل بع زواج لذ لحا تفرة أو عزوق 05 الله كلا منب) 


لنت لنت 


)1 الخياص : أي الخلاط. كلاهما من العامي الفصيح . 


نلك 


طريئ السعسادة 


ع 
0 5 
اديعت سئة مره ١9‏ 


ورد عل في بريد هذا الأسبوع كتاب من أخ من أوساط الموظفين كتب إل 
ثائراً فائراًء يذم الدهرء ويشكو الزمان, لأن مرتبه وهو الذكي العام المستقيم. 
(كما يقول عن نفسه) لا يبلغ ربع مايئاله زميل له ليس له ربع ذكائه 
ولا علمه., وكليا طالب منعوه ما هو حق له وحرموه مله فكان تحكم بشر مثله 
في رزقه أشدّ عليه من ضيق الرزق ‏ إلى آخر ما قال) 

ولقد مر بي» أناء مثل هذه المحنة, حين خبطبت أيام الحكم العسكري 
الجامعة السورية إلى أفاق الأرض»؛ فأغضبت عل الحكومة حتى نال مني 


وقعدت عشية مغيظاً محلقً. لا لنقص المرتب وضياع المنصبء بل غضباً 
لحريتي وكرامتي, وأنفة من أن يتحكم فّ إنسان مثلي» ويملّك التصرف في عملي 
وف رزقي» وأذ علي الليل» وأنا مستغرق» ذاهلء أداري من نفسي غضبة 
أخشى أن تتفبر تفجّر القنبلة. . . وكان في غرفتي شعبة من الراد» فسمعت 
القارىء يقرأء حتى بلغ قوله تعالى: #نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة 
الدنيا» فتنيّهت إليهاء كني ما سمعتها قطّء وكائما نزل بها جبريل الساعة على 
قلب محمد يله وأحسست أنها جاءت برداً على كسدي, وسلاماًء فسكت عني 
الغضبء واتحت عن عيني الغشاوة» ورأيت حقيقة القدر رأي العين. وقلت: 


05 


يارب إن كنت أنت الذي قذر وقسم. وأنت الذي أعطى وملع فأنا 
راض بما قفسمت لي . 
١‏ نبا نا نا 


هو الذي قسم المعاش. هو الذي قر الأرزاق» ومايملك هؤلاء الناس 
عطاء ولا منعاً. ما الناس إل وسائط. فهل تغضب على محاسب الدائرة في أول 
الشهر إذا أعطاك مئة وأعطى الرئيس مثتين؟ وما ذنيه حتى تغضب عليه؟ أهو 
الذي وضع الملاكات» وحدّد الرواتب» أم هو منفل لما قرّر من قبل وأمضي 


هذا هو مثلك ومثل من تظن أنهم أعطوك أو منعوك, وأنهم قذموا غيرك 
وأخروك؛ إن هم إلا محاسبون. أما الذي قرر جداول الأرزاق من الأزل» وحدّد 
مقاديرهاء فهوالله رب العالمين. فما كان لك فسوف يأتيك على ضعفك» 
وما كان لغيرك لن تناله بقوتك, أتستطيع أن تنال ليرة من راتب زميلك. مه]| 
كنت قوياً وكان ضعيفاً؟ ولو اجتمع أهل الأرض على أن ينفعوك لم ينفعوك 
إلا بشىء قد كتبه الله.لك, ولوأجمعوا على أن يضرّوك بشيء؛ لم يضرّوك إلآ 
بشيء قد كتبه الله عليك .«رفعت الأقلام وجفْت الصحف. فإذا لم يكن لك كل 
ماتريد, فلماذا لا تريد كل مايكون, فتستريح وترييح؟ وهذه هي نعمة 
الإيمان بالقدر وليس معنى الإيمان أن تستلقي على ظهرك, وتنتظر أن ينزل عليك 
رزقك من السقف فإن السماء (كها قال عمر) لاغطر نهولا فضة. بل أن تدّ 
وتسعى وتعمل للدنياء كأنك تعيش فيها أبداً وأ أن تجمع المال من كل وجه 
حلال. وأن تضرب في آفاق الأرض» وتأخذ ساب الرزق» ولا تدّخر جهداً 
هوني طاقة البشر لا تبذله للغنى. فإن لم تصل بعد ذلك كله إلى ما طلبت 
فلا يدفعك اليأس إلى الانتحارء ولا يسلمك الغم إلى المرضء بل تعر وارض» 
وقل: لقد عملت ماعل ولكن الله لم يكتب لي النجاح, وأنا راض 
بقضاء الله . 


يفن 


هذه هي حقيقة الإيمان في دين الإسلام. ليست تسييباً وكسلاً كما يظنها 
العوام وأشباه العوام. وأنت تعرف قصة الرجل الذي ترك ناقته على باب 
المسجد ودخخل على رسول الله وك فلم| حرج لم يجدها فرجع فقال: يا رسول الله 
ناقتي! تركتها وتوكلت على الله» فضلتء فقال رسول الله ي: قيدها وتوكل 
على الله . 

هذا هو الإيمان؛ إن الله جعل الكسب منوطاً بالعمل» والنبات مقروناً 
بالحرث والزرع» والشفاء موقوفا على الطب العلاج. فمن قعد وطلب الربح 
لم يربح, ومن أراد الحصاد ول يزرع لم يحصد. ومن طلب الشفاء ولم يتسداو 
م يشْفَء والله لا يُبَدّل قوانين الكون وسئن الوجودء إرضاء لكسول أو حمول. 
فاعمل وادأبء. وخذ وطالب, ولا تسكت عن حقك ولا تقصر في ابتغائه, 
ولكن لا تدع اليأس يدخل عليكء. والحقد الأسود يأكل قلبكء. ولا تقل 
مالفلان وفلان» فلقد كنت يوماً مثلك. أجد من هم دوني, ومن كانوا 
تلاميذي. قد حازوا الجاه والمال» وبلغوا أعلى المناصبء فأتألم ثم قلت لنفسي : 
يانفس ويحك, لمن أعطاك العهد على أن تكوني بدا فوق الناسء أوليس 
خيراً لك يا نفس أن أدخل على وزير أو كبير فيجلني ويراني مثله؛ من أن أدحل 
على من يستصغرني وبراني دونه» أؤلست في خير؟ أولا أتقلّب في النعم؟ . 


وبرئت من مرض الحسد فاسترحت. وصرت أنظر إلى نعم الله علي» 
فأراني لا أستحق بعضهاء وهأنذا اليوم لا أشكو شيئاً وأعبٌ السعادة والله عباً. 

وليس في الدنيا أحد لا يجد من هو أفضل منه في شيء؛ ومن هو أقل منه 
في أشياء. إن كنت فقيراً ففي الناس من هو أفقر منك. وإن كنت مريضا 
أو معدّباً ففيهم من هوأشدّ منك مرضاًء وأكثر تعذيباً فلماذا ترة رأسك لتنظر 
من هو فوقك, ولا تخفضه لتبصر من هو تحنك. إن كنت تعرف من نال من المال 
والجاهء مالم تنله أنت وهودونك ذكاء ومعرفة وخخلقأء فلم لا تذكرء من أ 
دونه أومثله في ذلك كلهء وهول ينل بعض ما نلت. وفلسفة الرزق أدقٌ من أن 


لوك 


تدرك. وأبعد من أن تنال» وانظر إلى الناس تر منهم الغواصين الذي جعل الله 
خبزهم وخحبز عيالههم في قرارات البحار فلا يصلون إليه حتى ينزلوا إلى أعماق الماء . 
والطيارين الذين وضع خبزهم فوق السحاب فلا يبلغونه حتى يصعدوا إلى أعالي 
الفضاء. ومن كان خبزه تحبوءاً في الصخر الأصمٌ فلا يناله إلا بتكسير الصخر. 
ومن رزقه في مجاري المياه الوسخة أو المناجم العميقة التي لا ترى وجه الشمس 
ولا بياض النبار. ومن يأخذه بيده أو برجله أو بلسانه أو بعقله ومن لا يصل إلى 
الخبز إلا ببذل روحه وتعريض مهجته للهلاك كلاعب (السِرك) الذي يترصده 
الموت في كل مكان, فإن لم يدركه ساقطاً على رأسه. أدركه وهوبين أنياب 
الأسد. أو تحت أرجل الفيل . 

فاحمد الله أن جعل رزقك على مكتبك. تصل إليه وأنت قاعد على 
كرسيّك ل يجعله في رؤوس الجبال. ولا في أعماق البحارء ولا في مواجهة 
الأسد والنمر. 

وهذه المزايا التي تقول إن الله أعطاكها: مَزيّة الفهم والجد والدأب 
والاستقامة والأمانة» أليست نعماً تستحق أن تحمد الله عليها؟ أو ترضى أن تزداد 
مالاً. وأن تكون عيباً غبياًء أوجاهلاً أوخاملاء أولصاً أو مجرماً؟ فلا تأسف إذا 
أعطيت هذه النعم كلها وحرمت المال الوفيرء بل ائسّفٌ إن خرمتها وأعطيت 
أموال قارون. 

وهل السعادة يا أخي بالمال؟ ما المال إن لم تشر به متعة عيشء» أو لذة 
نفس » أو مكرمة يبقى ذكرهاء أو صالحة ينتفع أجرهاءٍ المال وسيلة» فإن 
لم يتوسل به إلى نعيم الدنياء أوسعادة الآخرة, كان ورقا مصوراً أومعدناً 
براقا. كالذي زعموأ أنه كان له دعوتان مستجابتان. فدعا ربه أن يجعل كل 
شيء ته يده ذهبأء فأعطيها فكاد يطير عقله من الفرح. والطلق يلمس كل 
ما يجد فيحوّله ذهباً. حتى جاع فأخخل الصحن ليأكل» فصار ما فيه من الطعام 
ذهباً وعطش فحمل الكأس ليشرب, فصار مافيها من الماء ذهباً فقعد 
جوعان عطشان فأقبلت ابنته تواسيه. فعانقهاء فصارت تمثالاً من الذهب» 


احإن 


فدعا ربه الدعوة الثانية» أن يعيد كل شيء كبا كان, لأنه أدرك أن الرغيف 
0 ء الأرض ذهباً. 
نت تستطيع هِرَتَبك القليل» إن أحسنت التصرف فيه» واستشعرت 
الرضا ب به أن تكون أسعد ممن له الآلاف المؤلفة من الليرات. وأنا أعرف رجالا 
يدخل على الواحد منهم في يومه. ما لايدخل عل في السنة والسنتين من المال» 
وأنا أعيش عيشاً أرفه وأرغد مما يعيشون: لا آكل أطيب مما يأكلون ولا ألبس 
أفضل مما يلبسون: ولا أَمْنّ نفسي أكثر مما يتمتعون» ولكن أرضى أكثر ما يرضون . 
ولي بعد ذلك لذائذ هم محرومون منها: لذة المطالعة أمام المدفأة في ليالي 
الشتاء. ولذة التفكير الحالم في الفراش قبل النوم» ولذة المناظرة في مجسالس العلم 
والأدب» ولذة المحاضرة في النوادي والإذاعات. وهم يحتاجون إليّ؛ يسألونني 
فأعلمهم , ويجيئون إل فأحكم بينهم, وأنا لا أحتاج إلى واحد منهم لأنهم إنما 
يَفُضِلونني بالمال» وأنا لا أطمع في أموالهم» ولا أرضى أن أخذ منهم وأنا إن أردت 
القناعة والرضاء وجدت من المال ما يكفيني» وإن لم أقنع وم أرض لم تكفني 
أموال الدنيا. 
وما يصنع بالمال من يدخخل عليه في شهره العشرة الآلاف. والعشرون 
والخمسون » من كبار التججار والموسرين؟ أيمكن أن يلبس الرجل عشر بذللات 
معا؟ أوأن يأكل عشرين رغيفاً في غداء؟ أوينام على خمسة أسرة في وقت واحد؟ 
أن يكون الإنفاق قُ السرف والترف,» والفسوق والعصيان» وهذا شيء ليبس 
00 ويمكن أن ينفق المرء في ليلة واحدة على الخمر والعهرء ما جمعه في 
عشر سنين... ويمكن أن يشعل دخينته (سيكارته) بورقة أم مئة ليرة» ولكن 
هذه كلها أفعال السفهاء المجانين؛ نحن نتكلم عن العقلاء من الناس . 
ولقد بقيت مرة وحدي. في المحكمة الشرعية القديمة» فقعدت أمام 
البحرة(2 وأردت أن تمتلىء حتى يفيض الماء من جوانبهاء ففتحث (السباع) كلهاء 
(1) البحرات البرك التي تكون في بيوت الشام القديمة؛ فيصب الماء إليها من تمائيل من 
النحاس على هيئة السبّاع» لذلك يسمى مصب الماء (السبع)»؛ ومجراه (الهارب). 


ع4 


فتدفق الماء ولكنها لم تمتلء. فعجبت وقمت أفتش» فوجدت (لمارب) الكبير 
مفتوحا. فسددته ففاض الماء. . 
أنه ليس العبرة بفتح (السبع) ولكن بسدٌ (الهارب)» العبرة 
بتقليل ا فلا تاس على نفسك | إن قل مرتبك وارض 
فإن الرضا هو السعادة؛ يفتش عنها الناس ويبحث عنها الفلاسفة؛ وبهيم بها 
الأدباء» وهي نحت أيديهم » كالذي يفتش عن نظاراته في كل مكان ويسأل عمما 
في الدار كل إنسان» والنظارات على عينيه! 
السعادة بالرضا والإيمان. 
َب نا نا 
واعلم بعدٌ أن كل حال إلى زوال» فلا يفرح غني حتى يطغى ويبطرء 
ولا يبأس فقير حتى يعصي ويكفرء فإنه لا فقر يدوم ولا يدوم غنى» وكم من 
رجال نشؤوا على فرش الحرير» وشربوا بكؤوس الذهبء وورثوا كنوز المال. 
وأذلوا أعناق الرجال» وتعبدوا الأحرار» فما ماتوا حتى اشتهوا 
فراشاً من صوف يقي الجنب عَضٌ الأرضء ورغيفاً من بز يحمي البطن من 
قرص الجوع , وأخرون قاسوا المحن والبلاياء» وذاقوا الأم والحرمان وطووا اللبالي 
بلا طعام» فا ماتوا حتى ازدحمت عليهم النعم: وتكائرت الخيرات» وصاروا من 
سراة الناس» وهل في الدنيا غني لم يكن يوماًء أولم يكن أبوه أو جدٌه ففيراً. 
وكم في الدنيا من فقبر صار أو صار ولده أو حفيده رب الملايين! 


فلا ييأس أحدء فربما صار ابن فراش المحكمة رئيسهاء وصار ابن 
الرئيس فراشها.» وغدا ولد صاحب الأرض فلاحا يشتغل بطعام يومه. 

وإنما هي الأيام بداوها الله بين الناس» ككرة الملعب» ما تكون بيدك إلآ 
ريا تنتقل إلى غيركء والعمر كله ماض » فهل يبقى لك المال إن ذهبت الحياة؟ 

وسيسوّي الموت بين الأحياء جميعاًء الغني والفقير, في نظر الدود سواء. 


5١ 


والمالك والأجير؛ والصعلوك والأمير. والكبير والصغيرء كلهم يصير إلى البلى 
والانحلال» م يلقى السعادة الدائمة, أو الشقاء الخالد. 

قم في المقبرة تَلْقّ قبرأء يشمخ بأنفه كبراً عل القبور. يزْهى بالرخام 
المجزّع المنقوش ءٍ ويضحك بالزهر والورد» وآخر متعثراً بالطين يئن تحت أقدام 
السائر ترين ء وقبراً ثالشاً قد مات كما مات من فيه فعاد القبر تراباً في الأرض» 
تفاوتت المظاهر ولكن اتحدث البواطن» فيا فيها كلها إلآ رمم بالية, وعظام 
لخرة » لا تختلف رمة عن رمة. ولا عظام عن عظامء ولا تميز جمجمة الملك من 
مجحمة الصعلوك, ولاساق القاضي الذي حكمء من ساق المجرم الذي 
حُكمء وما رد قبرْ الحياة على ميت» ولوكان قبر الأمبراطورة شاهجهان (تاج 
محل) أجمل بئاء شيد على ظهر هذه الأرض . 

ما بقي للميت إلا الذكر في الدنياء والعمل للآخرة» وما الذكر إن حققت 
وما الشهرة إلا خدعة كبرى ليس وراءها شيء سراب. والعمل الصالح 
هو وححله الباقى . 


فلن 


5, 


لصوص الوت 


أذيعت من دمشق سنة ؟ هوا 


لي عادة قبيحة هي أني أسير في عمل على قاعدة (لا تؤتحر إلى الغد 
ما تستطيع عمله بعد غد) فأنا أرجىء كتابة مقالاتي وأحاديثي إلى اللحظة 
الأخيرة» ثم أجمع ذهي وأسرع في كتابتها. أي أني على طريقة الأرنب؛ لا على 
طريقة السلحفاة. وقد قال أناتول فرانس (ليقل لافونتين ما شاءء فإن الأرنب 
تسبق السلحفاة دائيً) . 

فلما كلفتني محطة الشرق الأدنى مهذا الحديث أخمرته حتى إذا لم يبق على 
موعد تسجيله إلآ ساعتان ومدة السفر إلى بيروث» اعتكفت في غرفتي وبدأت 
أفكر في الموضوع, فلا أعتمد موضوعاً. وأني لفي تفكيري» وإذا بباب الغرفة 
يفتح بلا إنذار ولا إعذار ولا استئذان» وإذا بشابين غريبين عني لا أعرفهم) 
يدخلان عل دخول المانيا على بلجيكا في الحرب الماضية؛ أما أحدهما فله رأس 
كبير كرأس دب هائل» قد نفش شعره من فوق ومن الجانبين» حتى كأنه ديك 
حبش 2١(‏ قد خرج من معركة . . . ووضع فوق فمه شاربين لا شرقيين ولا غربيين» 
يمتدان فوق الشفتين كأهه| حاجبا فتاة. . . ثم ينزلان على جانبي الفم كذنب 
الفأر» وقد منحه الله أكبر قسط من الغلاظة ‏ بكسر الغين ‏ والعياذ 
بالله, . . أما الآخر فقد حف جانبي رأسه وعند صدغيه كأن قد لحسته| قطة 
وهو نائم. وأطال شعره من فوق ‏ على طريقة العم سام . . 

وقعداء وخرجت أسأل في الدار من أدخل عل هذا البلاء. فإذا هي ابنتي 
الصغيرة سمعت قرع الباب» ففتحته. ورأت الضيوف فأدركتها نوبة مبكرة من 


. ويسمى الديك الرومي‎ )١( 


انك 


حمى الكرم الشرقي الذي لا يرد ضيفاً أبدأء فأدخلتهما وأشارث بأصبعها 
الصغيرة إلى غرفتي فهبطا عل كموت الفجأة. . 

وسلما فرددثت ردأ ضعيفاً فاتراً» وسألتها بشىء من الحفاء عن الخدمة الي 
استميع أل ن أؤديها لهما. وهذا معناه في البلاغة الجديدة» انصرفا فلست مستعداً 
لأن أ ؤُدي لكما خدمة.. فانطلق الغليظ ذو الشعر المنفوش» وأخحذ يتكلم 
متحذلقاً متفيهقاً متفاصحاً بصوت يخرج نصفه من أنفه ونصفه من بطنهء 
والباقي (إن كان بقي شيء) يبلع بعضه ويجتر بعضاً. . . وجعل يدور ويقدم 
المقدمات من قبل الطوفان وأنا أتصئرو وأكاد أنشق من الخيظ؛ وأحس أن كل 
عصب من أعصابي يسحب كوتر العود ثم يطلق. . وكلا وقف عند جملة 
ابتسم ابتسامة تقطع الرزق» وتأمل نفسه معجباً كعجوز متصابية أمام مرآتهاء 
تقول: ما أجملني! فإذا أخونا المحترم يريد أن يؤلف فرقة مسرحية ولم ير في 
الأدباء من هو أحقٌ مني بشرف تأليف الرواية الأولى لها. . 

قلت: وكم مدة التمثيل. . . قال: نصف ساعة فقط. 

قلت : .تدفعون مثتي ليرة. . 

ْ أطيل على القراء وصف ما كان» ويستطيعون أن يتصوروا النتيجة 
بسهولة لا أن مالا يستطيعون تصوره هو هو أن الأخ قال لي وهو خارج: بسن 
آسف. | م تكلفك شين مالا تكلفك إل ساعة م وق 

د 2 

لا تكلفي شيئاً إلا ساعة من وقتي» هذا هوالموضوع الذي كنت أفتش 
عليه لقد وجدته؟ الموضوع هوسرقة الوقت» والوقت هو العمر» وهو أعرٌ شيء 
على الإنسان. ولولا الوقت ما كسب مالء» ولا حصل علم, ولا نال أحد دنياء 
ولاضمن أخرى. فهل في السرقات أفظع وأعظم من سرقة أوقات الناس. ومن 
منا لا يشكو منها ولا يتألم. ثم لا يستطيع أن يدفع ذلك.ولا يسنطيع أن يشكو 
أمره إلى القاضي , لأن القانون جعل سرقة خمس ليرات جريمة يعاقب فاعلهاء 
وترك من يسرق الوقت الذي يساوي الف ليرة لا يعاقبه ولا يعاتبه . 


5 


فماذا أصنع وكيف أفرٌ من هؤلاء الذين يسرقون وقتي؟ أني المحكمة منذ 
الصباح لأدقق في دعاوى اليوم. فيدخل عل صديق ثقيل. لا يمنعه إغلاق 
الباب ولا بكور الوقت, فأحاول صرفه بالحسنى ساد اح أن أني قد قمت 
بحقه. وأنه قد سكت فأنصرف إلى عملي فلا أكاد أجمع ذهني وأقبل على 
أوراقي حتى يفتح فمه ويلقي الجوهرة (كيف - « ال بجففى الحمد لله 
بس الشغل كثير كل يوم نحو أربعين دعوى كما ترى. فأنا أت باكرا لأدققها) 
وأقول في نفسي | لوكان حبرا لفهم الآن. وأرجع لعمل مطمئناً. فلا تقضي 
مدة حتى يلقي جوهرة أخرى (قضايا الطلاق كثيرة موهيك؟) فأجيب بما تيسرء 
ويسكث. فأعود إلى عملي فلا أكاد أستغرق فيه حتى» ينطق المحترم فيقول: 
(يمكن القضاء مزعج) فأنفزر وأنفجر وأنبى كل آداب الاجتماع وأصرخ فيه 
(بل أنت والله المزعج. مانك شايف شغل جاي تتسلى على حسابي) ويذهب 
يحدّث الناس بأني غليظ شرس. مغرور بالوظيفة» قليل التهذيب. ويشيع في 
مقالة السوء. 
فماذا أصنع أيها القارىء الكريم؟ 
وأكون ماشياً في الطريق مستعجلا مسرعاً إلى موعد لا بل منهء وقد 
قدرت أن أصل على الدقيقة, فيطلع عل غليظ كأنه مارد انشقت عنه 
الأرض» ويمد إل ليصافحني يدا كمجرفة الخباز التي يجرف بها الخبز من بيت 
النا ويمضي ليحدثني حديثاً لا ينفعني ولا ينفعه: وإنما هو كلام فارغ امتلأت 
به نفسهء فلم يجد أحمق يصبه في أذنه لينفس عن نفسه إلآ أنا. ٠.‏ أو يناديني من 
بعد ثلاثين مترأ (أستاذ) فأتصامم وأسرع كأنٍ ماسمعت. فيصرخ (يا أستاذ 
طنطاوي) ويتطوع ثلاثة على الأقل من المارين والواقفين فيعاونونه علي وينادون: 
يا أستاذ طنطاوي, فيصير الأستاذ الطنطاوي لا علا في رأسه نارء بل شعلة 
مدخنة على عصا لها صوتء فهي تشغل السمع والبصر والشم والحمد لله على 
الشهرة. . . وأقف أنتظر هذا الرجل الذي يناديني كأن له عل ديناً حان سداده» 
أو كأني مجرم فار وهو شرطي أمين, أو كأن عنده بشارة لي بأن قريباً بي لا أعسرفه 


56 


من أسلافي في طنطا مات وأورثني عشرة الآف جنيه ويصل فيقول : 

يا أستاذ وينك» والله مشتاق إليك» كيفك؛ كيف حالك. . 

فماذا يا ناس ماذا أعمل له؟ أضربه؟ أسبه؟ أتركه وأمشي ؟ أخشى أن 
يقول الناس غير مهذب ؛ فأضطر إلى مسحاسنته ومالاطفته ؛ وأ أدعه ا 
مذعوراً ‏ وإذا لراك من لطفه يقول: (ما بدي أعطلك بننزل سوا) كأن 
الإنسان يقفز عادة من سريره | إلى باب الزقاق» ل الله» أنه يعمل 

أشياء ويغسل» ويأكل» ويلبس » فأضطر أن أدع هذا كله وأ ن أقعد لأونسه 

وأسليه وأسمع ثرثرته . 

وآخر يسهر يظن أن الئاس كلهم مثلهء فيطرق علي الباب الساعة العاشرة 
ليل ٠»‏ فأدع نومي لأقعد معه إلى نصف الليل أحادثه وأصغى إلى هليائنه وأوقظ 
ربة الدارء التي تعبت طول العبارء ترك راحتها ونومها وتعمل له القهوة والشاي , 
وربما زاد معه اللطف ورفع الكلفة فطلب العشاء. 

وثالث يدهمني وأنا حارج من الدار [ إلى عملي أو موعدي ويرجعني لأقعد 
معه . فمتى يا ناس! يا أها المستمعون والمستمعات! تعرف قيمة الوفت؟ ومىق 
نعلم أن من يسرق من آخر ساعة من وقنه يكون كأنه سرق دينراً من جيب؟ 
وق | نتأدب بآداب القران؛ ونذكر قوله حال ول تدخلوا يونا فيد بسن 
7 اسف أن الإفرنج فوا داب ديننا هذه ونحن نسيئاها . 


7# 


15 


الوظيفة والموظفضون 


نشرت سئة ه918١‏ 


اعلم ‏ أعسرّك الله أن الوظيفة ليست غلا في العنق» ولا قيداً في 
الرجل» وليست مقايّضة أومبادلة» أخحذ فيها الوظيفة”'2 باليمين» لأعطي 
الضمير بالشمال» ولو أنها كانت كذلك؛ لعزفت عنها واجتويتها» ونفضت يدي 
منهاء ولآثرت أن أبيع خزانة كتبي كرّة أخرى, ارقي وأسرتي جوعاً. على 
أن آكل خبزي مغموساً بدم الضمير. . وعلى أن أكفر بالفضيلة» وأؤمن 
بالمصلحة» فازن كلّ شيء في الدنيا بميزان صنجاته الدنانير» وأبصر كل ما في 
الكون من ثقب الفرش”), وأفكر إذ أفكر بعقلي الذي في كيس نقودي, 
لا بعقل الذي في رأمي ‏ فأختزل الملطق كله في قضية واحدة؛ هي الأولى 
والأخرى. وهي الحق لا يأنيه: الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهي الكتاب 
المعجز الذي لا يفرّط فيه من شىء, ولا يعجزه شىء, فيكون المنطق كله هذه 
القضية: تحصيل المال واجب, وفي هذا الأمر تحصيل مال؛ فهذا الأمر 
واجب. .٠.‏ وضع مم مكان (هذا الأمر) ما تشاء من أفعال اللؤم والخسة» والكذب 
والثذولة», والضعة والفُسُولة» تنتظم القضية وتستقم, وتصح وتطرد ولا يبقى في 
الدنيا رديء ولا فاسد مذكر. ما دام معه ألمال. 


)١(‏ الوظيفة هي الراتب» والتوظيف تعيين الوظيفة, وإذا نحن أطلقئا الوظيفة على العمل 
نفسه فإنما نتبع في ذلك العرف السائد. 


(1) كان قرشنا يومئذٍ مثقوباً من وسطه. 


3 


لديا سيدي ‏ لست أسألك هذه الطريق التي لا أزال أحذّر منها من 
م يسلكهاء وأصرف عنها سالكيهاء وإن كان السالكوها هم الكثرة من موظفينا 
وعلمائنا» ومن كل ذي وظيفة ؛ أوصاحب صلة بالمكومة حق أن الرجل من 
هؤلاء ليأتي الأمر يعترف أنه مؤذْ للأمة, منافي للفضيلة, مناقض للشرف. 
فيحتج له بأن مصلحته تقتضيهء ومعيشته تستلزمه , وأنه رجل (عاوز يعيش. .) 
ولا يعيش من لا يساير وينافق» ويَذْلٌ ويتزلّف» لا يدري الجاهل أن المعيشة على 
الصَعْتر مع الشرف, خمير من حياة النعيم والترف» من غير فضيلة ولا شرف! 


بن نم نا 


ومن أنبأك ‏ أعرّك الله2"© أن الموظف لا يحق له أن يفكر إلابعقل 
رؤسائه, ولا يرى إلا بعين أمرائهء فلا يجن من الآراء ما أبطلواء ولا يقبل 
ما ردٌواء ولا يوقر ما سفّهواء ولا يرى ما استقبحوا حسناً. ولاما كتموا ظاهراًء 
ولاما صكْروا كبيرأً. ولاما عظموا حقيراً؟ أولوكان رؤساؤه لمحطئين» 
أولوكانوا لا يعقلون شيئاً ولا يبتدون؟ 

ومن ذا حظر عليه ما أبيح للناسء ومئعه ما ملحوا من حرية التفكير, 
وحرية الرأي» وحرية القول. ولماذا يشتهي من الطعام مايعافه رئيسه. 
ويستحسن من أبيات الشعر وأصوات الغناء ما يستهجنه ويستثقله» ولا يكون 
عليه في ذلك من حرج ثم لا يتخذ له من الآراء غير رأيه. ومن المذاهب غير 
مذهبه؟ ولاذا لا ينشر هذا الرأي» ويؤيد هذا المذهب. مادام لا يأني محرماً في 
الشرع. ولا ممنوعاً في القانون؟ . . 

والوظيفة يا سيدي ‏ عَهّدٌ بين الدولة والموظف27, على أن يعمل عملا 


)1( هذه المقالة رد على أحد وزراء المعارف وكنت موظفاً في وزارته . 


534 


بعينه» على عل بذاته» فهل يعمل الأجير في الدُكان» والعامل في الصنع؛ 
والشادل قْ الفندق» والخادم في البيت» وكل مأجور من الناس في عمل جل 
أوقلّء علا أوسفلء فإذا أكمل عمله وجوده؛ استحق الأجر, وانطلق حرا في 
وقتهء» يقضيه على ما أحب» حراً في ماله ينفقه على ما شاء» حراً في رأيه ينحو به 
النحو الذي أراد» ويسوقه المساق الذي اختار. . . ثم لا يكون الموظف حراً 
أبداً» ولا يملك من أمر نفسه شيئاً؟ 

وماذا عل وأنا مدرّس إذا أنا أعدَدْتٌ درسي وألقيته؛ وقرأت وظائف 
تلاميذي وصححتهاء وفمات كل ما يوعب عل القانون أن أفعل وزدت على 
الواجب النوافلء أن ن أؤلف وأكتب» وأنقذ الأخلاق والكتب والعادات» 
وأساهم في الجهاد 0 وأحمل القفسط الذي أطيقه من أثقال الأمة, 
ومن ذا يحمله إذا لم أحمله نا وأمثالي من الموظفين والمتعلمين؟ وكيف نتقدم الأمة 
وتسير في يل إذا لم تجد من أبنائها من يحمل أثقانها؟ 

فهل يريد سيدي - أعزه الله أن أو ملكة الكتابة من رأسي» تمس 
نور البصيرة من قلبي» وأسدل على عبني حجابا حتى ١‏ أرى فأسرٌ فأشكرء أو 
أبتثس فأنقد, وأهجر الكتب حتى لا أ قر] فيفتح على العتاب طريقاً 
إلى مقالة» وأتعزّل الناس حتى لا أسمع حديثاً فاكتب عن هذا الحديث؛ أو قصة 
فأدون هذه القصة, وأدل على مكان العبرة منباء وموطن العظة فيها؟ فهل يريد 
سيدي أن أذهب إلى غار في الجبل فأحبس نفسي فيه كيلا أكتب فأزعج معاليه؟ 

أوهل توجب الوظيفة على صاحبها أن يكون عبداً لرؤسائه, مسخراً 
لأغراضهم ساعياً في مصالحهم , ولوكانت الطريق إلى إرضائهم طريقاً ملتوية 
معوجّة لا يسلكها رجل يعرف ما هي الفضيلة؛ ويدري ما هو الشرف؟ 

وهل توجب الوظيفة على الموظف أن يكون مبتوراً من جسم الأمةء فلا 
يشعر بشعورهاء ايا لألمهاء ولا يحس أنه متهاء ولا يشاركها في شيء من 
عواطفها. في حين أن المفروض في الموظف أنه من أرقى أبناء الأمة فكرأٌ 
وأوسعهم اطلاعاً. وأشذّهم شعوراً «بالواجب العام)؟ 


5195 


وهل يأخخذ الموظفون رواتبهم من صندوق الأمةء ليئاموا أمنين إذا هي 

خافت» ويضحكوا فرحين إذا هي تألمت» وينعموا فارهين إذا هي شقيت» 
ويأكلوا مسرفين إذا هي جاعت؟ 

كلا! كلا يا سيدي ) فالموظف من الأمة وإلى الأمة. وليس في البلد شعب 
وموظفونث» ولكن فيه شعباً واحداء يشعر بشعور واحد. ويصدر عن 0 
ويسعى إلى غاية واحدة» ولأن تعرف أنت هذه الحقيقة فتعمل بهاء أولى من أن 
أنزل أنا عند رأيك, وأخضع لإرادتك؛ فيا يؤذي الحقيقة وينافيها. 

كلا! لقد انقضى ذلك العهد الذي كان الموظف فيه مسؤولاً أمام رئيسه» 
وأصبحنا اليوم وكلنا مسؤولون أمام الأمة والتاريخ؛ وليس هذا الراتب منحة 
منك حتى تمن به على ولكن راتبك أنت منحة من الأمة ‏ التي أنا 
تمن هي به عليك! 


تبيز نز نا 


وبعد؛ أفليس مما يجب على قادة الفكرء وأرباب الأقلامء أن يعرفوا 
الناس حقيقة الوظيفة والموظفين, وحق الأمة عليهم, وأمل الأمة فيهم؟ أو ليس 
يجب عليهم معالجة هذه النواحي من أخلاقناء وسط الكلام فيهاء وتحذير 
السالمين منباء ومداواة المصابين بها؟ . . 


ل 


الوعسد الشسر فى 


جم 09595922ه7970290--0111.1.1.1[1010111017_722اا0اا0اادالللللللللابلت حمسا 


0 


قال لي صديق من زملائي في المحكمة : 

كنت أمس وراء مكتبي فسمعت صوتاً هائلاً له رنين وصدىء, كأنه 
صوت رجل ينادي من قعر البئرء أو يصرخ في الحمام» يقول: 

السلام عليكم . 

فرفعت رأمي فإذا أمام وجهي بطن الرجل ؛ وكأنه بطن فرس 
ضخم من أفراس البحرء أما رأسه فكان في نصف المسافة بيني وبين 
السقف. ومدّ إل يدأ كالمخباط يصافحني, ثم عمد إلى أكبر مقعد في الغرفة 
فحاول أن يدخل نفسه فيه فلم يستطع. فلبث واقفا وعرض حاجته وهي دعوتي 
إلى اجتماع للمصاحة بين أخوين من إخوانناء ولم يكن من عادتي إجابة مثل 
هذه الدعوة» وهممت بالرفض» لولا أن قست بعيني طول الرجل وعرضه. 
وعمقه وارتفاعه. فأثرت السلامة ووعلثه . 

قال: أين نلتقي؟ فخفت أن أدله على الدار فيدخل فلا استطيع 
إخراجه, فقلت له: هنا الساعة الثالثة بالضبط . 

قال: نعمء وول ذاهباً وكأنه عمارة تشي . 

وجئت في الموعد. فوجدث المحكمة مغلقة, وقد نسيت أن أحمل المفتاح 
فوقفت على الباب والئاس ينظرون إليّ» فمن عرفني أقبل يسألني. فأضطر لأن 
أشرح له القصة. ومن كان لآ يعرفني» حسبني أحد أرباب الدعاوى» فقال: 
(مافيها أحد. سكرت المحكمة) فلا أرد عليه» وأنا واقف أتململ من الضجرء 
أرفع رجلا وأضع أخرىء وأقبل مرة وأدبر مرة» أنظر من هنا ومن هناك» فكل| 
رأيت من بعيد شيئاً كبيراً أحسبه صاحبي» فإذا اقدرب رأيت جملا عليه 


07“ 


حطبء أو حماراً فوقه تبن, أو تاجراً من تجار الحرب الذين انتفخوا من كثرة 
ما أكلوا من أموال الناس» حتى مضت نصف ساعة,؛ وأحسست النار تمثي في 
عروقي » غضباً منه ومن نفسى أن لنت له ولطفت به وذهبت إلى الدار وأنا 
مصدوع الرأس» مهيج الأعصاب فألقيت بنفسي على الفراش. فلم أكد استقر 
لحظة حتى سمعت رجة ظنئت معها أن قد زلزلت الأرض بناء أو تفجرت من 
حولنا قنبلة» وإذا أنا بصاحبي الضخم» قد فتبحت له الخادم فراعها أن رأت 
فيه فيلا يمشى على رجلين, فأدخلته عل بلا استئذان. وولت هاربة تحدّث من 
في الدار حديث هذه المولة المرعبة . | 
ونفخ الرجل من التعب كانه قاطرة قديمة من قاطرات القرن التاسع 
عشرء التي لاتزال مشي بين دمشق وبيروت» وألقى بنفسه على طرف السريرء 
فطقطق من تحته الحديد, ‏ وانحبنى . 
وأخحرج منديلاً كأنه ملحفة. ومسح به هذه الكرة المركبة بين 
كتفيه » وقال: 
هيك يا سيدنا؟ ما بتنتظر شوية؟ شو صار؟ حمل الحج؟ سارت 
الباخرة؟ الإنسان مسر لا مخيرء والغائب عذره معه. والكريم مسامح . وعدنا 
وعد شرفي . 
تنا نيز نا 
قال الصديق وهو يحدثني : فلا سمعت هذه الكلمة وقفت عندهاء أفكر 
فيهاء ثم جئت إليك أقترح عليك أن تكتب عنها . 
وعد شرقي؟ أليس عجيباً أن صار اسم (الوعد الشرقي) علءمأ على الوعود 
الكاذبة» واسم (الوعد الغربي) علماً على الوعد الصادق؟ . 
من علم الغربيين هذه الفضائل إلا نحن؟ من أين قبسوا هذه الأنوار 
التي سطعت بها حضارتهم؟ ألم يأخذوها منا؟ 
من هنا أيام الحروب الصليبية» ومن هناك من الأندلس بعدذلك» وهل 
في الدنيادين 3 هذا الدين يجعل للعبادات موعداً لا تصح 


فى 


العبادةإلافيهوإن أخلفه المتعبد دقيقة واحدة بطلث العبادة؟ إن الصوم شرع 
لتقوية البدن. وإذاقة الغني مرارة الجوع حتى يشفق على الفقير الجائع» وكل 
ذلك يتحقق شي صوم اثنتى عشر ساعة. واثنتي عشرة ساعة إلا حمس دقائق , 

فلماذا يبطل الصوم إن أفطر الصائم قبل المغرب بخمس دقائق؛ أليس 
(والله أعلم) لتعليمه الدقة والضبط والوفاء بالوعد؟ ولماذا تبطل الصلاة إن 
صليت قبل الوقت بخمس دقائق؟ 

والحج؟ لاذا يبطل الحج إن وصل الماج إلى عرفات بعد فجر يوم النحر 
بخمس دقائق, أليس لأن الحاج قد أخحلف الموعد؟ 

أولم يجعل الإسلام إخلاف الوعد من علامات النفاق» وجعل المخلف 
ثلث منافق؟ فكيف نرى بعد هذا كله كثيرا من المسلمين لا يكادون يفون 
بموعدء ولا يسالون بمن يخلف لهم وعداًء أو يتأخمر عنه. حتى صار التقيد 
بالوعد, والتدقيق فيه والحرص عليه نادرة يتحدث بها الناس» ويُعجبون 
بصاحبها ويُعجبون!منه. . . وحتى صارت وعودنا مضطربة مترددة لا تعرف 
الضبط ولا التحديد. 

يقول لك الرجل (الموعد صباحاً) » صباحاً؟ في أي ساعة من الصباح؟ 
في السادسة؟ في السابعة؟ في الشامئة؟ إنك مضطر إلى الاتنظار هذه الساعات 
كلها. (الوعد بين الصلاتين) وبين الصلاتين أكثر من ساعتين. (الوعد بعد 
العشاء) . أهذه مواعيد؟! هذه مهازل وسخريات, لقوم لا عمل لهم. ولا قيمة 
لأوقاتهم, ولا مبالاة لهم بكرامتهم ! 

هذه مواعيدنا وفي ولاثمناء وحفلاتناء وفي اجتماعاتنا الفردية والعامة . 

دعيتمرة إلى وليمة عند صديق لي قل حدد لا ساعة معيئة هي الساعة الأول 

من بعد الظهرء فوصلت مع الموعد فوجدت الماعوين موجودين إلا واحداً له 
عند صاحب الدار منزلة, وتحدثنا وحلت ساعة الغداء وتوقعنا أن يدعونا 
المضيف إلى المائدة فلم يفعل» وجعل يشاغلنابتافه الحديث» ورائحة الطعام من 
شواء وقلاء وحلواء, تملا آنافنا وتصل إلى معدنا الخاوية» فتوقد فيها نارأء حتق 


برف 


إذا اشتد بي الجوع قلت: هل عدلت عن الوليمة ؟ 

فضحك ضحكة باردة وخخالها نكتةء فقلت: 

يا أخي جاء في المحديث أن امرأة دخلت النار في هرة. . حبستهاء فلا 
هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. ونحن جماعة وهي 
واحدة» وهي قطة ونحن بشر] 

فتغافل وتشاغل» ثم صرح فقال: حتى يجيء فلان. 

قلت: إذا كان فلان قد أخلف الموعد» أفنعاقب نحن بإخلافه؟ وهل 
يكون ذنبنا أنا كنا غير مخلفين؟ 

تا فنا نآ 

والحفلات مثل الولائم» يكتب في البطاقة أنها تبدأ في الساعة الرابعة: 
وتبدأ في نصف الخامسة. وأعمالنا كلها على هذا النمط. ركبت مرة الطيارة من 
مطار ألماظة في مصر فتأخرت عن القيام نصف ساعة انتظار راكب موصى به من 
أحد أصحاب المعالي . وما ثرنا معشر الركاب وصحبنا طار بناء فلم يسر والله 
ربع ساعة حتى عاد فهبط. فارتعنا وفزعنا وحسبنا أن قد جرى شيء, وإذا 
العودة من أجل الراكب المدلل صديق صاحب المعالي» وقد تأخر لأنه لم يحب أن 
يسافر حتى يدخخل الحمام» ويستريح بعد الخروج كيلا يلفحه (اسم الله عليه) 
الهواء الباردء وكنت يومئذٍ عائداً من رحلة رسمية» فلما وصلت إلى مطار المزة في 
دمشق وجدت أكثر من مثتي إنسان بيهم مندوب وزير العدل» ينتظرون قدومي 
في الشمس منذ ساعة كاملة. 

والسيارات مثل الطيارات» والدكاكين والدواوين» والمقاهي والملاهي » 
كل ذلك يقوم على تبديل المواعيد وإخلافهاء حتى لم يق لشثيء موعد 
معروف, فيا أيها القراء خبروني سألتكم بالله أي طبقة من الئاس تفي بالموعد, 
وتحرص عليه وتصدق فيهء وتدقق في إنجازه؟ الموظفون؟ المشايخ؟ الأطباء ؟ 
المحامون؟ الخياطون والحذاؤون؟ سائقو السيارات؟ من؟ من يا أيها القراء؟ . 

يكون لك عند الموظف حاجة لا يحتمل قضاؤها حمس دقائق» فتجيئه وهو 


+ 


يشرب القهوة» أو يقرأ الجريدة» أ يشغل نفسه ها ل طائل حته. فيصعٌد فيك 
فيك بصره ويصوبهء ويقومك بعينه؛ فإن أنت لم تملأهاء ولم تدفعه إلى 
مساعدتك رغبة فيك. أو رهبة منك قال لك: ارجع غداً. فترجع غداً» 
فيرجئك إلى ما بعد غد. . . لا أعني موظفاً بعينه ع ولا عهداً بذاته. بل أصف 
داء قديماً سرى فينا واستشرى», ودخل وتغلغل. . 

ويكون لك موعد مع الشيخ, فيجيئك بعد نصف ساعة؛ ويعتذر لك 
فيكون لاعتذاره متن وشرح وحاشية, فيضيع عليك في محاضرة الاعتذار نتصف 
ساعة أخرى. وإن دعوته الساعة الثانية جاء في الثالثة. وإن كان مدرساً لم يأت 
درسه إل متآخراً. 

والطبيب يعلن أن العيادة في الساعة الثامنة ولا يحرج من داره إلى 
العاشرة. وتجيئه في الموعد فتجده قد وعد خمسة من المرضى مثل موعدك» واختلى 
بضيف يحدثه حديث السياسة والجو والكلام الفارغ» وتركهم على مثل الجمرء 
أوعلى رؤوس الإبرء يننظرون فرج الله» حتى يبملوا فيلعدوا الساعة التي وقفوا 
فيها على باب الطبيب» ويذهبون يفضلون آلام المرض على الام الانتظار, 
ويؤثرون الموت العاجل المفاجىء على هذا الموت البطيء المضني . 

أما الخياطون والخطاطون. والحَذَاؤون والبناؤون» وأرباب السيارات» 
وعامة أصحاب الصناعات» فإني أشهد أن لا إلّه إلا الله وأهم من أكذب خلق 
الله» وأخلفهم لوعد. الكذب لهم دين, والحلف عادة» ولطالما لقيت منهم. 
ولقوا مني » وما خطت قميصاً ولا حلة» ولا صنعت حذاء. ولا سافرت في سيارة 
عامة سفرة» ولا بعثت ثوباً إلى مصبغة لكيه أوغسله أو:: تنظيفه إلا كووا 
أعصابي بفعلهم, وشويتهم بلساني» وإن كان أكثرهم لابيالي ولوهجاه 
الحطيئة أو جرير أو دعبل الخزاعي, بل إنهم ليفخرون بهذه البراعة في إخلاف 
المواعيد. والتلاعب بالناس» ويعدوما مهارة وحذقا. 


و07 


وتقوم حياتنا فيه على التواصي بالحق لا يعد فيه المرشح وعدا إلا وفى به بعد أن 
يبلغ مقاعد البرمان» ولا يقول الموظف لصاحب الحاجة إني سأقضيها لك 
إلا إذا كان عازماً على قضائهاء ولا الصانع بإنجاز العمل إلا إذا كان قادرا على 
إنجازه؛ والموظفون يأتون من أول وقت الدوام ويذهبون من أخحرهء والأطباء 
لا يفارقون المكان ساعات العيادة» والخياط لا يتعهد بخياطة عشرة أثواب إن 
كان لا يستطيع أن يخيط إلآ تسعاء وتمحى من قاموسنا هذه الأكاذيب. تقول 
لأجير الحلاق: أين معلمك؟ فيقول» إنه هناء سيحضر بعد دقيقة, ويكون نائاً 
في الدار لا يحضر إلآ بعد ساعتين. 

ويقول لك الموظف: من فضلك لحظة واحدة. فتصير الحظته ساعة ومتى 
تقوم حياتنا على ضبط المواعيد وتحديدها تحديداً صادقاً دقيقأً. فلا يتأخر موعد 
افتتاح المدارس من يوم إلى يوم ويتكرر ذلك كل سنة, ولا يرجأ موعد اجتماع 
الدول العربية في الجامعة من شهر إلى شهرء ولا تعاد في تاريخنا سأساة فلسطين 
التي لم يكن سببها إلا [همال ضبط المواعيد وإخلافها. ولوأنا حددنا بالضبط 
موعد القتال. وموعد الهدنة» وجئنا (أعني الدول العربية) على موعد واتفاق 
لكان لنا في تاريخ فلسطين صفحة غير التي سيقرؤها الناس غداً عنا . 

إن إخلاف الموعد الصغيرء هو الذي جر إلى إخلاف هذا الموعد الكبير. 
فلنأخذ مما كان درساً؛ فإن المصيبة إذا أفادت كانت نعمة. ومتى صلحت 
أخلاقناء وعاد لجوهرنا العربى صفاؤه وطهره. وغسلت عنه الأدران. استعدنا 
فلسطين؛ وأعدنا ملك الجدود. 


نين تن 


كو 


شغلوا الطلاب فى عطلة الصيف 


نشرت سنة ١94659‏ 


قرأت في عدد قديم من مجلة (المختار) مقالة لكتب أميركي» تحدث فيها 
عن لحان الشباب» وما تقوم به في أميركا من الأعمال الجسام . 

من ذلك أن حي الأعمال في مدينة (أوشكوش): قد اشتدت فيه ضوضاء 
السير وضجة السيارات» حتى لم يعد يستطيع سكانه العمل وكادت هذه 
الضجة المستمرة تحطم أعصايهم. واوا على الحكومة أن تجد لهم مخلصاً من هذا 
البلاء. 

ففكر رئيس شرطة السير في المديئة» فلم يجد إلا سبيلاً واحداً للخلاص» 
هوأن يلجأ إلى لجنة الشباب في المديئة. فأثار حماستهم ورغبهم وقال لهم: هذه 
فرصة لكمء لخدمة مدينتكم. فقبلوا وكلّفت اللجنة مثتين من أعضائها ممن 
تتراوح أعمارهم بين 17-1١1‏ سنة» فوقفوا على أطراف الطرقء ثلاثة أيام 
يسألون كل سائق سيارةرأيه؛ ويتفهمون أسلوبه في القيادة. وعادته في وقف 
السيارة والانتظار بباء وقدّموا المعلومات التي جمعوها إلى رئيس الشرطة, فاستطاع 
أن يضع بعد معرفتها نظاماً جديداً للسير مستمداً من الواقع, قاطعاً أسباب 
الشكوىء ووفروا على الحكومة 8؟ ألف دولار. 


وفي مديئة (ماديسون) اجتمع أكثر من طالب من طلْبة المدارس 
الثانوية نقلتهم عربات النقل في السابعة صباحاً إلى منافذ الأزقة والحارات» 
فولجوها سيرا على أقدامهم. يجمعون منها ومن حدائق المنازل وأفنيتها ومن 


ا 


الساحات والملاعب,ما فيها من النفايات والأوساخ. فاستحى الناس» وأسرعوا 
معاونتهم , فنظفت المديئة وصارت أرضها كالمراة المجلوة . 

وفي مدينة (أوكلير) طلب مدير التعليم الخاص إلى لجنة شباب المدينة 
مساعدته في توصيل عدد من أطفال إحدى المدارس الخاصة إلى منازهم » وقبلت 
اللجنة» وأرسلت أعضاءها يستلمون الأطفال من المدرسة. ويضعون كلا منهم 
في السيارة التي توصله إلى منزله . 

ومن ذلك أن لحئة الشباب في (راين لاندر)» أنشأت مكتباً للعمل» فوجد 
أن الفنادق والمتنزهات في هله المديئة التي تقصد في العطلات والمواسم تحتاج إلى 
عمال؛ فتأتي بهم من المدن الأخرى» فسعت لإحلال شباب المدينة في هذه 
الأعمال» واستطاعث تشغيل مئات منهم. ملة العطلة؛» بعمسل شريف. 
وبأجور جيّدة. 

وقد رجعت بي الأيام لماقرأت هذه المقالة ثلاثين سنة إلى سئة ١9574‏ 
وسئة 1970 وقد عدت من مص 22 أحدث إخخواني عن لحان الطلبة فيهاء 
وما تقوم به من أعمال كبار في ميادين الجهاد الوطني . وألفت أنا ونفر من 
إخواننا”», لجان الطلبة في المدارس الثانوية ثم في الجامعة» ثم ألّفت للحنة مركزية 
للطلاب وكنت عضواً فيهاء ثم تشرفت أن كنت يوماً رئيسهاء وكنت من 
محرري جريدة «الأيام) يوم كانت جريدة الكتلة الوطنية» وكان رئيس تحريرها 
الأستاذ عارف النكدي وكان للّجنة المركزية مبوخاص في دار (الأيام) . 

ويشهد أقطاب الحركة الوطنية في ذلك العهد ما صنعت لجنة الطلبة 
وحسبها أنها هى التى أبطلت انتخابات ٠١‏ كانون المزورة سنة ١97٠‏ وهى التى 
كانت تعدّ الإضراب العام في المدينة: وهي التي كانت القوة المنفّذَة لمقررات 


0( منهم الدكتور صبرق القبائي والأستاذ مدحت البيطار, 


م7 


شيوخ الوطنية وقادة الجهاد واستمرت على ذلك إلى أن وقعت المعاهدة 
سلة 1947"5 . 

ذكرت هذا كله؛ لما قرأت المقالة» وقلت في نفسى: لقد انقضى عهد 
النضال السلبى وحررت البلاد من الانتداب. وت والحمد لله نعمة 
الاستقلال؛ فلم ين مجال دل تلك الأعمال» فلماذا لا نسخر هذه القوى 
الحائلة قوى الطلاب والشباب» للأعمال الإنشائية النافعة التي تشير إلى أمثلة 
منها هذه المقالة التي قرأتها في المختار. 

لم يكن في دمشق في أيامنا إلا ثانوية رسمية واحدة هي مكتب عنبر- 
وفيها ثلاثمائة طالب فقط». وكان طلاب الجامعة لا يزيدون ‏ فيا أقدّر ‏ على 
أربعمئة أو خسمئة» وقد قمنا بهذه الأعمال, فماذا يصنع اليوم طلاب دمشق 
وفيها عشر ثانويات رسمية» وفي الجامعة الاف والاف؟ 


إن العمل ليس عيبا وفي أميركا يشتغل الطلاب حتى الأغنياء منهم. في 
العطلة الصيفية بالخدمة في المطاعم. والعمل في المصانع» فلماذا يبقى شبابنا 
مدة العطل». وهي ربع السنئة أو ثلئها. بلا عمل فيتعودوا الكسل والبطالة 
أويقرؤوا روايات أرسين لوبين أويروا الأفلام الخبيثة» أو يتطيّبوا ويتعطروا 
ويتبختروا في عشيات الصيف, في بوابة الصالحية وحول البرلمان» يراقبون 
المارين والمارات» أو يشتغلوا بالحزبيات والعصبيات؟ 


ولاذا نقتبس من الغرب الضار ولا نقتبس النافع؟ 

لماذا لا نوسّع النشاط المدرسي» فنؤلّف انا للشباب تبدأ في كل مدرسة 
ثم يكون منها اتحاد أوسع, ثم تجمع هذه (الاتحادات) حتى يكون في كل بلد 
لحنة مركزية واحدة للشباب تعلمهم التعاون والحد وحمل المسؤوليات» وتقوي 
أجسامهم بالرياضة» وعقوهم بالمحاضرات», وأرواحهم بالسلوك الخلقي القويم 
وتشارك في الأعمال العامة النافعة . 


الى 


تصوّروا لو أن طالاب دمشق27 مثلاً خرجوا في مواكب إلى أطراف الغوطة 
حيث الأرض الفضاء فأخل كل واحد منهم غرسة فغرسها هناك وأمضوا يوما في 
لعب وتسليةع ونشاط وصحةء لأقاموا في يوم واحد بستاناً للأمة فيه عشرة الاف 
غرسة» يتولونه أبداً بالرعاية . 

وتصوّروا لو أخحذ كل طالب من بيته رغيفين» أو ثوباً قدهاً وخرجت 
مواكبهم فدارت على حارات الفقراء وتخيمات اللاجئين» فوزعوها وقضوا يوماً 
بيغهم في مواساة ومشاركة لهم في حياتهم» كم يكون أثر ذلك في نفوسهم وفني 
هؤلاء المساكين . 

والحكومة تحتاج إلى مشروعات كثيرة» تحناج إلى آلاف من الشباب أيام 
الاحصاء العام وفي النوازل والنكبات فلو كان هنا لحان للطلاب واستعانت 
بهم على ما تريد من الخير حققت في يوم واحد, وبلا نفقات, مالا يمكن تحقيقه 
ف المدة الطويلة» وبالنفقات الكثيرة, عدا عما في ذلك من تعويد الطلاب حياة 
العمل والتعاون وإبعادهم عن مواطن الزلل والضعف والبطالة. 

ولكل لحنة من هذه اللجان في أميركا مستشارون من الرجال الكبار 
يختارهم الشباب بأنفسهم, وهؤلاء المستشارون يعلمون بأن مهمتهم هي العمل 
مع الشباب لا الأمر والنبي فيهم. ومنبج هذه اللجان يوصي المستشار بأن 
يعرض نصحه في الاجتماع بصراحة فإذا لم توافق اللجنة عليه فلا داعي للأأسف 
ولا للغضب . 

لقد كانت لمجنتنا المركزية قبل سث وعشرين سنةع تمثل طلاب دمشق 
حميعاً وكانوا يمشون وراءها صفاً واحداء وينفذون قراراتهاء فتصوروا ماذا يكون 
من الخير للشباب وللأمة لو أن الحكومة وضعت نظاماً على نحو النظام المتبع في 
أميركا والبلاد الأحرى للجان الشباب وأقامت لها إدارة تشرف عليها لوجهتها 


(1) التبهواء فأنا أقول الطلاب فقط لا الطالبات. 


“لم 


وجهة الخير» وصرفتها عن العبث واللهو والبطالة والشغب والحزبيات ثم 
شغلتها بالأعمال النافعة» التي لا يحصيها العدء وكان لما مخيمات في الصيف» 
وكان لها نواد في الشتاء وكان عملها المساهمة في كل مشروع عام» وتبيئة عمل في 
الصيف لمن يحب أن يعمل من الشباب فيساعد بما يحصله نفسه وأهله؛ كما 
يصنم الطلاب في أميركا. 

والشرط الأول والأخير في هذا كله: أن يكون هذا العمل لله وحدهء 
لا يستغل لمصلحة حزب ولا هيئة ولا مذهب ولا جماعة وأن يقوم على صحة 
الأجساد بالرياضة, وتنمية العقول بالمحاضرات» وتصفية الأرواح بالعبادة 
والذكر وبثُ روح التعاون وتعويد الشباب حمل التبعات, وأن تحبب إليهم الحياة 
الاستقلالية لا الحياة الاتكالية» وأن يعلموا أن العمل ليس عيباً ولو كان كنس 
الشوارع» ولكن العيب أن يكون الشاب من أهل البطالة» أويكون من أهل 
الفسوق؛ وأن يكون كلا على أبويه وهو يستطيع أن يشتغل» وأن يقتصر على 
الشباب فقط فلا يكون وسيلة للاختلاط. ولا يكون بابا للفساد. 


ا 


م 


مشسكلة السز واج 


أ 


في البلد اليوم مشكلة من أعقد المشاكل الاجتماعية» وأعمقها أثراً في 
حياة الأمق هى مشكلة الزواجء وتتلخص هذه المشكلة في , كلمة واحدة هى أن 
فينا آلافاً مؤلفة من البنات في سن الزواجء لا يدن الخاطب وآلافاً مؤلفة من 
الشباب لا يجدون البنات. أو لا يريدون الزواج. 

ولتدركوا خطر هذه المشكلة وامتدادهاء محذوا ورقة وقلماً واكتبوا أسماء 
الأسر التى تشتمل على البدات الكاسداتء والآسر التى تشتمل على الشباب 
العزاب, تروا أن في محيط كل واحد منكم أبها السامعون عشرات من هؤلاء 
ومن أولئك . 

وبحثئي اليوم في أسباب هذه المشكلة ونتائجها وفي طرق حلها. 


أما نتائجها فهذا الفساد الأخلاقي الذي يشكو منه كل بلد من بلدان هذا 
الشرق الإسلامي» وأنا لا أستطيع أن أصرّح لأني لا أتحدث إلى جماعة أراهم 
أمامي . أعرف أذواقهم وميولهم, ولا أتكلم في مجلس محصور ولكن أتكلم في 
هذا المذياع الذي يحمل الكلام إلى آفاق الأرضء ولا أدري من يستمع إليّ؛ 
ولعل فيهم البنت والشاب ومن لا يحسن التصريح أمامه مبذه الأشياءء لذلك 
أكتفي بأن أقول بأن الله ما حرّم شيئا إلا أحلّ مكانه شيثاً يغني عنهء حرّم الربا 
وأحل البيع وحرم الزنا وأحل الزواج» فمن سد في وجهه طريق الحلال» لم يجد 
للوصول إلى هذه الحاجة الطبيعية إلا سلوك طريق الحرامء لذلك كانت النتيجة 


5م 


الحتمية لقلة الزواج» هي كثرة الفساد, لعلي أتحدّث عن الفساد الخلقي حديثاً 
مستقلاً مفصلاء وأقرر من الآن أنه لا يمكن القضاء على هذا الفساد 
إلا بتسهيل الزواج . 

أما أسباب مشكلة الزواج. فأوها نظام التعليم : 

إن هذا النظام يعارض فطرة الله» ويخالف طبائع النفوس» وحقائق 
الأشياء. وبيان ذلك أن الله وضع غريزة الجنس في نفس الشاب والشابة» وقدر 
لظهورها سن الخامسة عشرة أو نحوهاء فإذا بلغها الولد أو البنت تنه في نفسه 
ماكان غافلاً» وتيقظ ماكان نائياًء ونظام التعليم يوجب أن يبقى الشاب 
والشابة في المدارس إلى الخامسة والعشرين يدخل المدرسة أبن سبع سنين» 
ويبقى اثنتي عشرة سنة في الإبتدائية والثانوية فهذه تسع عشرة سلة؛ ويبقى في 
الجامعة من أربع سنين إلى سبع سنين» فيصير عمره من ثلاث وعشرين إلى 
ست وعشرين» فإذا ذهب بعد ذلك ليجيء بالدكتوراه» من أوروبا أو أميركاء 
وغاب لذلك ثلاث سنين أخرى على الأقل صار ابن ثلاثين سئة أو نحوها. 

فكيف يمضي هذه السنوات العشر أو الخمس عشرة التي هي أشدّ سني 
العمر ثورة وشهوة وضراساً ني الأعصاب, لا سيما وهويعيش في جو مملوء 
بالمغريات الجنسيةء وإذا سافر إلى بلاد الغرب وأى ما هو أشد ل إغراء . 

وليس البحث الآن في المسألة الجنسية لأسأل ماذا يصع في هذه المدة. بل 
البحث في الزواج» فكيف يمكن أن يتروج؟ لا سيا وأ نه مضعاريحكم 10 
النظام أن يبقى بلا كسب ولا مورد. ويبقى عالة على أبيه حتى يبلغ الثلائين 
وى بعد ذلك ضع سين أخرى بلي الخال كي ممع تكايف الزوج 
فيصير عمره حمسا وثلاثين» ومن المشاهد أن كثيراً من الذين يبقون بلا زواج إلى 
هذه السن» لا يتزوجون أبداً لأن الدافع إلى الزواج يضعف بعدها ونار الغريزة 
تخمد, والشباب يكون قد ولى . 


فالسبب الأول في رأبي هو نظام التعليم » وقد كان من المعروف في دمشق 


اذه 


من نصف قرنء لا كان أكثر الناس يشتغلون بالتجارة» ولا يعرفون هذا التعليم 
الجامعي , أن الشاب إذا صار في العشرين صارت له دكان؛ وصار صاحب 
مورد. ورب تجارة» وصار زوجاً وأباً. وصاحب أسرة» وأن البنت إذا بلغت 
الرابعة عشرة تتزوج . 

والسبب الثاني» هذه العادات الشنيعة في الزواج» العادات التي تخرب 
بيت الأب وبيت الخاطب معاً. وليس فيها كما قلت في الحديث الماضي نفع 
لأحد. إنها هي للتفاخر أمام الناس» وللتكائر والتسابق إلى التبذير والسرف »من 
المباراة في زيادة المهور وشراء الجهاز الفخم. الذي بشتمل عل أشياء أكثرها لا 
حاجة إليه. ولا لزوم لهء ولقد دلت غرفاً قْ أفخم الدور كدست فيها 
التحف والتماثيل» والمطرزات واللوحاتء بلا ذوق ولا ترتيب» حتى صارت كأنها 
خرن مفروشات لا غرفة استقبال» مع أن الأجانب الذين نقلدهم في حياتنا 
لا يضعون في أبهاء الاستقبال إلآ الشىء الضروري» وإذا عمدوا إلى الزينة 
والترف علقوا لوحة لها قيمة فنية. وأقاموا تحفة واحدة أثرية أو تذكارية» لا ترى 
لديهم إطاراً ضح غالياً فيه صورة سسخيفة حمقاء» ولا ترى هذه المجموعات من 
الأطباق الصينية» وعلب الزيئة» وقداني الطيبء التي لا تفتح ولا تستعمل» 
يفضلون الأناقة والذوق على الثمن المادي للأشياء . 

وهذه السلسلة من الحفلات» حفلة الخطبة ولبس الخاتمء وحفلة العقد. 
وربما سبقتها حفلة التلبيسة». وحفلة العرس. والسبعة الأيام وحفلة التعارف» 
وكل حفلة تكلف المئات» وتجمع أفاطاً من الناس ليس بينهم تفاهم ولا تواد 
وربما لم يكن بينهم تعارف سابق . 

وهذه الحفلات للرجال ضجة وصخب وفوضى. أو صمت وتكلف 
وحديث نخافت» وللنساء حفلات عرض أزياء» كل واحدة تعرض ثوها وتنتقد 
ملابس الآخريات . 

وهذه الحفلات مع ما يتبعها من الهدايا المقررة المتعارف عليهاء التي يتفق 


6م 


أحياناً على نوعها وثمنهاء تكلف الخاطب أكثر من المهرء وتكلف الأب هي 
والجهاز مثل ما تكلف الخاطب». وتكون نكبة على كل رجل تدعى زوجته 
أو ابتته إليهاء لأنه يضطر إلى شراء الملابس الجسديدة؛ ودفع ثمنها ما خصصه 
لخبز عياله أو ثمن ملابس أولاده. 

ولما كنت في جزيرة جاوة (أندونيسيا) رأيت أكثر الشباب متزوجين 
فسألت عن طريقة الزواج فإذا هي أسهل وأقرب الطرق» فكنت أتذكر صعوبة الزواج 
في بلادناء وهذه العراقيل التي أقيمت في طريقهء حتى صار الاتصال المحرم 
أسهل بمثة مرة من الزواج الحلال (أقول هذا وأنا في خجل وأسف) وصار الآباء 
يتغافلون عن هذا المنكرء ويمهدون له حيث لا يشعرون بإهمالهم التربية الدينية 
والخلقية» ويعارضون الزواج ويلقون أمام طالبه الأشواك. 

والسبب الثالث أن أكث الأزواج تركوا الشرع, ولم يقفوا عند حدوده. 
فلم يعرف الزوج الواجب عليه لزوجته ولم يقم به. ولم تعرف الواجب عليها 
لزوجها ولم تقم به. فدخل بذلك الخلاف إلى أكثر البيوت؛ وصارت حياة 
المتزوجين جحيم] لا يطاق. وتتالت الدعاوى في المحاكم وفشا الطلاق, ورأى 
هذا الشباب العزاب .وسمعوا أخباره. فزادهم ذلك كراهة للزواج وانصرافا عنه. 

والسبب الرابع الفساد الخلقي, والفساد الخلقي الذي هونتيجة لقلة 
الزواج. صار سبباً من أسباب هذه القلة» وصارت مسألة الدور الذي أبطله 
المناطقة وجوزه الشعراء . فقال أحدهم : 

مسألة الدور أنت بيني وبين من أحب 

لولا مشيبي ما جفا لولاا جفه لم أشب 

الشاب الذي لا يتزوج وهويجد الدافع إلى الزواج يسلك طريق الفساد. 
وسهولة طريق الفساد تصرفه عن الزواج» وماله وللزواج ونفقاته ومشكلاته؟ 
وماله وللخلافات الزوجية وهو يقدر أن بوصل نفسه إلى كل ما تشتهيه بغير ذلك 
كله؟ 


6م 


وهنا أعود فأقرر أن بين مشكلة الزواج» ومشكلة البغاء السري والعلبني. 
وحدة وأمتزاجاً. فلا يمكن علاج إحداهما إلا بعلاج الأخرى . 

والسبب الخامس » هو نتيجة التعريف الذي بدأت به هذا الحديث؛ أما 
قلت لكم إن مشكلة الزواج هي وجود آلاف مؤلفة من البنات بل أزواج» 
ووجود الاف مؤلفة من الشباب بلا زوجات . 

إن الشباب مختلفون عن وفقرأًء وثقافة وجهلاًء وتقى وتساهلاً. وجداً 
وهزلاء وني كل صنف من هؤلاء مثيله من البنات ولوأن كل شاب يريد الزواج 
خطب من تائله في تفكيره ووضعه الإجتماعي ونظره إلى الحياة» لما كان عشر 
هذا الاختلاف الزوجي الذي نراه الآن» ولا يحتاج ذلك إلا إلى حماعة من المصلحين 
يدعون إلى الزواج» ويرغبون فيه. ثم يدلون كل خاطب على الأسرة التي 
تناسبهء ولووجد في كل حي من أحياء البلد نفر من هؤلاء المصلحين؛ لحل 
بعض هذه المشكلة . ْ 

والخلاصة أن في البلد مشكلة زواج» وأن هله المشكلة مرتبطة بمشكلة 
الفساد والأخلاق؛ ولا تحل إحداهما إلا بحل الأخرى» وأن سببها نظام التعليم 
أولأء ثم هذه العادات في المهور والحفلات والهداياء وهذه التكاليف التى لا 
تحتمل» ثم ترك المتزوجين أحكام الشرع حتى حل الخصام فيهم محل الوئام؛ ثم 
فقد الوسطاء واختيار الخاطب الفتاة التي لا تناسبه ولا تقاربه. وتفضيله الحمال 
فيها على الكمال» وتفضيله على الدين فيها المال. وعلى الخلق والحشمة 
الإغراء والدلال. 


3 


كم 


أسبساب المتسكلة 


نشرت سئلة ١965/7‏ 


أمامي الآن كتابان» أحدهما من شاب موظف, والآخر من أنسة شابة» 
الكتاب الأول يشير إلى مشكلة من أكبر المشكلات الاجتماعية في بلدنا» بل هى 
أكبرها بلا جدال» والكتاب الثاني يقدم الحلّ لمذه المشكلة ولوأني أعددت 
العدة. وهيأت الوسيلة, » ليصلا إل في يوم واحد» لماوفقت إلى ماجاءت به 
هذه المصادفة العجيبة» وأكرر القول بأن الكتابين أمامي» فلا تظنوا أني أتحبّلء 
وفيهما الأساء والعناوين ولكني لن أذكر منها شيئاً . 

يقول صاحب الكتاب الأول» إنه 7 صغير» براتب ل يتجاوز مي 
ليرة» وإنه شريف المحتد» حسن الخلق. أحب أن يعصم نفسه بالزواج» وأن 
ينثىء له أسرة» فخطب ب أول مرة فبحثوا عنه وسألوا. فللا لم ينكروا منه خلقاً 
ولاديناً قالوا: إن راتبه قليل» فخطب مر ة ثانية وأفهمهم أن راتبه قليل» 
فقالوا: وما الراتب؟ هل هي بيعة يبحث فيها عن الثمن» اسن لام بالل 
ففرح وقال: هنا حط بنا الجمال207, وكاد ينتهي الأمرء لولا أ هم قالوا: إنه 
قبيح الصورة. مع أنه جمبل. (هو الذي يشهد لنفسه بالجمال لا أناء وأنا ل أره 
ولا أعرف وجهه). فخطب مرة ثالثة وقال لهم: لا نريد مشاكل والشرط في 
الحقل ولا الخصومة في البيدر2"2: أنا موظف صغيرء مرتبي مئتا ليرة سورية 
فقطء وشكلي كا ترون, قالوا: قبلنا بشكلك وراتبك» ونحن نرحب بك» 


هه وهذا أيضاً, 


/ام 


ولكنا لا نكتم عنك أن أخت البنت تزف كر ب وو ونحن لا نستطيع 
عليكم » وحطب الرابعة» | إن مرتبي كذاء وشكلي كذاء آنا 1] دفع 
أكثر من الف ليرة مهراً قالوا: أهل وسهلا. قبلناء وبعد مفاوضات ومحادئاثت 
لا آخر لاء قالوا: لبد من أن تثرك أ هلك وتستاجر داراً وتفعرش غرفة نوم . 
فحسب ذلك فوجده أثقل من ذلك المهر فولى هارباًء وخطب الخقامسة» 
ووضح كل شيء وقبلوا بكل شيء وقرئت الفاتحة. واجتمسع بالمخطوبة» وأعد 
المال» وعملت معاملة الزواج ولكنهم رفضوا في اللحظة له الأحية: إذ تبين أن أم 
الشاب من النوع البلدي . لاتعرف شرائط الحفلات» ولا قواعد الزيارات» 
وأنبا شوهدت متلبسة بجريمة فظيعة» إذ استعملت في وليمة المإطبة شوكة اللحم 
في أكل البطيخ , وشربتكت الشوربة بصوت مسموع» وقفشرت التفاحة وهي 
تمسكها بيدها . . 

ونسي صاحب الكتاب ذنباً آخر لهله الأم البلدية؛ هي أنها كلما أكلت 
حركت ذقنا . . 

لذلك ترك التفكير بالزواج , وكره النساء . حقىق صار سوداوياً موسوساً. 
وهويختم كلامه بشتائم حارة منتقاة» للبنات وآباء البنات (وأنا مهم مع الأسف) 

#* # ض 

أما الكتاب الثاني فتقول صاحبته إنها إحدى ثلاث أخوات شابات يعشن 
في كنف أخيهن» وهولا يقصر في الإنفاق عليهن» ولكنه كلما جاء خاطب رد 
وتمل له الحيل» فهذا ضيق ذات اليدء وهويخاف أن يضيق على أخته. وهذا 
جاهل ليس كفوا له وهو العالم الجليل, (أي في رأي نفسه)) وهذأا من أسرة 
مجهولة, وهذا مقطوع ليس له أحدء فهر يخئى إذا كان خلاف ألا بجد من أهله 
من يكلمه في أمرى وهذا كثير الأهل له أم وأنعت وأمرأة أخ, فهو يخشى أن 


44 


1 


بالتكاليف. وهي تستثسير وتستجير» وتضاف أن يشيع ذلك عنساء فلا يقبل 
الخطاب عليهاء وتبقى عانساً طول عمرها. 


لذ فنا 


يظلمن أختهء وإذا جاء خاطب لم يجبد له علة أغلى عليه المهرء وأرهقه 


هذان هما الكتابان يا أيها السامعون. وهذه هي المشكلة الكبرى في حياتنا 
الإجتماعية» بدات شابات يملأن البييوت؛: ينتظرن الزواج؛ وشباب عزاب» 
يجوبون الطرقات» يطلبون الزواج» ولكن بين الفريقين سداً منيعاً. يمنعهما من 
الاتصال بالحلال فقطء أما في الحرام فليس بين الفريقين حجاب, وهذا السسد 
هر الآباء» عفواً لست أعني الآباء جميعاًء بل الذين لم يدركوا إلى الآنء أن في 
الدنيا اليوم وباءً فتاكأء يدمر الأخلاق, ويبدد الأعراضء وأنه لا دواء لهى 
ولا منجى منه إلا بالزواج. وأن كل من بمنع الزواج أويضع في طريقه 
العراقيل» أولا يسهّله وهو قادر على تسهيله؛ يكون عاملاً على زيادة هذا الوباء 
ونشره وأن الخطر فيه على الجنسين ولكن المخطر على البنات أشدّ, لأن الشاب 
يجني جنايته ويمضي » والبنت هي التي تحمل عواقبهاء ولأن المجتمع يختفر 
للشاب» ويقول: ولد أثم وتاب» ولكنه لا يغفر للمرأة أبداًء ولا يقبل لها توبة 
وإن والد البنت لوعقل لسعى هوني زواجها. 

لا لا يعرضها على الناس» ولا يرمي بها إلى أول طالب لهاء بل يتبع 
سبيل الشرع. وطريق العقل. فينظر إلى دين الخاطب وإلى خلقه, فإن رضي دينه 
وخلقه. نظر إلى وضع أسرته؛ وعادات أهله وتفكبرهم» فإن كان هو وأسرته 
موافقين للبنت وأسرتهاء متقاربين في الغنى والفقرء وني العادات وفي الوسطء 
وكان يستطيع أن يعيّشها كما كانت تعيش في بيت أبيها(»؛ فليقبل به . 

أما المهر فلا بد منه» ولكن ليكن معتدلً» لا يرهق الخاطب, ولا يضيع 


)1١(‏ وهذا هو الشرط الأول. 


44م 


حق البنت. فإن كان الخاطب صالحاً وليس في يده مال حاضر كأكثر الشباب» 
فليكن المهر مؤجلاً» فإن وفق الله وعاشا بسلام» لم يضره كثرته مع تأجيله . 

المهر شيء لازم» أما الشيء الذي ليس بلازم» ولا مطلوب, والذي يمنع 
الزواج حقأء ويصعْبه ويعرقل مسيرهء فهو هذه العادات السيئة المتبعة في 
الزواج» وهذه العادات إنما يسأل عنهاء ويحمل تبعتها النساء. وأنا أقول بالعناية 
بكل ما ينفع الزوجين في حياتهاء أما الذي لا يفيد الزوجين, ولا تدوم منفعته 
إلا سبعة أيام. فهذا الذي لا أقول به. 

إن هذه العادات تكلف أكثر من المهرء تكلف الخاطب وتكلف الأب 
وربما كان فيها خراب البيتين» وحفلة العقد لا بد منهاء وهي من السنةء ولكن 
المصيبة أولاً في الثياب. أنا أحضر بالبذلة التي ألبسها عشرين حفلة» وأبقى 
عليها خمس سلين» أما الأم فلا تحضر حفلة البنت الثانية بالبذلة الي حضرت 
بها حفلة البنت الأولى» يا عيب الشؤم! كيف يراها الناس بها مرتين؟! والأخت 
كذلك. والعمة وبنت العمء وأخت سلفة امرأة العم وحماة نخالة السلفة؛ كل 
واحدة تكلف زوجها ثمن ثوب جديد لهذه الحفلة,أي أن الحفلة الواحدة تفسد 
موازنة أربعين أسرة» وربما أدت إلى خلاف يدمر حياتها الزوجية» هله واحدةء 
والثانية في طاقات الأزهار. أعرف حفلة عرس كانت في دمشق. بلغ ثمن 
ماأحضر فيها من الزهر الفي ليرةء ألفي ليرة حقيقية, أتدرون ماذا كان 
مصيرها لم يتسع لما المكانء فركم بعضها فوق بعض فاستؤجر لما بعد يومين 
(طنبر)('2 ليحملها إلى المزبلة» ألفا ليرة ألقيت على المزبلة» وفي البلد ألفا أسرة 
تتمنى الليرة . 

والثالثة, علب الملبس وثمن الواحدة منها لا يقل عن خحمسة وسبعين قرشاً 
وقد يصل إلى خمس ليرات؛ وملؤها يكلف نصف ليرة» فاحسبوا كم يكون ثمن 
هذه العلب لحفلة متوسطة فيها مئة مدعو, أو مدعوة. 


. عربة نقل صغيرة نجرها حيوان‎ )١( 


هذا في حفلات الأوساط من أمثالناء ول أذكر الحفلات التي تكون في 
النوادي والفنادق. والتي تشتمل على المئات من المدعؤين. ويكون فيها من التبذير 
والمعاصي وإضاعة الأموالما لا يدري به إلا الله . 

ولا يقتصر الأمر على هذه الحفلة» فإن وراءها حفلة العرسء والهدايا 
التى يشترط تقديمها إلى العرس» و (النقوط): هي بلاء اخمر: يكون عندك 
الفرح فيهدى إليك أشياء لا تحتاج إليهاء ولا تنتفع بباء وقد تكرر المدايا 
فيجيئك عشر ثريات وليس في دارك إلا أربع غرف» وإن بعتها عيروك ببيعهاء 
فلا تدري ماذا تصنع بها؟ ثم يطالبونك بوفاء هذا الدين فجأة. تكون قد 
وضعت موازنتك وحسبت وجمعت, واستعملت الجبر والهندسة وحساب 
اللوغارقات» حتى أوشكت أن تعدل النفقات بالواردات» فتفاجاً بطلب مئة 
ليرة ثمن هدية لفلان الذي زوج بنته. 

فتقول إذا كان في دار فلان الفرح بزواج بنتهء فهل يلزم من ذلك أن 
يكون في داري الحزن لاختلال موازنتي؟ 

فتقول المرأة: وهل نسيت إذ أهدى إلى ابنتك الزهرية الثمينة المصنوعة 
من الفخار الصيني؟ 

تقول: وهل طلبت أن بهدي إلى بنتي زهرية ثمينة مصنوعة من الفخار 
الصيني؟ وما الذي استفدته أنا منها؟ وقد وضعت في دار بنتي لا في داري» 
ولو وضعت في داري» فا فائدتها إلا رجفة القلب من الخوف الدائم عليها أن 
تصطدم مها الخادم» أو يرميها الولد فتنكسر. 


فتقول: لا بد من ذلك» عيب! 
وما تزال تلح عليك؛ وتثقب بذلك أذنيك؛ حتى تستسلم وتسرفع السراية 
البيضاء. وتقول: خذوا اشتروا هدايا للناس» بثمن خبز العيال وعى 


العقل السلام . 


14١ 


هذه العادات التي يدافع عنها أمهات البنات؛ والحماقة الى تشتمل عليها 
رؤوس بعض الآباء» هي سبب المشكلة . 

ولو أننا استطعنا الاستغناء عن الحفلات الكبيرة» وقصرنا الأمر على 
الأقريين من الأهل» وألغينا الكماليات التى لا نفع لماء ومنها غطاء السرير 
(طقم التخت) الذي لا يستعمل إلآ مس مرات من العمر, وثمن الرخيص منه 
يزيد عن مئة ليرة» أما الغالي فأعوذ بالله من ثمنه ولوعقلنا أكثر لاستغنينا عن 
ثوب العرس الذي لا يلبس إلآ أياماً ثم يعلق في الخزانة» كما يعلق الميكل 
العظمى في خزائن كلية الطب, لاذا ننفق المئات وربما أنفقنا الألوف ثمن هذا 
الثوب إذا كان لا يلبس إل أياماً؟ ماذا لا نستأجره أو نستعيره؟ 

أنا أرى أن ننظر في هذه النفقات, فم كان منها ضرورياً للعروسين مفيداً 
لا في حياتبما الزوجيةءوكانا يقدران على دفع ثمنه قبلنا به وما كان الغرض منه 
جرد إعجاب الناس» كثوب الزفاف. وغطاء السريرء وطاقات الزهرء وعلب 
الملبس» أبيناه» إن كل واحد منا يحب أن يثني عليه الناس» ولكن دفع الف 
ليرة لسماع كلمة إعجاب, كلمة (ما شاء الله والله شي حلو) حماقة؛ إن قيمتها 
أقل من ذلك بكثير, 

وبعد فإن فيها كتب الشاب في الكتاب الأول مبالغة» ولوأنه خطب من 
أمثاله» من ناس يعرفهم من قبل الخطبة ويعرفونه» لما ردوه ولا اعترضوا على 
ماله ولاعلى شكله ولا على أبيه وأمهء ولو أن التي كتبت إل الكتاب الثاني» 
راجعت القاضي كا جاءها الخاطب الصالحء وتيقن القاضي من صلاحه ومن 
تعنتٍ الول لزوجها على رغم أنف أحيها. 


ا كد 


يا أيها السامعون» إنه لا يصلح ما نشكو من الفسادء إلآ تسهيل الزواج 
وأنا أرى أن من يسعى في زواج» ويعمل على إقامه يكون ساعياً في خير وبر 
عاملا لمكرمة وفضيلة» ويكون قائها بطاعة الله وخدمة الوطن. 


45 


فيا من عنده بنات لا ترذوا الخاطب الصالح إذا جاءكم, ولا ترهقوه 
بالمطالب» ويا أبها الشباب عجلوا بالزواج» فإنكم لا تطيعون الله بعد إتيان 
الفرائض وترك المحرّمات بأفضل من الزواج» تصونون به أخلاقكم. وتحفظون 
به ديتكم» وياعقلاء البلدء ويادعاة الإصلاح , وياأرباب الأقلام. 
ويا أصحاب المنابرء اجعلوا الزواج من أول ما تعملون له وتسعون لتيسيرو. 
والله يوفقكم ويجزل ثوابكم . 


ا ا 


١ 


إبراهيم بك هنانو قال لى...! 


نشرت سئة ١9545‏ 


هذا إنذار» أستحلف كل قارىء من قراء الرسالة في الشام أن يحدّث به 
وينشره ثم يحفظه. . . فإنه سيجيء يوم تضطره أحدائه أن يعود إليه فيقول: 
ديا ليته قد نفعنا هذا الإنذار» ياليتنا. . .»» ويومئذ لا تنفع شيئا «ليت». . . 
إنها لا ترد ما ذهب, ولا ترجع ما فات! 

وهذا إعذار إلى الله. ثم إلى كتاب التاربخ» لثلا يقولوا إنما لم ترتفع في 
دمشق صيحة إنكار لهذا المنكر ول عل فيها صوت ناطق بحق. . . وإن كتابها 
وأدباءها حضروا مولد سنةٍ من «ألْعَنَ» سنن إبليس» فلم يقتلوها وليدة ضعيفة, 
وتركوها تكبر وتنمو حتى صارت طاعونا جارفا. حتى غدت نارا اكلة, حتى 
استحالت داهية دهياء أيسر ما فيها الخسف والمسخ والمهلاك. .. ونعوذ بالله من 
تذكبر لا ينفع, وإنذار لا يفيد! 

وبعد فقد حدّثني صديق لي فقال: 

كنت أمس في مجلس » وكنا نتحدّث فيم| كان «يوم العرض» من «مناظر 
الكشافات. . . ومنظر الأسيرة. . . والعروس» حديتٌ إنكار وأسف لما كان, 
ونعجب كيف جاز على رجال هذا العهد الوطبي؛ وهم فيما نرى أهل الشهامة 
والمروءة والغيرة على الأعراض. وكان في المجلس الزعيم الجليل عضو مجلس 
النواب: إبراهيم بك هنانو("»» فرأيته يعرض عن هذا! الحديث ويُصرف عنه. 


)١(‏ توفي رحه الله سنة 1975 قبل نشر هذا الفصل بإحدى عشرة سنة! 


8 


وانقاد له الحاضرون فضربوا في أحاديث آخر . فليا انفض المجلس خرجت 
معه؛, فعاد إلى يوم العرضن وخبره. واحشني بهذا الحديث وأذن لي 
أن أنشره. . 

قال رعاه الله: إنك لتعجب كيف تم هذا الخنزي؛ وكيف مر على رجال 
هذا العهد الوطني فلم يتنبهوا له وأنا أخيرك بسر ما تعجب منه, وقعت عليه 
مصادفة. . . وذلك أني ذهبت قبل العرض بأيام في حاجة لي إلى منزل «فلان) 
الفرنسي. ومنزله في الميدان الذي يتقاطع فيه الشارعان الكبيران: شارع يوسف 
العظمة» وشارع كلية ال مندسةء فوجدت المنزل كأنه خال» والمتاع مرصوض 
مربوط, فعل المتهئىء للسفر, وكان النور يسطع من شق باب غرفته» فهممت 
أن أدخل عليه؛ فسمعت كلاماأ وحديثاء فانتحيت ناحية أنتظر تمام الحديث» 
إذ ليس من الأدب أن أدخل على متحدتّين» فسقط إل كلام لا يستطيع المرء أن 
يغلق أذنيه عن مثله؛ ولم يكن استراق السمع من عادتي» غير أني وقفت» وقد 
أدركت أن «فلانا» هذاء يتحدث مع «رجل . ..» أعرفه من أذنئاب القوم ومن 
أعوائهم» وممن رفعوا إلى. المناصب العالية» وكانا يتشاكيان الفراق» ويتحدثان 
وكأئما يتباكيان. وربٌ كلمات يقطر منها الدمع! ورب حروف هي قلوب تتفطر! 
ويتذاكران الأيام الماضية؛ وكيف دارت الأيام؛ وكان من حديث صاحبنا 
الشامي الذي سمعته مترجماً إلى لغة القلم ولسان الأدب » قوله (والخطاب للفرنسيين) : 


53 ثن كنب عليكم أن تذهبواء فإنكم ستعودون عاجلاء ثم لا تذهبون 
. على أن سأنتقم لكم, وسأعدٌ وحدي العدّة لعودتكم. سأصنع في ليال 

مالم تصنعوه أنتم في ربع قرن وتسعة أشهر. . . سأريكم قوتي. وليست القوة 
أن تسوق على ععدوّك العسكر اللجب والمدافع والدبابات تضرب بها قلعته» 
ولكن القوة أن تأتيه باسبأ مصافحاً فتحتال عليه حتى يفتح لك قلعته بيده» فإذا 
أنت قد امتلكتها بلا حرب ولا ضرب . إني سأدس لهم دسيسة في عيد الجلاء. 
لا أصبر والله حتى ينتهي العيد. إنها فرصة إن لم أغتنمها لم أكد أجد مثلها وأنا 


م 
ا 


55 


46 


أغرّف بأهل بلدي وإن لم يكن دينهم من دين » هم لا يؤتون بالقوة ولا تنفع 
فيهم, وقد جربتم ورأيتمءٍ ف قتلتم منهم مبغضاً لكم | ولد عشرة هم أبغضن 
مئه لكم. وما هدمتم داراً من دورهم إلا هلمتكم معها ركتاً من «انتدابكم» 
عليهم ) ولا أشعلتم النار في حي 0 إلا كانت هذه الدار خساسة في فلوب»م 
و بالثقافة التي تحمل الإلحاد والكفر تحت عناوين العم القن وما جثتموهم 
بكتاب هوفي زعمكم هدم لديتهم» ! لا أثرتم عليكم مشابخهم وجمعياتهم» فهبوا 
يدافعون» فإذا أنتم قل قويتم بعملكم إيماهم قُُ صدورهم . . وما ينالون بالقوانين 
التي تبطل قرأنهم » وقد علمتم حينا| جربتم أن تأتوا بالظهير البربري مهنبا 
ملطفاً لابساً وب (قانون اللوائف») ماذا جرق عليكم حىق أبطلتموه بأيديكم, 
ولا بالأموال التي تشترون عبا ضمائر زعمائهم وقادتهم : أن من هذه الضمائر ما 
هوكالوقف (عندهم) لايباع ولايشرى ولايوهب.». ولا بإرهاب الزعناء 
وحبسهم ) وهذا هوالرجل الذي ضربه سنة 1١975‏ رجالكم بعصيهم صار 
هورئيس الجمهورية التي تخرجون غداً منها. . 
فقال له (فلاث) الفرنسي 


قال: نعم. ولو كنتم قد سمعتم مني ما عجزتم . . إني آتيهم من الباب 

الذي لا يستطيع أن يراه أحد مفتوحاً إلا وللجهء إني أحاربهم بغرائزهم فأجعلهم 

بهدمون بيوتهم بأيديهم» وأثير عليهم نساءهم وأثيرهم على نسائهم. وألقي 

الضعف والذلف فيهم ) فأفسد عليهم رجولتهم. وأعرب سرهم » وألجعل 

رجاهم أغشاباً قد شغلت كل خشة واه ولذتهاء إنى يي أتيهم من باب «الغريزة 

الجنسية) الذي لم تدحل منه أ مة إلا دخلت جهنم التي تحرقهاء ولا تخرج منها من 
بعل أبداً, . 


قال الفرنسي : أما أدخلناهم نحن من هذا الباب؟ أما قلنا لهم 


45 


تعريض أجسام الشباب والشابات للهواء والشمس صحة لهم وقوة. فأبوا 
وقالوا: كلاء إنه تعريص (بالصاد)؟ أما قلنا لهم. إن هذا الحجاب همجية 
ووحشية. وإن التقدم والمدنية بالسفور؟ أما أنشأنا لذلك جمعيات. . .؟ أما 
فتحت هذه الجمعيات مدارس؟ أما صنعت هذه المدارس أكثر ما صلنعت 
الفرنسيسكان؟ إننا لم نصل بعد ذلك كله إلى شيء! 

قال الآخر: إن الصبر عند الصدمة الأولى» فإذا استطعت أن أضرب 
ضربة واحدة ضمئت النجاح» وإنيٍ ساتيهم من طريق الوطنية» سأقول: إنه 
يوم عيد الوطن, عيد الجلاء؛ عيد الرجال والنساء. . 

تلن ا تن 


قال إبراهيم بك : 

5 لم مضل داعل اتيت عن 0كافيء فلم أسمع شيئاً بعد ذلكء فل) 
حضرت العرضء» ورأيت بت الذي كانء عرفت من أين جاء البلاء. على أن هذا 
الرجل وأشباهه لم يصنعوا ما صنعوا حباً بفرنسا ولا إخخلاصاً لما. إن قلويم 
أضيق من أن 9 لإخلاص حق ولولفرنسا. . . ولكن حباً بأنفسهم. وحرصاً 
على لذتهم مهم يكادون ينون : إذ يجدون سورية لا تزال نساؤها مستتئرات 
متسيات: 0 تؤون يسّاءلون أن كيف السبيل إلى هنك الحجاب؟ لماذا 
لا نكون كفرنسا حيث لا تستر عورة» ولا يحجب جمال, ولا يملع من لذة 
طالبها؟ لقد احتجوا بالصحة وأن الحجاب ضعف ومرضء فكذّيهم كون 
المتحجبات أصح أجساماً» وأقوى وأبعد عن المرض» وأن من السافرات مصابات 
بالزهري والسيّلان. واحتجوا بالتمدن» وأن الحجاب رجعية وتوحش» فلم 
يصدقهم أحد. فجاءوا هذه المرة فأحذونا على حين غرة وغفلة, وأفادهم أن 
كان الناس في الفرحة الكبرى, في عيد الجلاء» فقالوا للناس: إنه يوم الفرح» 
فلتشارك المدارس فيه الأمة» ليظهر الطلاب والطالبات سرورهمء ويعلنوا 
عاطفتهم ثم ذهبوا فأعدوا هذه (المناظر) التي كانت يوم العرض» كبقعة النجس 
في ثوب العروس الأبيض . . 


ا 


ألا من كان يظن أن مثل هذا يكون في دمشق ولا تزلزل الأرض زلزالها؟ 
من كان يظن أن الآباء ينسون نخوتهم؟ وهؤلاء النفر من رجال التعليم» وهم 
الأمناء على الطالبات يضيعون أمانتهم » ويحولون الأمر عن وجهته؟ فبعد أن كان 
للعزة الوطنية وللمجد وللنبل. صار للشهوة واللذة والغريزة الجنسية! لقد جعلته 
هذه المشاهد (مرقصاً)!. . . كل ذلك تقليداً للأجنبي الذي نحتفل اليوم 
بجلائه عناء الأجنبي الذي هزم في الحرب ووطئته نعال أعدائه,» وقد كان له 
جيش لحب يزيد ني عَدده عن جيش أعدائه؛ وقد كان له خط ماجينو. وأمة 
تعل أربعين مليوناً» ومستعمرات . . . فلم يغن عنه جيشه ولا حصونه ولا عدده 
ما أضاع الأخلاق وفرط بالعفاف . 

لاء لا تقولوا: (إنه يوم العيد يجوز فيه ما لا يجوز في غيره)» فإن المرأة 
التي تسقط يوم العيدء كالتي تزلٌ يوم المأتم» والناس يزدرون المرأة (الساقطة) 
من غير أن يسألوا متى كان سقوطها! 

ألا من كان له قلب فليتفظر اليوم أسفاً على الحياء . 

من كانت له عين فلتبك اليوم دما على الأخلاق . 

من كان له عقل فليفكر بعقله» فم| بالفجور يكون عر الوطن» وضمان 
الاستقلال؛ ولكن بالأخلاق تحفظ الأمجاد» وتسمو الأوطان. 

فإذا كنتم تحسبون أن إطلاق الغرائز من قيد الدين والخلق. والعورات 

من أسر الحجاب والستر» من ضرورات التقدم ولوازم الحضارة» وتركتم كل 


إنسان وشهوت وهواه فإنكم لا تحمدون مغبة ما تفعلون» وإنكم ستندموت 
(ولاات ساعة مَنْدّم) إذا ادهمت المصائب غداّء وتتالت الأحداث.» وتلفكم 


تفتشون عن حماة ة الوطنء وذادة الحسمى , » فلم تجدوا إلا شباباً رخواً ضعيفاً 


فاللّهَ الله والأمة والمستقبلٌ. . . إئنا خرجنا من هذا الجهاد بعزائم تزيح 


54 


الراسيات» وهمم تحمل الجبال» فلا تضيعوا هذه العزائم» لا تذهبوا هذه 
الهمم» ولا تناموا عن حماية استقلالكم» فمن نام عن غنمه أكلتها الذئاب. 

إن هذا الجلاء نعمة من نعم الله فتلقوها بالشكر والطاعة؛ واحفظوها 
بالحدٌ والأحلاق. فبالشكر تدوم النعم. وبالإخلاص تبقى الأمم» وبالمعاصي 
تبيد وتبلك. إن أجدادنا كانوا يحتفلون بالنصر بحمد الله وطاعته فيقودهم 
الاحتفال إلى نصر جديد, وكذلك تفعل الأمم الحيّة اليوم. أما سمعتم بحفلات 
تنويج ملك الانكليز» لقد كان نصفها في الكنيسة» فلماذا يكون احتفالنا 
بالجلاء اختلاطاً وتكشفاً وغناء ورقصاً واستهتاراًء كأننا لم ينزل علينا كتتاب, 
ول يبعث فينا نبيّ» ولم يكمل لنا دين؟ 

إني أخاف والله أن يكون الأجنبي قد أجلى جيوشه عناء وترك فينا قنابل 
تتفججر كل يوم» فتدمر علينا أخلاقناء وأوطانناء واستقلالنا. إن كل عورة 
مكشوفة. وفسوق ظاهرء قنبلة أشدٌّ فتكأ من قنابل البارود» ولا يخفى ضررها 
إلا على أحمق ! 

يا أيها الناس! 

لقد جلت جيوش العدو عن أرضكمء فأجلوا عن بيوتكم عاداتهم » وعن 
رؤوسكم شبهاتهم. وعن مدارسكم مناهجهم. وعن شوارعكم حاناتهم 
ومراقصهمء وعن محاكمكم قوانيهم. وعن أجسام بناتكم وأولادكم ثيابهم 
الكاشفة الفاضحة وأزياءهم . 

وذلك هو الجلاء الحق» وذلك هو العيد الأكبر. 


هذا ما قاله لصديقي. الزعيم إبراهيم بك هنانو عضو مجلس النواب 
السوري» أنقله بنصهء والعهدة على هذا الصديق . 


1 


44 


مسن حديث المز سجسات 
76521111 7 252525252525220 
أ 


ذيعت سنة ١98/‏ 


الكلام اليوم في حديث المزعجات. وأنا أحب قبل أن أبدأ الحديث أن 
أخبركم بسر من أسرار المهنة» هو أن الحديث العلمي الذي بن ل إعداها 
وأنفق فيه الساعات الطويلة لا يلقى من التشجيع والرضا عشر ما يلقاه حديث 
كحديث اليوم الذي أكتبه في ساعة واحدة بلا كد ولا تعب» فهل معنى هذا أن 
أكثر السامعين والسامعات من غير العلاء والمثقفين» أم أن الناس حتى العلماء 
منهم والمثقفين لا ينتظرون من الإذاعة إلا أمشال هذه الأحاديث 
السهلة القريبة. 
ولكن ما لي وما لهذا الكلام» وأنا الرابح على كل حال؟ 
لبن تن نا 
ن أزعج المزعجات, وأشنع المصائب. هذا الراد (الراديو)» أفليس 
5039 أذيع فيه وأتكلم عنه؟ هذا الراد الذي حطم أعصابي وأطار 
صوابي» والذي اخترعه مخترعه ليؤذي به الأدباء وأهل الفكرء فكل)| استغرقوا 
في أفكارهم, أو طاروا في آفاق خيالهم. أو نسوا الدنيا وما فيها في غمرة التأمل» 
أو في ذهلة الإلهامء قرع أذانهم صوت الراد من بيت الخيران بأغنية رقيقة 
أو موسيقا صاخبة» أو حديث أشد إزعاجاً وغلاظة من حديثي هذاء فطارت 
الأفكار» وانحت صور الخيال» وانقطع الإلهام . . 
ولكن لا. إن أظلم المخترع, فإنه ما اخترع الراد لهؤلاء الجاهلين 
المزعجين, الذين لا يطربون إلا إن أسمعوا معهم مئة دار لا يدرون حين| 


١٠٠ 


يمدون إصبعهم الواحدة فيحركون هذا الفتاح حركة طفيقة. م أطاروا النوم 
والأداء من ثمرات العقول» وصور الجمالء وكم شغلوا تلميذا عن امتحانهع 
وكم جرحوا من قلوب المحزونين. وأنا لا أكره أذ يستمتع كل دك يه 
ولاذا يسلبني حريتيء فيسمعني ما يشاء هو لا ما أشاء أنا؟ يل 
أنفي ) ومن أدرأه أَز ننى أطرب للذي يبطرب له هو وأن الأغنية التي يحبها 
هولا أكرهها أنا؟ 57 تلذه لا تسوؤني؟ ولماذا يزعج دائرة قطرها ماثة متر وفيها 
خُمسمئة إنسان؟. 


لقد صرت أكره الرادٌ وكل ما يأتي بهء ولقد أفسد ذوقي» وذهب بالحس 
اغني من نسيء كنا إن سمعنا الاي الحلة طربا شاء وصفقت ا قلونا ف 
زالت بنا الإذاعات حتى كرهت إلينا كل أغنية حلوة لأنها تعيدها مرة ثانية, 
وثالثة» وعاشرة» وتعيدها المرة التاسعة والتسعين » فلاييقى منها إلا م ييقى من البرتقالة 
عصرت ماءها. وخذ أللّ أكلة تحبهاء إن فرضوها عليك شهراً كاملا لا تاكل 
غيرها الصباح والظهر والمساء وعشر مرات خلال ذلك فإنك تكرههاء وتشتهي 
أن تستبدل بها خبراً وبصلا. 

ولو كان سهاً واحداً لاتقيته» ولكن جارك هذا يجب السهر فهو يفتح 
الراد على مصراعيه؛ فلا يزال يجلجل ويولول إلى نصف الليل» وذاك يحب 
البكور فهو يقوم فيفتح الراد على مصراعيه, من قبل طلوع الشمس . 


الثاني: هذه السيارات, إن سرت في الشارع حملت روحك على كفك 
ووضعت الموت بين عينيك. إذ تراها أمامك ووراءك وعن يمينك وعن شمالك, 
كأن الجمييع يتسابقون إلى امتلاك مناجم الذهب, ف فيهم إل مسرع كالمجئون» 
يجوز بك كأنه راكب على أجنحة شيطان فلا تستطيع أن تراهء وإن كان الليل 


٠١١ 


أعمت العيون ببله المصابيح فلا ندري أين المفر؟ وإن هربت إلى دارك لحقتك 
أصواتباء التي توقظ الموق» وتيت الأحياءء وتنزل على رأس النائم كأنها ضربة 
مطرقة من حديد» وما أدري لاذا يركبون لها هذه الزمارات الشنيعة التي يبلغ 
صوتبها مسيرة كيل (كيلو متر)» وهذه المصابيح التي يصل ضوؤها إلى بعد 
عشرين كيلا؟ . 

والثالث: هو الماتف الآلي. يرن الساعة الثانية من الصباح.» فتقوم من 
نومك مرتاعاً فزعاً.» تحسب أن قد حل خطب بقريبك أو حبيبك. وتتعثر وأنت 
ماش بعيون أغلقها النعاس. وتصطدم بالمنضدة فتصاب ركبتك.» أو تكسر الآنية 
الثمينة التى ترتبط بذكرى عزيزة عليك؛ حتى إذا وصلت إلى سماعة الهاتف. 
قال لك : آلو ملهى السريانا؟ . 

أو تفتح عليك امرأة ملهوفة, وأنت مسرع في الصباح إلى عملك. 
فترجوك أن تدعو لها جارتك فلانة لأمر ضروري» لايحتمل التأجيل. وقد 
يكون بينك وبينها حسون مترأًء فإذا أحضرتها وحملت في ذلك المشقة والتأخير, 
إذا بها تريد أن تسألها عن (ثويها) الأحمر, عند أي خياطة خيطته. وعن استقبال 
مديحة خانم أو الست ماري في أي يوم من الشهر. . 

والرابع : الصديق الفارغ الوقت من العمل» الفارغ الرأس من الفكرء 
يحب أن يمضي ساعتين من وقته فيفتش في قائمة أصحابه فلا يجد غيرك وتكون 
صباحاً مستعجلاً إلى عملك» تريد أن تلبس وتأكل وتنظر في حاجات الدار 
وإن كنت ممن يعمل بعقله أو كان عندك دعوى يجب أن تدرسها قبل أن تذهب. 
أو مقالة ينبغي أن تتمهاء أو بقية من الأشغال الشاقة, أعنيى تصحيح وظائف 
التلاميذ ‏ وبينم) أنت في هذه الغمرة غارقاً في لجتها إلى أذنيك. إذا بالباب 
يقرعء وإذا أنت بهذا الصديق المحترم» ويدخل وتضطر أن تقعد أمامه. 
لا تقعد على الكرسي بل على النار المتوقدة. تنظر في ساعتك. . . وهو لا يبالي 
ويكون بينكم| هذا الحوار: «أي وشلون الصحة)؟ «الحمد لله». «والله الحو اليوم 
طيب) . (طيب الحمد لله). 


٠١ 


وسمعت أن ملك مراكش ألقى خطبة العرش إما أخبار طيبة) («نعم 


أخبار طيبة) . 
هل قرأت قصيدة الصافي النجفي في وصف الطاووس؟ 
فتتململ وتتحرك في مقعدك, وتقوم وتقعدء. فتدركه نوبة من اللطف 


شوف أخى أنا لست غريباً. خذ حريتك. . . لاتهتم بي بس أعطي 
كتاباً أقرأ فيه واشتغل شغلك! 

والخامس : هذا الذي يكون في مجلس» فيه سبعة أو ثمانية من الناس 
فيستلم وحده الحديث من بابه إلى محرابه, لا يدع لأحد فرجة بين جملتين يمد 
منها لسانه بكلمة ولا يبالي أملّ الحاضرون أم تعبوا أم طلعت أرواحهم من 
حديثه البارد» الذي يكون له أول ولا يكون له آخرء كأن القوم قد دعوا إلى 
محاضرة . على أن المحاضرة لما موضوع معروف» وملة معيلة. وهذه محاضرة 
ليس ها مدة ولا موضوع . وأفظع من ذلك أن يكون هذا الحديث في مدح نفسه 
عن قضية) أو يستخبرك عن دعوى فلا يعمد إلى الموضوع مباشرة بل يسرد لك 
مقدمة تمتد خمس دقائق » عن أديك ومنزلتك. وتشرفه بلقائك. ثم يبدأ القصة 

وكان حاضراً يومئلٍ جماعة منهم هذا. . . الذي كان عطاراً في سوق 
الجمعة, ما اسمه؟ اللهم صل على النبي» عجيب كيف نسيت؟ اسمه على 

وييفى عشر دفائق وهوفي هذا اللت والعجن » وانت تننظر الفرج» 
والمراجعون ينتظرون على الباب . 


1١١ 1* 


والسابع: الذي يقفك في الطريق وان نت مستعجل تسير إلى موعد 
ضروري» إلى درس في الجامعة» أو محاكمة؛ أو دعوة» أو اجتماع . 

فتتلفتء فيسلم هاشاً باشأً كانه صاحبك من عشرين سنة وكأنه بهم 

فيقول لك معاتباً: شوما عرفتني؟ 

فتقول: لا. فيقول: الله! إحزر يا أستاذ تذكر. 

وبعد أنيسائلك دقائق . يأخذ هيئة الحد ويقول: 
فلان وكان المهر. . 

ويحضي يسرد قصة تستغرق نصف ساعة.» يضيع فيها الدرس» 
والمحاكمة. والدعوة» والاجتماع . 

والثامن : المرأة النظيفة الدبرة رب البيت المثالية. 0 باللها 
ا ٠‏ لاس وأنت نائم بعد لصلاة الست معي قد تالت خب 
على رأسك» 3 أوركسترا شرجية وحشيةق توقظ الأموات فضلل عن النائمين 
ومثلها الرجل النظيف المهذّب الذي لا يستطيع أن يتحمل الوسخ في فمه 
ولا في أذنه» ولا أن ينتظر حتى ينفرد بنفسه فلا تزال إصبعه تدور في أنفه وفي 
أذثهم وهوفي المجلس الحافل. ينكش أسنانه بعوده ) وربما فعل أشنم من ذلك 
فنكشها بظفره. ثم مسحه بالمقعد. أو أخذ جريدة أوورقة فطواها ونظف 
أسنانه بطرفها . 

والتاسع : الذي يدخل عليك فلا يجد على مكتبك ورقة إلآ مدّ إليها يده 
فرآهاء ولا كتاباً إل فتحه. ولا جريدة إلا سحبهاء ونشرها ونظر فيها. 


٠١ 


والعاشر: الذي يركب الترام فيضطجع على المقعد اضطجاعاً ويضع 
رجلا فوق رجل» ولقد كنت مرة في مصر مع صديق لي من مشايخ الأزهر. 
معروف بالنكتة الحاضرة» والروح الخفيفة؛ فركبنا الترام» وكان الذي أمام 
الشيخ رومياً ضخم الحئة ثقيلا: قل وضع رجلا على رجل ومذّهاء حتى صار 
يمس بطرف حذائه جبة الشيخ ع ؛ فنبهه الشيخ بلطف فقال له: 


أنا خر (أي حر)» إذا أنت ما بيعجبك» أنت بياخذ تاكسي . 
فيا كان من الشيخ إلا أن مد رجليه الاثنتين فوضعهم) في حضنه . 
فقال: ايه دم؟ ايه ده؟ 
فقال: أنت خرء أنا خرين! 
وسقط الركاب من الضحك . 


7 ا 


في الفتسسد فق 


نشرت سنة 8ه9١‏ 


أكتب هذه الكلمات في فندق كبير في مصر لا أحب أن أسميه لأني 
لا أريد الحديث عنه بالذات إنما أريد الكلام عن الفنادق كلها . 


يمر الناس عليه» فيرون اسمه على بابه تضيء حروفه. ترقص عليها 
الأنوار» ويلمحون أساءه الواسعة, وأضواءه الظاهرة». ويرون خدمه 
بباهي الثياب وفخم الهيئات» فيحسبون أن فيه النعيم المقيم , ويتمنون أن ينزلوا 
فيه ليلة في العمرء ليذوقوا لذة العيش». ويعرفوا ما بهجة ا حياة وأنا النازل فيه 
لا أتمنى إلا أن أخرج منه وأعود إلى بيتي . 

إن الإنسان لا يعرف قيمة النعم إلآ إذا فقدها. ولقد عرفت الآن ما قيمة 
حياة الأسرة» إن قعدة بلدية على (طراحتي) وأولادي أمامي , وكتابي في يدي 
أمتع من كل ما في الدنيا من فنادق. ْ ْ 1 

وما حياة الفنادق؟ 

لقد عشت فيها مرة تسعة أشهر تباعاً. كنت أنزل خخلالها في أفخمها 
وأعظمهاء ولقد خبرتها وعرفتها فلذلك كرهتها وعفتها. . . تكون لك الغرفة 
فيها كل ما يمتع وبريح» السرير اللين» والفراش الناعم , والحمام النظيف» والماء 
الحارللغسلء والماء المذلج للشربء والحاتف والجرس والراد, والتدفئة في الشتاء 
والتبريد في الصيف, ولكدك تحس مع ذلك أنك غريب, وأنك مفردء إذا 
أغلقت عليك بابك لم تشعر أن معك من يعنيه أمرك ويشغله شأنكء وإذا 


0 


دمت فإنا تُخدم مالك» وكل شيء في الفندق بالمال»لا تستطيع أن تخطو خطوتين 
إلا إن دفعت قرشين. 

إن نزلت من السيارة» أسرع الفراش يفتح لك البابء ووقف قي 
طريقك لا يزيح إلا بالقرشين» وإن ولحت الباب الدوار وجدت أمامك فراشاً 
آخرء فدفعت له قرشين آخرين» وفي المصعد فراش ثالث؛ وضريبة ثالثة 
ورابع وخامس وتاسع وعاشرء حتى إنك إذا دخلت دورة المياه» وجدت فراشاً 
يفتح لك باب بيت الخلاء ويقول لك: تفضل يابيه! ويقف. وتقف أنت 
لاتدري كيف تصرفه! 

لا يدري أنه ما سمي هذا المكان بيت الخلاء (ولا مؤاخذة)» إلآ لأنك 
تخلو فيه بنفسك وتكون فيه وحدك, فهل يظن هذا الأحمق والذي أرسله 
ليلحقك إلى هذا المكان» أن المرحاض (صالون استقبال)؟! 

والفنادق الكبار فوق هذا كله هى البقعة الوحيدة التى تجوز فيها السرقة» 
وترتكب علناً» فالطعام الذي ثمنه عشرة يأخذون منك فيه لخمسين. وأنا أدرك 
فرق السرير عن السريرء والغرفة عن الغرفة, وأنه إذا كانت الغرفة في الفندق 
الصغير بعشرين قرشاً صاغاً فلتكن هنا بجنيهين» بزيادة عشرة أضعاف». 
لا بأس. ولكن ما الفرق بين البيضة المسلوقة التي تباع في السوق, والبيضة التي 
تقدم في الفندق الكبير؟ ولماذا يكون ثمنها في السوق قرشاً وهنا مسة قروش؟ 
ولماذا يكون ثمن قنينة الكوكا كولا في الفندق بثلاثة أضعاف ثمنها في السوق؟ 

إذا أنا أخذتها في القهوة وزادوا عل الثمن أفهم أن الفرق أجرة القعود في 
القهوة.ولكن لا أفهم ماذا يزاد علي ثمنها وأنا أخذها في مكان دفعت أجرة إقامتي 
فيه مضاعفة ! 

وهل يعقل أن يكون عشاء الواحد بسبعين قرشاً مصرياًء إذا ضم إليها 
ما يلحقها في العادة من ضميمة الخدمة والنحلان (البقشيش) صار العشاء بجنيه 
للشخص الواحد, في البلد الذي يبدأ فيه راتب القاضي بخمسة عشر جنيهاً؟ 


٠٠١١و‎ 


هذا وما وما يقدم في هذا العشاء لا يزيد ثمن مثله في السوق على حمسة 
عشر قرشا؟ 

فماذا أسمي ذلك إذا لم أسمه سرقة؟ 

هذا وأنا لم أنزل في شبرد ولا في هلتون» حيث تكلف كل ليلة ثمانية 
جنيهات.» وثمانية جنيهات هوالبلغ الذي يعيش به أكثر من نصف عائلات 
مصر شهراً كاملا . 

وما طعام الفنادق الكبار؟ أعوذ بالله من هذا الطعام . 

قد يزعم زاعم أ أنه طيب أ وأنه صحي»ء ولكنه لا يستطيع أن يقول إنه 
طعام عربي» ولا إنه أعدّ للعرب ولا إنه طبخ على أذواقهم | إنماهوذوق الإنكليز 
وأسلوبهم فرضوه علينا. 

ولقد أكلت في كبر الفشادق في ممر وأثلا والعراق وباكستان والهند 
وسيام والملايا وأندونيسيا فلم أجد كما أني لم أجد في فنادق أوروبة الغربية» وقد 
نزلهاء إل طعام الإنكليز وأسلوب الإنكليز لا سيا في الفطور الفطور الذي 
يقدم قي البلاد الارة» بل سنغافورة وهي على خط الاستواء تامأ وهوالذي 
يقدّم في صوفر التي تعتم جباها بالثلج . 

فمتى نتحرر من (هذا) الاستعمار الاجتماعي و(ذلك) الاستعمار العقلٍ 
كا تحررنا من الاستعمار السيابى والعسكري؟ ومتى نعتز بعاداتنا ونتمسك بها 
كما يتمسكون هم بعاداتهم؟ ومتى تكون فنادقنا لنا تعد الطعام الذي نألفه 
ونشتهيه أو يكون لنا فيها (على الأقل) نصيب؟ . 

إن من ينزل واحداً من هله الفنادق الكبار في مصر أودمشق أو بغداد 
أوجدة أوالرياض لاا يحس أنه في بغداد ولا في دمشق ولا في مصرء ولاجدة 
ولا الرياضء» بل يظن أنه في إنكلترا أو فرنسا. 

كل شيء فيها أجنبي أجنبي . 

حتى اللغة. . إن اللغة التي يتخاطب بها موظفوها والتي يقدمون لك بها 


٠١م‎ 


ب 


قائمة الحساب» ليست اللغة العربية لغة البلدء» ونحن نتظرف أو نتلطف 
أو نذل ونتصاغر لست أدري ماذا أقول فنخاطبهم بهذه اللغة بالفرنسية 
أو الإنكليزية» ونحن في بلدناء ونحن نملك أشرف لغة وأجود لغة وأوسع لغة 
وأغنى لغة بالبيان وهي لغة العرب! 

إن هذا شيء لا يجتمل. 

إن كلما سمعت العربي يتكلم في هذه الفنادق بغير العربية مجاراة لمن 

إنهم يأكلون من خبزنا ويترفعون عليناء وإذا دخل الوطني هذه الفنادق 
بلباسه الشرقي العربي البلدي أروه الازدراء حتى يخجل بلباسه وهو في بلده. 

أقول مرة ثانية : إن هذا شيء لا يحتمل . 

لقد رضينا أن تأخذ هذه الفنادق من أموالنا بلا حق. وأغمضنا عيوننا 
وتركناها تسرقناء أما أن تأخذ من كرامتناء وتعدو على لغتناء وتزدري أزياءنا 
وعاداتنا فلا! 
لنا صبيان الفنادق و إكراسين) الأوتيلات . . 

لبا نيا نا 

وبعد» فإن أمانة القلم في أعناقنا معشر الكتاب». توجب علينا أن نقرع 

به كل باب إصلاح » وهذا باب ما قرعه بقلمه قبل اليوم أحد من الكتاب . 


ا 


ل 


المعلم والتلميد 


نشرت سئة |١917‏ 


دخل علينا (في العام الماضي) زميلنا الأستاذ (فلان) غرفة المعلمين7") وهو 
مريد الوجه. ساخط متذمر يرتجف من الغضب» فى الدفتر على المنضدة حنقاً 
وانتذ ناحية من الغرفة فقعد فيهاء وأمسك برأسه يفكر.. فاقتربت منه 
وجعلت أسأله : 

مالك يا أخى؟ ماذا عراك؟ قل لناء حدثناء لعله خير إن شاء الله . 

قال : ْ 

- لقد ضاع الحياء وذهبت الأخلاق» وم يبق في التلاميذ من 
يستحي أو يخجل ؛ ول يبق فيهم إلا كل وقح صفيق الوجه. فلعنة الله على 


هذه المهنة المرذولة ! 

قلت: 

وما ذاك يا أخي؟ ألا تحدثني الحديث. هل اجترأ عليك بعض 
الأولاد؟ 

قال: وأي جر كنت أقرأ عليهم درس التاريخ». فقلت لهم: إن 
الفينيقيين أجدادكم”) فيجب 


. هذا ما كان في مناهج التاريخ تلك الآيام‎ )١( 

9) وكنت ٍ تلك الأيام قبل نحو ستين سنة ة معلياً في المدارس الابتدائية. وكذلك كان 
إخواني أنور العطار, وزكي المحاني» وجميل سلطان» وعبد الكريم الكرمي , وسليم 
الزركلي ومن هم أصغر سئاً من كأمجد الطرابلسي وناجي الطنطاوي؛ وصلاح الدين 
المنجد, وعبد الغني الطنطاوي» وشكري فيصل» وقد مفضى أكثرهم إلى دار البقاء 
رحمهم الله , 


فما راعني إلآ تلميذ منهم خبيث قد انبرى لي فجعل يرد عل ويناقشني 
ويقول: لا بل إن أجدادناهم العرب السذين جاءوا من سفح 
أبي قبيس» وجنبات سلع تحت راية سيد العالم (محمد بن عبد الله وَُ) »فحملوا 
إلى هذه البلاد رسالة الله؛ ونشروا فيها نور الإسلامء ونفخوا فيها روح 
الصحراء. ثم لم يقنع هذا الولد الخبيث بجوابي, وم يسكت ول ين يتكلم 
ويناقش حتى أخرسته بالقوة. قبّحه الله وقبح من لقنه هذه الآراء. قبحه الله 
ما أشد وقاحته. وأكثر سلاطته. ما جثته بحبّة إلا جاء بثلاث؛ ولا قلت كلمة 
إلا قال أربعاً. . قبح الله من لقنه هذه الآراء. . 

قلت: حسبك تقبيحاً برحمك الله؛ إن الذي لقنه هذه الآراء إنما 
هو. . أنا! أفلا تراها أرضى للحن ولمصلحة الأمة, من أرائك هله التي جئته 
بهاء والتي جاء بها من قبلك فريق من أعدائنا وخصومنا ففرقوا كلمتناء وكذبواأ 
على تاريخناء بفرعونية ابتدعوها في مصر ما أنزل الله بها من سلطان» وفينيقية 
0 في الشام» وآشورية سيبتكرونها في العراق» وعفريتية سيأتون بها 

. فيم!ا لست أدري أب ين؟ كأنها يرضيهم أن ننتسب للشياطين أو للقردة 
جد دارون وشيعته) ولا ننتسب لأمة محمد فتنقرأ تارتخهاء فنملأً الدنيا فخراً 
بباء وعملاً على إحياء مجدها. . 


وعد يا أخحى عن هذا. وأخبرني لماذا تغضب إذا ناقشك تلميذكء» وتحشى 
أن تعود للحق لأنه جاء على لسان تلميذء وتصر على الباطل؛ لانه خصرج من 
فيك؛ أليس خيراً لك وأجدر بك وأنت معلم , أن تعود إلى الحق وتكاقء 
صاحبهء وتعلم التلاميذ أنه لاشيء أحلى من الثبات على الرأي إلآ الرجوع إلى 
ما هو خبر منه» بدلاً من أن تعلمهم كيف يثبتون على الباطل ويدحضون به 


الحق؟ 
سالا لا.. أنا أعدّ هذه الآراء تعدياً على حرمة المعلمين» وتشجيعاً 


١1١ 


قلت: وأنا أعتبر آراءك هذه تعدياً على حرمة الحق. وتشجيعاً للتلاميذ 
على دوس الحقائق التاريخية والعبث بمصلحة الأمة. 

وهل تراني أقول للتلاميذ: قوموا شاغبوا على معلميكم أو أفسدوا 
الدروس حتى لا تتعلموا شيئاً؟ لايا صاحبي أنا أكثر منك غيرة على سير 
الدروس وتأمين النظام فيه لأني أعلم أن العلم أمضى سلاح في الحياة ولكني 
أقول للتلاميذ: تحروا الحق» وقدروه حق قدره. واعلموا أن المعلم أكبر من 
التلميذ» ولكن الحق أكبر من المعلم ومن المدير ومن الوزارة ومن جمعية الأمم. . 
وربما ناقشني تلميذ أشد من هذه المناقشة وجرؤ عل أكثر من هذه الجراءة 
فأطفىء حدته بسيل من الحجج والبراهين فيخمد الحق ثورته. فلا يلبث أن 
يقعد معترفاً ويؤوب مستغفراً. وإذا آنست منه وقاحة أو سوء أدب» عاقبته على 
سوء أدبه ووقاحته لا على حواره ومناقشته . 

والشرط في ذلك كله؛ التغبت من الحقيقة» والمحافظة على أدب البحث» 
وقدر المعلم حق قدره» والغيرة على المصلحة. والضن بالوقت أن يضيع في 
الكلام الفارغ ‏ فإذا استكمل التلميذ هذه الشروط وجب عليه (لاسي) تلميذ 
التجهيزء لاسيها طالب الجامعة) أن يقف عن تلقى ما يعتقد خلافه للحق» أو 
إفساده لمصلحة الأمة» وأن يناقش فيه الأساتذة بأدب, وأن يعلم أن يحترم الحق 
أكثر من احترام الأستاذ, وأن يحب الوطن أكثر من حب المعلم. وأن يخشى 
تأنيب الوجدان؛ وعقاب اللهء أكثر من خشية عقاب المدرسة وجزاء الإدارة. 

ولقد كان أرسطو «المعلم الأول» يقول: أفلاطون أستاذي. ولكن الحق 
غايتي . فإذا اختلف أفلاطون والحق . فأنا مع الحق . 


7 


إلى الطلاب 


ع" 
نشرت سنة ١9469‏ 


زرت من أيام صديقاً لي؛ قبيل المغرب» فجاء ولده يسلم علي وهو 
مصفر الوجه, بادي الضعفء» فقلت: خيراً إن شاء الله . 

قال أبوه : ما به من شىء» ولكنه كان نائياً. 

قال: ليسهر في الليل» إنه يبقى ساهراً كل ليل إلى الساعة الثانية . 

قلت: ول؟ فال: يستعد للامتحان . 
قلت: أعوذ بالله. هذا أقصر طريق للوصول إلى السقوط في الامتحان. لقد 
من أجلها ساعة» بل كنت أنام أيام الامتحان أكثر مما أنام في غيرها . 

فعجب الولد. وقال: تنام أكثر ؟ 

قلت: نعم وهل إلا هذا؟ الامتحان مباراة أفرأيت رياضياًء ملاكماً أو 
مصارعا مهل جسمه ليالي المياراة بالسهرء أم ثرأه ينام وبأكل ويستريح ليدخل 
المباراة قوياً نشيطاً؟ 

إن أول نصيحة أسديها لمن يدخل الامتحان من الطلاب والطالبات أن 
يمسن الغذاءء وأن ينام ثماني ساعات . 


١ 


قال: والوقت؟ 

قلت: إن الوقث متسعء وإن ساعة واحدة تقرأ فيها وأنت قويّ مستريح » 
الدرس» وأنت لم تحفظه . 

قال: إن كانت هذه النصيحة الأولى» فا الثانية؟ 

قلت: أن تعرف نفسك أولاًء ثم تعرف كيف تقرأ فإن من الطلاب من 
يسع الدرس من المعلم فينساه فإذا قرأه بنفسه استقر فيها. ومنهم من يقرأ 
فيسى فإذا سمع بأذنه حفظء أي أن من الناس من هو(بصري) يكاد يذكر في 
الامتحان صفحة الكتاب ومكان المسألة منها ومنهم من هو (سمعي) يذكر رنة 
صوت الأستاذ. فإن كنت من أهل البصر فادرس وحدكء وإن كنت من أهل 


قال: وكيف أعرف نفسي؟ 

قلت: أنا أكتب عشر كلمات لا رابطة فيها مثل (كتاب» مغذنة 
سبعة عشرء هارون الرشيد) وأقرؤها عليك مرة واحلة» ثم تكتب أنت 
حفظت بالسمع أكثر فأنت سمعي » وإلآ فأنت بصري . 

قال: والنصيحة الثالئة؟ 

قلت: أن تجعل للدراسة برنايجاً» تراعي فيه تنويع الدروس» فإذا تعبت 
من الحساب أو الجبر» اشتغلت بعذه بالتاريخ أو الأدب فيكون ذلك كالراحة 
لك من تعب الأول. 


وأحسن طريقة وجدتها للقراءة» أن تررْ أولاً مرأ سريعاً على الكتتاب كله» 
ثم تفهم فصلا فصلا منه. على أن يكون القلم في يدك إن كنت تقرأ بنفسك, 


1 


فالجملة المهمة تخط تحتها خطأ بالأحمر, والشرح الذي لا ضرورة له تضرب عليه 
بخط خفيف» والفقرة الجامعة تشير إليها بسهم . 

ثم يأتي دور المراجعة. فتأخذ الكتاب معك, وقشي في طريق خال» 
وتستعرض في ذهنك مسائل الكتاب» مسألة مسألة» تتصور أنك في الامتحان 
وأن هذا السؤال قد وَجّه إليك» فإذا وجدت انه حاضر في ذهنك تركتهء وإلا 
فتحت الكتاب فنظرت فيه نظرة تقرأ فيها الفقرات والحمل التى قد أشرت إليها 
فقط فتذكر ما نسيته» وإن وجدت أنك لا شذكر من المسألة شيئاً أعدت قراءة 
الفصل كله. 

والرابعة: آلا تخاف. والمدوف من الامتحان لا يككون من الغباء ولا 
التقصير ولا الجبن» ولكن الخوف من شيء واحد » وهو منشؤه وسببه. ذلك 
أن بعض الطلاب ينظرون إلى الكتاب الكبير» والوقت القصير الباقيء 
ويريدون أن يحفظوه كله في ساعة فلا يستطيعون فيدخل عليهم الخوف من أن 
يجي ء الامتحان وهم لم يكملوا حفظه . 


ومثلهم مثل الذي يريد أن يمي على رجليه من المزة إلى المطار ليدرك 
الطيارة وما معه إل ساعتان» فإن قال لنفسه؛ كيف أصلء, أو ركض كالمجانين 
0 سا 0 لوقت والخطاء وقال لنفسه | إن عل 

والرابعة: أن بعض الطلاب يقف أمام غرفة الامتحان» يعرض في ذهنه 
وجزع مع أنه يستحيل أن يذكر المسائل كلها دفعة واحدة وإن كان يعرفها. 

كم تعرف من أسماء إخوانك وأصدقائك؟ هل تستطيع أن تسردها كلها 


سردا في لحظة واحدة؟ لا ولكن | إذا مر الرجل أمامك» أو وصف لك ذكرت 
اسمه. فغيامبا عن ذهنك ليس معناه أنها فقدت من ذاكرئك . 


1,0 


والخامسة: أنك كلما قرأت درساًء استرحت بعده أو انصرفت إلى شىء 
بعيد عنه ليستقر في ذهنك ومن الطلاب من يقرأ الدرس فإذا فرغ منه عاد 
إليه» ويكرر ذلك مراتء يحسب أن ذلك خير له مع أن ذلك كمن يأخذ صورة 
ب (الفوتوغراف) ثم يأخذها مرة ثانية من غير أن يبدّل اللوحة أو يدير الفلم 
فتطمس الصورتان. 

والسادسة: أن عليك أن تستريح ليلة الامتحان» وتدع القراءة» وتأحدذ 
قصة خفيفة» أوتزور أهلك أو أصدقاءك, أو تتلهى بشىء يصرفك عن التفكير 
في الامتحان» وأن تنام تلك الليلة تسع ساعات أوعشراً إذا استطعت ولا تخش 
أن تذهب المعلومات من رأسكء. فإن الذاكرة أمرها عجيبء ولا سيما لمن كان 
في أوائل الشباب» أن ما ينقش فيها في الصبا لا يسى» وأنا أنسى والله اليوم ماذا 
تعشّيت أمس ولكني أذكر ما كان قبل ستين أو سبعين سنة كأني أراه الآنء» وأنت 
تبصر في الرائي (التلفزيون) فلا كنت شاهدته من عشر سنين فتذكره ولو سألتك 
عنه قبل أن تدخحل لما عرفته . 


والسابعة: أن تعلم أن الامتحان ميزان يصح غالباً وقد يخطىء حيناً 
وأن المصحح بشرء يكون مستريحاً يقرأ بإمعان, وقد يتعب فلا يدقق النظرء 
وأنه ينشط ويل ويصيب ويخطىء, وقد يختلف حكمه على الورقة وعلى أخرى 
مثلها باختلاف حالي راحته وتعبه ورضاه وسخطه . 


وقد جربوا مصححاً مرة أعطوه أوراقاً فوضع لا العلامات والدرجات» 
ثم محوا علاماته وجاؤوه بها مرة ثانية ليصححها فإذا هو يبدل أحكامه عليها 
وتختلف درجاته في المرتين أكثر من عشرين في المثة . 

وطلبوا من مصحح مرة أن يكتب هوالحواب الذي يستحق العلامة 
التامة ثم أخذوا جوابه فكتبوه بخط آخر وبدلوا فيه قليلا وعرضوه عليه مع 
الأوراق فأعطاه علامة دون الوسط. 


ملحل 


والصحح ليس في يده ميزان الذهب. وقد يتردد بين الستين من المئة 
وبين السبعين» وقد يكون في هذه العلامات العشر نجاح التلميذ أو سقوطه. 
وربما وقعت الورقة في يد مصحح مشدد فأسقطهاء ولو وقعت في يد آخر مهون 
لشاها. 

فماالعمل؟ 

عليك أن توضح خمطك فإن سوء الخط وخحفاءه ربما كان السبب في 
غضب المصحح أو نقمته. فأساء حكمه على الورقة فأسقطهاء وأن تكثر من 
العناوين» وأن تقطع الفقرات وقيزهاء وأن تجتنب الفضول والاستطراد» وقد 
يستطرد التلميذ فيذكر أمرا لم يطلب منه؛ يريد أن يكشف به عن علمه فيقع 
بخطيئة تكشف جهله. فتكون سبب سقوطه, 

هذا الذي عليك» وهذا الواجب في الامتحان وغيره. 

على المرء أن يسعى؛ ويعملء ولكن ليس النجاح منوطاً دائياً 
بالسعي والعمل . 

يمرض اثنان» فيستشيران الطبيب الواحدء ويتخذان العلاج الواحد 
ويكونان في المشفى في الغرفة الواحدة» وتكون معاملتهم) واحدة» فيموت هذا 
ويبرأ هذا. قَلِم؟ من الله . 

ويفئح اثنان متجرين» ويأتيان بالبضاعة الواحدة» ويتخذان طريقة 
للبيع واحدة؛ فيقع هذا على صفقة تجعله من كبار الأغنياء» ويبقى ذلك في 
موضعهة فلم؟ من الله . 

وأنا لا أقول لأحد أن يترك السعى» السعى مطلوب وعلى التلميذ أن يقرأ 
الكتاب كله حتى الحاشية التي لا بهتم غيره بهاء إذ ربما كان السؤال في الامتحان 
منباء وبعد ذلك يتوجه إلى الله فيطلب منه النجاح . 

وهذه خاتقة النصائح ولكنبا أهمهاء وأنا أعلم أن من السامعين من يسخر 


1١١ / 


مني إذأقولهاء وهو يستطيع أن يسخر مني أو أن يقول عني 5 غيابي ماشاء ولكنه 
لا يستطيع أن يثبت بالبرهان أن الذي أدعو إليه باطل . 
فيا أمبا الطالب إذا أكملت استعدادك. وعملت كل ما تقدر عليه؛ فتوجه 
إلى الله م وقل: يارب» أنا عملت ما أستطيعه» وهناك أشياء لاأستطيعها أنت 
وحدك تقدر عليهاء فاكتب لي بقدرتك النجاح, ولا تجعل ورقتي تقع في يد 
مصحصح مشدّد لايتساهل» أو مهمل لايدقق. أو ساخط أو تعبان 
لا يحكم بالحق. 
وإن كنت أيتها الطالبة على معصية في ثيابك ولباسك وسيرتكِ وكنت على مخالفة 
لحكم الشرع فارجعي عنهاء وإن كان منكم جميعاً تقصير في حق اللهء فدعوا 
وليست هله الوصفة من عنلدي » ولكنبا وصفة (راشتة) وكيع 
شيخ الشافعي : 


3# 


١14 


الوصسايا 


“7# و 1[ ز ز ز ز ذ[ ذ ذ ذزذ ذأ[ م0 0 6 02 ةدك ]| 


0 
ا 


ذيعت سنة 1968 من إذاعة دمشق 


كنت أدقق أمس دعوى وصية» فرجعت بي الذاكرة إلى حادثتين رأيتهما 
في يوم واحد, في المحكمة الشرعية في دمشق. لما كنت فيها من أكثر من 
حمس عشرة سلة . 

الأول طلب تسجيل وصية» قدم بأسم امرأة من الموسرات» لا تستطييع 
لكبرها وعجزها أن تجيء إلى المحكمة » فأرسلت الكاتب ليستمع منهاء ويسجل لاء 
فعاد يقول إنبا تريد أن توصى بثلث مالها وهذا الثلث يزيد على حمسين ألف ليرة» 
وقد جعلت مبلغاً ضخاً منه للجنازة والعصرية والصباحية والمواسم وذلك كله 
مما لا أصل له في الشرعء فنصحها أن تجعل هذا المبلغ في جهات الخير التي 
ترضي الله وتنفع الناس فأبت» وهويسألني رأبي. ولم أكن أذهب قط إلى دار 
إنسان, وإن كان القانون يجي ذلك أحياناً» ولكني لما سمعت منه خبر الوصية 
وضخامة المبلغء رجوت أن يوفقني الله فيحقق على يدي خيراًء فذهبت إليهاء 
فإذا عجوز حمقاءء لا تفهم بلسان المنطق, ولا نستجيب لصوت الدين» وإذا 
كل همها أن تصنع شيئاً تكسب به رضا الناسء وتنال به إعجابهمء ولم استطع 
بعد الجهد الكثير أن أستخلص منها أكثر من خمسة آلاف. رضيت أن توصي بها 
لبعض الجمعيات الخيرية . 

ورجعت إلى المحكمة مغيظاأ محنقاً فرأيت الحادث الثاني. جاءتني امرأة 
تحمل في بطنها ولدأء وعلى يدها ولداً. وتجر وراءها ولدين» فقالت وهي تبكي, 
إنها غريبة لا تعرف أحداً في دمشق» وليس لا في بلدها إلا أب فقير وعم أفقر 


احلدل 


منهء لا يقدران على شيء لأنفسهماء فضلاً عن أن يقدران على شيء ها وقد فرٌ 
منها زوجها فهي لاتعرف له مكاناً ولا تدري من أين تأكل وتطعم الأولاد. وإذا 
نفد صبر صاحب الغرفة التي تقيم فيها على إبطائها بالأجرة فطردهاءلم تعرف أين 
تنام هي والأولاد. وقد لجأت إل لأن الناس قالوا لما: مالك إلا القاضي! . 

وحار القاضي » وترقرقت في عينيه دمعتان» وقلت: يارب عفوك. تلك 
ترمي حمسين ألفاً حيث لا ترضي رماء ولا تنفع أحدأء لا تبالي مها ولا تفكر 
فيهاء وهذه تحتاج إلى عشر ليرات فلا تجدها ولا تجد من يدفعها إليها؟ 

وبدأت من ذلك اليوم أفكر في أمر الوصايا. كم يضييع بها من مال ينفق 
في غير وجهه» ويوضع في غير محله؟ وكم يصنع بهذا المال لوأريد به وجه الله. 
وأنفق فيها ينفع الناس؟ 

لقد لبثت قاضياً قريساً من خمس عشرة سدة؛ وأنا أظن أن الوصايا التي 
أوصي بها على يدي تجاوزت الملايين» أكثرها رصد لا لا يقره الإسلام ,على 
الحنازة أو وقد تكلف الجنازة الآللاف. يأخذها من لا يستحقها وتصرف فيما 
يخالف الشرع. وما ينفق فيما يخالف الشرع لا يحرم صاحبه الثواب فقط. بل 
يكون معصية منه يستحق عليه العقاب . 

والجنازة الشرعية هى التى تمثى صامتة لا شىء فيهاء فالآس بدعة, 
والحناء والأكاليل بدعة. والذي يؤدْنْ أو ينشد أمام الجنازة بدعة» وهؤلاء 
(الكلاليب) الذين يتعلقون بكل جنازة ويزدحمون على باب الميت تبين أن 
أكثرهم غير محتاج والأولى بأهل الميت أن يطردوهم» أو يدعو (جمعية النبضة 
الإسلامية) ومعهاالشرطة لتمسك بهم». فتساعد المحتاج منهم» 
وتعاقب المحتال . 

وعلى الصباحية ثانياً. والصباحية بدعةء ومن فقهاء الحنفية المتأخرين من 
استحسنها بشرط أن يكون فيها المواساة المشروعة فقط. أما دعوة من يسمون 
أنفسهم القراء للقراءة فيهاء فهي بمنوعة من وجوه؛ أولها: أن قراءة القرأن 


ريل 


وإهداء ثوابها للميت جائزة: ولكن الذي يقرأ بالأجرة يجعل القراءة مهنة يؤكد 
ابن عابدين رحمه الله أنه لا ثواب له مهديهء وأن أل الأجرة على القراءة لا يجوز 
أبداًء ثم إن أكثر هؤلاء يقرؤون القرآن بأنغام الغناءء مع أن التغني بالقران 
مشروع بشرط أن يكون مع الخشوع والتدبر وفهم المعاني والبعد عن التشبه 
بالمغنين في أنغامهم. ثم إن على السامع للقرآن أن يستمع وينصت ويتفهم 
المعاني؛ والمشاهد في الصباحيات أن القارىء يقرأ والناس معرضون عنه 
يستقبلون القادم ويشيعون الذاهبء ويدخنون (السكاير) في مجلس القران . 

والعصرية الني يعملها النساء تمنوعة شرعاًء نص على ذلك الفقهاء ومثلها 
الخميس والأربعين والسئوية كلها تمنوعة شرعاً» ولابن عابدين صاحب الحاشية 
رسالة في بطلان الوصية بذلك كله اسمها «شفاء العليل في بطلان الوصية 
بالختمات والتهاليل»» عليها تقاريظ فقهاء عصره منهم فقيه مصر يومئذل 
الطحهاوي المشهور. 

أو تكون الوصية لبئاء القبر ورفعه. وأعرف امرأة موسرة أنفقت عشرة 
آلاف على قبر زوجها جعلته من الرنخام المنقوش المزخرف. مع أن بناء القبور 
بالجص والحجارة ورفعها لا يجوز. وما يفعله بعض الناسء من اقنطاع قطعة 
من المقابر وإقامة مدفن فيها أو بناء جامع على قبر المبت منوع من وجوه. أول : 
لأن بناء الجامع على القبر لا يجوز ثانياً: لأن الأرض ليست لمن يبني عليها بل 
هي وقف للناس كلهم والثالث: أنه لوجاز بناء هذه الجوامع وم تكن الأرض 
مغصوية لكان بناؤها هنا إضاعة للمال. وإضاعة المال منوعة شرع ذلك لأن 
من يريد الصلاة لا يذهب إلى وسط مقبرة الباب الصغير مثلاً ليصلل» فلا تكون 
إلا مساجد معظلة لا تقام فيها جماعة ولا تعمر بعبادة ولا ذكر. 0 

وهذا الذي قلته كله صحيح واسألوا المفتي أو راجعوا حاشية ابن عابدين 
إن ل تصدّقوا أوجاءكم من يقول لكم غير ذلك. 

ولماكانت في دمشق حلقة الدراسات الاجتناعية التي عقدتها جامعة 
الدول العربية بإشراف الأمم المتحدة من سنين لبحث التأمين الاجتماعي » كنت 


١5 


في وفد سورية». ثم انتخبث فيها أحد الثلائة الذين سموا للّجنة العليا لجنة 
الصياغة؛ وقد قدمت إليها بحثا موضوعه الوصايا وانها مصدر كبير من مصادر 
التأمين الاجتماعي لو أحسن استغلالها ووضعت موضعها . 

لم لس يضع قانون الأحوال الششخصية المعمول به الآن في البلاد, 
وكنت أنا الذي أعدٌ مشروعه. وُضِعتٌ فيه مادة صريحة. باعتبار كل وصية 

بمعصية أو بأمر ينافي مقصد الشارع باطلة . 

وكلامي الآن لمن يثق بي من المستمعين. أنصحهم وبين لهم فإن سمعوا 
مني فالحمد لله. وإلآً فا علي إلا البلاغ . 

إن المرء لا يوصى بوصية إلآ ابتغاء ثواب الله» فيجب عليه أن يعرف 
ما يرضي الله قبل أن يوصي . 

وذلك بأن تنظر أولا فإن كان لك ذرّية فقراءء وكان مالك قلماة 
لا يكفيهم همء فالأحسن أن تترك المال لهم ولا تكتبه لزيد أو لعمرو أو 
أو مستشفى وتدع ذريتك يحتاجون الناس» وأنا أعرف رجلا فقيراً 0 

عمله ترك ثلاث زوجات وعشراً من الولد» وأوصى بثلث ماله للخير فجاء الوصى 
فجرع الأولاد العلقم وعذّبهم في المحاكم وأخذ المال» فلم يعلم إلا الله ماذا 
نع بد» وأولاد ليت اجون | إلى عشره ليعيشوا به. 

وإذا كنت موسراً وأ حببت أن تجعل من مالك قسطاً للخير فقدّمه بين 
بديك؛ يكن ذلك خيراً لك في الدنيا والآخرة, وما تعطيه في حيناتك وأنت 
صحيح شحيح تخاف الفقر وترجو الغنى (كما جاء في الحديث) أفضل تما 
توصي به. 

وإذا ل تحب أن تنفقه في حياتك, وأردت أن توصي به فحسن, الوصية 
مطلوبة على أن تجعلها في وجوه الخير» وفيها هو طاعة وبر باتفاق العلماء. فاجعل 
وصيتك أن يكون التجهيز والتكفين وما إلى ذلك على الوجه الشرعي » وأن تنظر 
بعد فإن كان في أقربائك محتاج فاكتب له شيئّاً معيناً باسمه والأقرباء أولى 


١7 


بالمعروفءولا يقبل الله صَدّقة عبد وفى قرابته محاويج» فإذا فرغت من أقربائك 
فلمن يلوذ بك من جيرانك. ولمن له حق عليك. إذا كان فقيراً محتاجاً . فإن فضل 
شىء فاجعله عند من هو مستحق له. هذا بعد أن توصي بشيء لمن يحج عنك 
إن لم تكن حججت الحجة الواجبة وما بقي جعلته للفقراء المحتاجين. 

وقد صار عندنا الآن بحمد الله جمعيات للبر والخير أميئة موثوق مبها. وقد 
حدّئتكم عن جمعية المبضة الإسلامية في حماه, وفي دمشق, وفي حمص جمعية 
البر والخدمات الاجتماعية وهي مؤسسة من عشر سئين ولا دار للعجرة ولا 
مستشفى ماني ولها دار للمكفوفين لتعليمهم وتربيتهم » وقد نقّت حمصاً من 
السائلين والشخاذين فلا تلقى فيها اليوم سائللاء وفي دمشق جمعيات كثيرة لها 
اتحاد عام تشمل أحياء البلد كلهاء وأنا أعلن للملايين التي تسمعني أن هذه 
الجمعيات 3 ثقة» وهي تعالج المرضى وتسعف الفقراء. وتعلّم الطلاب» 
وتقوم بكل أنواع البرّء فمن أراد أن يوصي بشيء للخير فليسلّمه إلى واحدة 
منباء ورأس الأمر كله في الوصية أن تحرص على حسن اختيار الوصي وألآ تغترٌ 
بالزي والكلام» بل تعتمد على التجربة والاختبار» لأن في الناس كثيرين يتزيون 
بزي الصالحين المصلحينء وهم من المفسدين العاصين؛ وآخرين يلبسون لباس 
العلماء العاملين : وهم من الجَهّلّة الدجّالين الذين يأكلون الدنيا بالدين. 

يا أها السامعون! 2 

مر الوصايا من الأمور الاجتماعية الخطيرة» وأننا إذا اتبعنا مها سبيل 

8 9 هذه الأموال في مواضعهاء وم ننفق شيئاً منها على البدع 
الممنوعة شرعاً لاعلى الآس والأكاليل» ولا على الدعوات والولائم التي يدعى 
إليها الأغنياء ويُطرد الفقراء» ولا على الصباحيات والعصريات والختمات 
والتهاليل» ولا على الخميس والأربعين والسنوية» كان منها باب عظيم من 
أبواب الإصلاح . 

وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً إلى ما فيه رضاه . 


١ 


نساؤونا ونساء الافسرضج 


شرت سئة ١968‏ 


هذه مقالة كيت من ثلاثين سئة ‏ استخرجتها من المطبعة من كتاب لي 
سيصدر قريباً سميته (مع الناس) عجلت بها لقراء (الشرق الأوسط) علهم 
يجدون فيها شيئاً من المتعة أو بعضاً من المنفعة . 

جاءني في البريد كتاب من سيدة فاضلة؛ لم تصرح باسمهاء ولكن 
أسلويها نمٌ على فضلها وأديباء شكت فيه أشياء واقترحت أشياءء وكان مما جاء 
في كلامهاء قوها: (وانظر إلى ضيق الحياة التي تحياها المرأة العربية.» وسعة حياة 
المرأة الغربية» وقيد هذه وحرية تلك) . 

فوقفت عند هذه العبارة» وفكرت فيهاء وعزمت على أن أكتب إليهاء 
لأوضح لها خطأها فيا ذهبت إليه. ثم ذكرت أني لا أعرف اسمها ولا عنواهها. 

فقلت أجعل جوابها موضوع هذا المقال. 

إن ما ظنته هذه السيدة. يظنه كشير من السيدات», ولا يعترفن أن ذلك 
ظن وتخمين» بل إيرينه يقيناأ وفوق اليقون» وأصدق جواب على هذا وأخصره 
لفظاء وأعمقه معنى, ما أجابت به تلك السيدة الأميركية» الأستاذ الشيخ بهجة 
البيطار. 

حدثني الأستاذ أنه كان يتكلم عن المرأة المسلمة, في إحدى محاضراته في 
أميركاء ويذكر أن لها الإستقلال في شؤون المال. لا ولاية عليها في مالها لزوجها 
ولا لأبيهاء وإنبا إن كانت معسرة كلف بنفقتها أبوها أو أخوهاء فإن لم يكن لا 
أب أو أخ فأيٌّ واحد من أقربائها الذين يرثوماء ولوكان ابن عم عمهاء وأن 
هذه النفقة تستمر إلى أن تتزوج أو يكون لا مال, وأنها إن تزوجت كلف زوجها 


١5 


بنفقتهاء ولو كانت تملك مليوناً وكان عاملاً لا يملك شيئاً» إلى غير ذلك مما نعرفه 
نحن ويجهلونه هم عنا. 

فقامت سيدة أميركية من الأديبات المشهورات» فقالت: 

«إذا كانت المرأة عندكم كما تقول» فخلوني أعيش عندكم ستة أشهر 
ثم اقتلوني). 

وعجب من مقاها, وسأل عن حالما ؛ 

فشرحت له حالهاء وحال البنات هناك فإذا المرأة الأميركية تبذدو حرة 
وهي مقيدة» وترى معززة وهي مهانة, إنهم يعظمونها في التوافه ويحقروما في 
جسيمات الأمور. 

يمسكون بيدها عند النزول من السيارة» ويقدموما قبلهم عند الدخول 
للزيارة» وريبما قاموا لها في الترام لتفعل. أو فسحوا لها في الطريق لتمرء ولكهم 

إذا يلغت البنت هناك سن الرشد. قيض أبوها يده عنبأ» وسد باب دارة 
فتذهب المسكيئة» تخوض غمرة الحياة وحدهاء لا يبالون أعاشت بجدّها أم 
بجسدهاء ولا يسألون هل أكلت خبزها بيديها أم بتديبهاء وليس هذا في أميركا 
وحدهاء بل هو شأن القوم في ديارهم كلها . 

حدثنا أستاذنا الدكتور نحيى الشماع من ثلاث وثلاثين سنةءع إثر عودته 
من دراسته 3 باريز» أنه ذهب إل منزل أسرة دلوه عليها ليستأجر غرفة لدماء 
فقابل وهو داخل إلى الدار بثتاً خارجة منها في عينيها أثر الدمع» فسأل أن مالهاء 
قالوا له هذه بنتنا» ولكنها انفصلت عنا لتعيش وحدها؛ قال: إنما تبكى . 

قال: وَلّه؟ 


1 


قالوا: أنه دفعت أجرة لها عشرين فرنكاً» وغيرها يدفع ثلاثين . 
وإذا شككت في هذه القصة. ومن حقك الشك فيهاء لأنهبا بالنسبة إليك 


الدكتور يؤكد لك أنه رآها وسمعها. 
ولقد قص علينا إخواننا الذين ذهبوا إلى أوروبة وأميركة وخالطوا أهلها, 


لقد ابتُذِلت المرأة هناك وذلت» حتى صارت تبذل ما نراه نحن أعرٌ شيء 
عليها وهو العرض » في سبيل ما نراه أهون شيء علينا وهو الخبز. 

أما قرأت ما كتبه توفيق الحكيم عن الفتاة التي فرضت نفسها عليه. 
وساكنته في الدار. وعاشرته معاشرة الأهل0©, لا تريد من ذلك إلا أن تجد 
سقفاً يكثهاء ومائدة تشبعهاء ثم كيف ملّها فطردها. 

إن الفاسق عندناء الفاسق يا سيدتي» يتبع هوالمرأة» ويبذل ها الغالي 
والثمين, لأنه لا يجدها إلآ بمشقة» ولا يصل إليها إلا بنصب. 

استترت المرأة الشرقية فعزّتء وتمنعت فطلبت» وعُرضت الغربية فهانت 
لأن كل معروض مهان . 

كان الشاعر العربي الأول إذا بدا له من المرأة الكف أو المعصم» دار 
رأسة. وثارت نفسه» وامتلأ بالحب جنانه» وانطلق بالشعر لسانهء ذلك لأنما 
كانت مستترة مبّأة. أما المرأة الغربية فإن الرجل يرى على الساحل أعلاها 
وأدناهاء فينظر إلى ساقها فلا يثير في نفسه معنى, ولا يحرك منه عاطفة, ولا يرى 
فيه حياة» صار ساق المرأة ورجل الكرسي وخشبة الباب سواء. 


)غ2 إذا بليتم بالمعاصي فاستترواء وإعلان المعصية معصية أكبر منهاء ولكن هؤلاء الكتاب 
لا يتقون الله ولا يستحيون من الناس . 


لحيل 


ومن هنا كسدت عندهم سوق الزواج. الزواج رباط دائم» يرتبط به 
الرجل مختاراء ليصل إلى إرواء هذه الغريزة» هذا هو الدافع الأول إلى الزواج. 
فلماذا يربط نفسه إذا كان يستطيع أن يرويها وهو طليق2©0. 


لقد فقدت المرأة الغربية الزوج» ففقدت المعيل» فاقتحمت كل عمل 
لتعيش. فصارت تعمل في المصنعء وتشتغل في الحقل» وتكنس الطريق من 
الأقذار»ء وقد خبّرنا من رأى في .أوربة البنات موظفات في المراحيض العامة 
ينظفنهالمن يريد الدخول27). . . ومن النساء من تعمل في صبغ الأحذية تتخذ لها 
صندوقا وتبقى اليوم كله على أرصفة الشوارع » ومنبن من تحمل في يدها كتابباء 
تستعد بمطالعته لامتحانهاء فإذا وقف عليها رجل مد جذاءه إلى وجههاء 
فانحنت عليه واشتغلت به. . . هذه هي منزلة المرأة في ديار القوم, على حيبن 
أن المرأة الشرقية تبقى دائياً في بيتهاء يكد الرجل ويشقى ليطعمها ويكسوها. 

وإذا بلغت المرأة عندنا سن الزواج» طلبها الرجل وتوسل إليها بالعطية 
الكبيرة: بالمهرء يدفعه هو إليهاء فيكون حقاً لما وحدها لا لأبيها ولا أخيهاء 
وليس لأحد التصرف في شيء منه إلا بإذنها . 

والمرأة الغربية تركض هي وراء الرجل؛ فتسقط حمسين سقطة قبل أن 
تصل إليه؛ وربما سقطت سفطة كان فيهاذهاها وهلاكهاء ثم إن وجدته 
م ينزوجها حتى تتوسل هي إليه بالمبلغ الكبير. حتى تدفع هي له المهرء ثم 
يكون له الإشراف على مالمهاء يشاركها في التصرف فيه؛ والمرأة عندنا لها وحدها 
حق التصرف في ماها. 


)١١(‏ ومن أمثالهم : إذا استطعت شراء اللبن فلم تشتري البقرة كلها؟ وصار مقلدوهم من 
كتابنا يسخرون بالزواج. هذا توفيق الحكيم ل يكفه أن عاش بلا زواج حتى ألف أفجر 
قصة قرأتبا هى (الرباط المقدس) جزاه الله شرأ وقلل فينا أمثاله . 

(0) وقد رأيت ذلك سبة 147١‏ وسنة 1915 . 


١1 


تقولين كان هذا من زمان» وقد كسدت عندنا سوق الزواج وكثرت عندنا 
العوانس . 

وهذا صحيح . ولكن لم كان؟ 

كانء لأنا قلدنا الإفرنج فيا يشكون هم منهء ويتمئون البعد عنه. 

كان لأن المستعمرين وضعوا في نفوسناء خلال القرن الماضي الذي كنا 
فيه نائمين وكنا غافلين» أنهم أرقى منا رقياً وأكثر تقدماًء وأن ما يفعلونه 
هو الصواب. فقلدناهم في كل شيء. 

ولكن هل يحتمل طبعنا العربي هذا التقليد كله؟ 

كان العرب أغبّر الناس على الأعراض, حتى أمهم وأدوا البنات خوف 
العار فهل يتمالك العربي نفسه أن يكون في حفلة فيأقي رجل يقول له: 
(أسمح لي !). ْ 

يسمح له بماذا؟ لا بأن يريه ساعته» ولا بكبريت يشعل به دخينته., بل 
يسمح له بأن يأخذ منه زوجته يراقصهاء ليضم صدرها إلى صدره؛ ويدني 
وجهها من وجهه. وساقها من ساقه . 

ليس في الدنيا عربي يرضى بهذاء ولا يرضى به مسلمء ولا يكاد يرضى 
به رجل صادق الرجولة» بل إنه لا يرضى بمثله من الحبوانات إلا الخنزير. 

هذه حال نساء الغرب» فهل نساء الغرب اليوم في خير» حتى نبتغي مثل 
الذى عندهن لنسائنا. 

لقد عرفتم ما قالت المرأة الأميركية للشيخ مبجة البيطار. 

ولو نطقت كل المانية وكل فرنسية لقالت هذا. إنكم تنقمون من شريعتنا 
أنها تعطي البنات نصف ميراث الرجال» وتعدد الزوجات . 

فاسألوا نساء أميركاء أما يقبلن أن يأخذن نصف ميراث الرجل» وأن 
يكلف الرجل وحده بالإنفاق عليهن. 


١74 


سلوا نساء ألمانياء بعد هذه الحرب» أما يتمئين أن يكون لكل عشر منبن 
زوج» يعدل بيغبن وينفق عليهن؟ 

وبم تعالج مشكلة زيادة النساء في المانيا وأمثالها إلآ مبذا؟ 

إذا كانت الطبيعة التي طبع الله الناس عليهاء توجب أن يجتمع النوعان» 
ما من اجتماعها بد ول يكن إلآ حسون رجلاًء ومئة امرأة» فهل ثمة إلا أن 
يكون لكل امرأتين رجل؟ 

أوليست هذه فطرة الله في أنواع الحيوان كلها؟ كم نسبة الذكور إلى 
الإناث» في النحل وفي الدجاج؟ 

أولا يتخذالزوج الغربي أربعا أو أكثرمن أربع. ولكن بالحرام؟ 

أترضون بالثانية خليلة بعقد إبليس» ولا ترضون بها حليلة بعقد الله؟ 

#0 

لا يا سيدي, لا تظني أن نساء الخغرب أسعد عيشاً أو أعر أو أكرم, 
لا والله؛ ليس في الدنيا أعرٌ ولا أكرم من نسائنا. 

إن الزوج عندنا لامرأته لا لا لخليلة ولا لصديقة. والمرأة لروجها 
لا لعاشق ولا لرفيق» له وحدهء لا تتكشف لغيرهى ولا يطلع عليها سواه. 

فهل هذا هو عيبها عند هؤلاء المقلدين؟ 

هل يريد أحدهم أن تكون امرأته له ولغيره؟ 

هل يغضب أن ترك له صحنه, ليأكل منه وحده.» ولا يرضى حتى يأكل 
بصحن تقع فيه كل الأيدي؟ 

أيكون الطهر عيباً: والعفاف عاراً والخير شراً» والنور ظلاماً؟ 

حسبنا تفكيراً برؤوس غيرناء حسبنا نظراً بعيون ععدوناء حسبنا تقليداً 
كتقليد القرود ولنعد إلى أنفسناء إلى عربيتنا وإسلامناء إلى طهرنا وعفافنا. 


|" 


ليصنم نساء الغرب ما شئن وشاء لهن الرجال» فا لنا ولنساء الغرب؟ 
وليكن نساؤنا كما نريد نحن لمن ويريد الله لنكون لهن وحدهن, تقنع بن 
ولا ننظر إلى غيرهن . 

ليس في الدنيا نساء خيراً من نسائناء ما تمسكن بحجابين, وحافظن على 
أدامين. وتقيدن بأخلاق العرب» وأحكام الإسلام» وأعراف ذلك المجتمع 
الفاضل الذي أخرج عائشة وأسماء والخنساء وخولة ورابعة ومئات من المربيات 
الفضليات. والعالمات الآديبات». والأمهات الدينات الصَيّنات اللائي ولدن 
أولئك الرجال. الذين كانوا فرسان الميادين؛ وكانوا هم فرسان المنابرء وكانوأ 
هم أبطال الفكرء وكانوا هم ملوك المال» وكانوا سادة الدنياء وكنتن أنتن 
أمهات أولئك السادة . 


1 6 


صخحاعة ١<‏ يذ لمشمسخقسة » 


]10101021[ آذآ آذذآذأذأختم ا ا مفففاااف أارف: :0ك 6:66 ا 22222222222200٠‏ 


شرت سئة احلى احلا 


لقيني أمس اثنان من الأصدقاء؛ فلامني أحدهما على أني أ كنف راي 
وأحلق لحيتي, وقال الآخر مازحاً: دعه. حاجتنالا» من (المشيخة) إِبقّ كما أنت 
يا رجل. 
فقلت في نفسبى: سأجعل جوابب| هذا الفصل . وما ذاك لأني أحب أن 
أشغل الناس بالحديث عن نفسي بل لأن هذا الموضوع, مما تخوض فيه الألسنة» 
ويدور عليه الحدل؛ ويجب بيان وجه الحق فيه. 
قبن نا نا 


أما حلق اللحية؛ فلا والله ما أجمع على نفسي بين الفعل السيء. 
والقول السيء, ولا أكتم الحق لأنٍ لمحالفه. ولا أكذب على الله ولا على 
الناس. وأنا أقر على نفسي أ في مخطىء في هذاء ولقد حاولت مراراً أن أدع 
هذا الخطأء ولكن غلبتني شهرة النفس. وقوة العادة وأنا أسأل الله يعينني على 
نفسبى حتى أطلقها('», فاسألوا الله فإن دعاء المؤمن للمؤمن بظهر الغيب لا يرد 
إن شاء الله . 

وأما كشف الرأسء فا فيه كبير أمرء وإن كان الستر أحسن» ولقد كان 
عامة العلماء في الأندلس على كشف الرأس, وكانت العمامة عندهم للقضاة 


فم وقد ادي سمج م 


شين 


وأرباب المناصب. ومهم| يكن من أمرالعمامة التي وردت بذكرها بعض الآثار, 
فيا هي بالعمامةالتي نعرفها في بلاد الشامء ولا كان عليها أمر السلف» وما كان 
يعرف السلف زيا خاصا للعلماء ولا للرؤساءء ولقد كان الرسول يبابس 
ما اتفق له لا يلقي لذلك بالا ولا يوليه اهتماماً. لذلك تعددت ألوان عمامته 
وأشكال ثيابه» وما كان يمتاز من أحد أصحابه بلبسة ولا جلسة . حتى كان 
الاعرابي يدل مجلسه. فيقول: أيكم محمد؟ وكان المستقبلون يوم الهجرة 
يسلمون على أبي بكر يحسبونه رسول الله. حتى مالت الشمس فأصابته فقام 
أبو بكر يظلله بردائه'!» فعرفوه من ثمة . 

وما لهذا كتبت هذا الموضوع, وما أريد أن أدافم عن نفسي» وأردُ على 
الصديق الذي انتقدني» بل لأتكلم في هذه (المشيخة) التي أراد الصديق الذاب 
عني أن يبرئني منها. هذه (المشيخة) التي صارت على ألسنة الكشير من الناس 
لبر ينبزون به كل متدين» وكل محافظ على السئة . وصارت مداراً للانتقاص. 
وسبباً لرفض كل موعظة, والإعراض عن كل نصيحة. فإن وعظت غافلاًء أو 
نصحت حائراً» قال لك: عِفْنا("© بلا مشيخة! 


وصارت علي على طبقة من الناس» تأخحذ من الناس» ولا تعطيهم » وتستتجيب 
لدعواتهم ولا تدعوهم» وتقول لهم ولا تسمع منهم . وسمة لمن هوغريب عن عاداتهم 
ومواضعاتهم. صارم في وعظهم. شديد في نصحهم. » لا يقبل ردأ على 
كلام ولا جدالاً في رأي» يتكلم ب (النحوي) ويتأخر عن الموعد. . . وما هو 
من هذه الصفات بسبيل» وما القراء أعرف به مني . 

فمن أين جاءت هذه المشيخة.» التي نفْرت الناس من الدين» وأبعدتهم 
عنه ؟ 


. وما يقوله القوالون من أنه (المظلل بالغمام) ليس بصحيح‎ )١( 
(؟) الكلمة عربية (بمعنى قريب من هذا المعنى).‎ 


ضن 


أما الصدر الأول للإسلام فلم يكن يعرفهاء وليس 5 الإسلام رجال هم 
وحدهو(رجال الدين). وغيرهن (إرجال الدنيا)»؛ ولكن في الاسلام علماء 
وجهلاء؛ وباب العلم مفتوح» فكل من تعلم أحكام الدين» وعمل بما علمه 
منباء كان هو المرجع فيه. لذلك صار عكرمة ونافع, وأمثاهم من العبيد 
صاروا سادة الأحرار وأساتذتهم لما علموا وعملوا بما علموه. وإذا عرضثت 
سير العلماء الأولين: الصحابة والتابعين» والأئمة المجتهدين, لا تجد فيهم من 
اتخذ لنفسه هذه (المشيخة) ولا عرفهاء إنها لم تعرف إلا في قرون الانحطاط. 
بذور تسرّبت إلينا (إلى الصوفية) من هنا وهناك» ثم رسخت جذورها؛ وبسقت 
غصونهاء ثم قُررَت قواعدهاء وجعلت احدى الشعائر الصوفية فأوجبوا على 
(المريد) الطاعة العمياء لشيخه, وأن يكون بين يديه كالميت بين يدي الغاسل» 
وقالوا : إن من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان . ومنعوا المريد أن يحضر على 
غير شيخه أو يستمع منهء وحرموا عليه أن ينكر عليه ولو رأى منه منكراً 
ظاهراً أو أن يعصيه ولو أمره بما يخالف الشرع, وقاسوا ذلك قياساً فاسداً على 
قصة الخضر وموسى» مع أن الخضر ماعمل إلا بوحي «وما فعلته عن أمري» 
وأن الشرع حجة على اليه وغير الشيخ» والشيخ ليس حجة على الشرعء 
وإنكار المذكر واجب ولو وقع من الشيخ . 

كان على الرجل إذا أراد أن يكون من العلماء. أن يحمل مشقات 
الرحلات» ويثني الركب في المجالس» ويحيي الليالي في المطالعة» وينفق السنين 
في الطلب» فهان الأمر حتى اقتصر على عشرة أتيع من الشائن. وجبة عريضة 
وسبحة طويلة . ولولم يكن تحت العمامة إلا رأس فارغ من العلم» ولولم يكن 
في الجبّة إلا جسد يتربّى بالحرام» فلم فلم رأى العوام ذلك وأبصروا ناسأ لهم زي 
العلماء» وأفكار الجهلاء» وأعمال السفهاء, ورأوهم يصفون الأقدام في المساجد 
رياء» ويحركون الألسنة بالتسبيح تظاهراًء لم يعرفواأ أن هؤلاء أدعياء في العلم ء 
وأن الإسلام ينكرهم ويأباهم, بل حسبوا أنهم هم العلماء؛ وأنهم هم 
الصلحاء, واتخضذوهم وسيلة إلى الطعن في العلم و الصلاح؛ وإذا أردتم أن 


0-0 


تعرفوا مبلغ إيذاء هؤلاء القوم للإسلام» فإني أسوق لكم مثلً واحداً: قصّة 
رجل يرونه اليوم ركنا من أركان التربية وهومنٍ أركان الضلالء يكره الدين 
وأهله. ويبعد الطلاب ما استطاع عنه وعنهم. كلّمته في هذا من ة فمى إلى أذنه 
كلام اًطويلاٌ في مجلس حافل جمعني به في مصرء فكان من حجته أن شيخاً من هؤلاء 
المشايخ (ولا أقول العلاء) كان معلم الدين في المدرسة الابتدائية التي تعلّم 
فيها» وكان من وصفه؛, وكان من حديثهء وكان من سيرته, ما نفْره من الدين, 
وكرهه إليه. 

ولم أقره على ما قال؛ ولا سكت له ولكني ازددت يقيناً بين وبين نفسبي 
بأن من الواجب» أن نقضي على هذه الصناعة التي اسمها (المشيخة)220 وأن 
نفهم الناس أن هذه المظاهر لا قيمة ها | ن لم يكن معها علم صحيح وتقوى 
حقيقية» وأنها ليست شرطاً للعلم ولا للتفوى. ولا تلازم بينها وبيهماء فربٌ عالم 
ليس بذي عمامة ولا جبّة» ورب جاهل مخادع» وهو صاحب عمامة كالبرج» 
وكُمٌ جبّة كالخرج . 

وأن يكون الدعاة إلى الإسلام عالمين بالإسلام حقاً بعيدين عن الغلظة في 
القول» وعن الجهل بالدنيا وعلومها وعاداتهاء فليس من الضروري أن يكون 
الداعي إلى اللهء غريب اللهجة» مستنكر اطيئة, ولا أن يأكل بأصابعه إن أكل 
الناس بالملعقة والشوكة. ولا أن يقعد ضيوفه على الطراريح وفي بيته الكراسي 
والمقاعد ولا أن يتشدّق ويمضغ الكلام. ويمرض على الإخفاء والإدغام, 
لا أن يكلّم الناس من فوق المأذن» بل أن يستنّ سنة الرسول وَل يلبس كى) 
يلبس الناسء ويأكل كما يأكل الناسء إلآ أن يكون في ذلك منوع في الشرعء 
وأن يتلطف بالأمر والهي» وأن يبدأ بما بدأ به الرسول وله من تصحيح 
العقيدة, وتعلم الفرائضء وبيان الكبائرء وأن يخاطب الناس على قدر 
عقوطهم. وعلى مقتضى أحوالهم. وألا يبدأ بفروع الفروعء. قبل أن يؤصل 


(1) قلت المشيخة لا العلم ولا الصلاح» فانتبهوا لما قلت. 


١,3 


الأصول؛ فإذا وجد رجلا يدخل المسجدء ادي جمس أهل الدين أول مرة» 
وهولا يدري ما الإسلام ورأه يشرب بشماله مثاد أو يتجمرع الكأس. أولا 
يسمي» لم يحسن به أن يصرخ في وجههء بأنه خالف السئةء فيخجله في الملأء 
وإ شاه قد علس ول مد ا فلا ينبغي أن يقسرعه أو يأمره بالحمد أمراً 
ينفره ولا أريد أن يكون العام متساهلاء ولا أن يالغ في الرقة حتى يتخرّق 
ويتمزق» بل أريد أن يكون الشرع هو الميزان» فا كان له في الشرع رخصة 
رخصنا فيه, وما كان له حكمان ألزمنا المبتدىء بأخفهم]| عليه رفقاً به. وإبقاء 
عليه» وما كان منكراً ظاهرأء لا ترخيص فيه ولا اجتهاد» أنكرناه ولو قالوا عنا 
ماقالوا. . 
نبى أكتب لنفي صنعة المشيخة» وإفهام الناس أن المسألة ليست بالعمامة 
ل ال المي وأن علينا إذا أمرنا بمعروف أن نجعل أمرنا 
بالمعروف» وأن نستن بسئة الرسول يق 3 الدعوة, وأعوذ بالله أن أقول 
لأحد. أكتم الحق ليقول الناس إنك لطيفءأ و أقرر الباطل الذي تراه ليقولوا 
إنك مهذب, أو ساير الناس في طريق الإثم ليقولوا إنك اجتماعي . 
لاء بل الشرعَ الشرعٌ ماحرمه حرمناه. وما أحله أحللناه» وما أمر به 
فعلناه» وما نبى عنه تركناه» وما أنكرنا هذه الصناعة التي استحدثها الناس 
وسموها (المشيخة) إلا لأن الشرع ينكرهاء والصدر الأول لم يعرفهاء وأنها 
صارثت سبباً للتنفير من الدين. وباباً قد دحل منه كثير من الأدعياء والمرائين» 
وما أردت بما قلت إلا مصلحة الإسلام, فإن كلت قد أخطات في شيء. 
فأسأل بالله من عرف الخطأ أن يرذه عل» على صفحات (لمسلموك)»؛ وأنا 
أسامحه من الآن مها اشتد في المقال. 


1 3 


١ 


هذا نذير للناس 


أذيعث سئة 46 | 


أنا أعلم أن أثقل الكلام الحديث المعادء وأنا قد تكلمت في هذا 
الموضوع غير مرة» ولكني مضطر مع ذلك إلى العودة إليه . 

والذي اضطرني كتاب حمله إل البريد» يقص فيه صاحبه. (ولست 
أعرف من هو وليس في الكتاب ما يدل عليه) يقصٌ قصة يقطر من سطورها 
الدمع, ويشمٌ منها ريح القلب المحترق» يقول إنه رجل مستور صالح ؛ 
متمسك بحبال الديانة مقيم على عهد الفضيلة» وله بنت ما انفكت تمثي في 
طريق الشر خطوة خطوة؛ حتى هتكت الأستار» وصحبت الأشرار» ثم انتهت 
إلى النباية التي تنتهي إليها كل فتاة سلكت سبيل المغويات . 

ويقول: إن سبب ذلك كله المدرسة أولاً والجامعة ثانياًء ويلعن البنات 
ويلعن المدارس التي علمتهن» ويلعن المجتمع الذي أفسدهن. . 

... إلى آخر ما جاء في الكتاب . 

وكتبت أقول له: أنا أعرف أنك متألم مصاب, ولكن ماذا أصنع لك 
الان؟ 

وهلا كتبت إلمّ وفي الصدر ذماء يتردد؟ 

ماذا أعمل لك الآن» بعدما شبت النار في الدارء وطغى السيل في 
الليل» واحترق ما احترق» أو أودى به الغرق. ‏ 1 


كلل 


ماذا يصنع الطييب» إن دعي بعدما مات المريض؟ لاياأخي. لست 
أملك لك إلآ العزاء» وأن أسأل الله لك الصبر على البلاء . 

على أني إن عجرت عن إسعافه؛ فلست أعجز عن إسعاف غيره؛ ممن 
لم تؤل به بعد الحال, إلى هذا المال» ولولا الحياء من أن أكون مع الدهر عليه 
وأن أزيده ألا على ألمه. لقلت له: إن الأمر منك أنت؛ منك يا أيها الأب» 
ومنك يا أيتها الأم, وإن أولى الناس بما سقت من اللعنات ‏ لو كان يجوز 
اللعن-أنتما الاثنان . 

لو كنت تشرف على بيتك وبنتك» لا يلهيك عنهبا العمل أو اللهو أو 
السهرات والقهوات .ولو كنتٍ تشرفين على بيتك وبنتك. لا تشغلك عنها 
الخياطات والسينئمات», والزيارات والاستقبالات. ولولم تدعي الببت للصاحبات 
أوللخادمات» لما كان الذي كان . 

على أي لا أبريء المدرسة. ولا أنْرْه المجتمع ) فالأب مسؤول» والمعلم 
مسؤول» والصحفي مسؤول» وواضع القانون مسؤول» كلهم مسؤولء. وإِن 
كان آخرهم سؤالاء وأقلهم تبعة البنت التي فسقتء والولد الذي فسد. 

لقد وضع الله هذه الغريزة في النفس» ورسم لها طريقا تمثى فيه ى) يمني 
ماء العبر في مجراه» ووضع لها السدود أن تطغى وتخرج عن مجراها كم| يطغى 
الهبرء فيغرق الحقل. ومبلك ال حرث والنسل . 

أما المجرى | لطبيعي فهو الزواج» وأما الطغيان فالبغاء والفساد , 
فجحئنا نحن فخالفنا فطرة الله فسددنا المحجرى | لطبيعي 3 وأزحنا السدود 
والجدود . . 
للشاب : الزواج صعب » وأمامه مائة حاجز. والحرام سهل وله مائة داع. 

فقل التكاح» وكثر السفاح» وكانت الضحية البنت! 


مضل 


يجي الشاب فيغويهاء فإذا اششركا في الإثم ذهب هو خفيفاً نظيفاء 
وحملت هي وحدها ثمرة الإثم في بطنهاء لم يتوب هو فينسى المجتمع حوبته؛ 
ويقبل توبته وتتوب هي فلا يُقبل ها هذا المجتمع توبة أبداً ثم إذا أراد هذا 
الشاب نفسه الزواج. أعرض عن الفتاة الي أفسدها هوي مترفعاً عبالء مدّعياً 
أنه لا يتروج البنات الفاسدات . 

فماذا تصنع الفتاة. والزواج ممنوع» والسفاح مباحء والرغبة موجودة 
والموانع مفقودة؟ 

تقولون: أنحن منعنا الزواج؟ 

نعم, أنتم منعتموه. لم تمنعوه بالقوة بل بالفعل . 

تبدأ الرغبة الجنسية في سن خمس عشرة» وتكون أشد ما تكون في 
هذه العشر السنين» إلى سن حمس وعشرين» فهل يستطيع الشاب أن يتزوج في 
| هذه السن؟ وكيف. ونظام التعليم يبقيه على مقاعد الدرس إلى قريب من هذه 
السن»؛ وإن هو ذهب للتخصص فى أوروبة أو أمريكة,. امتدت به الدراسة إلى 
قريب من الثلاثين. ا 

نكيف يتزوج؟ 

وإذا فكر في الزواجح. فمن أين له المال ولا يزال (وهو في سن الرجال) من 
حملة العيال. شاب طويل عريض » بت الثياب. ولكنه لا يحصل قرشأ 
مع أن ابن عشرين كان قديماً. أعني قبل أربعين أو حمسين سنة ل صاحب 
عمل وكسب وموارد» وأباً لأولاد. 


وإن وجد المال» فهل يدعه الآباء يتزوج؟ 


الحلال. يخرجونها متكشفة متزينة. ويرخوكن لها الزمام. فإذا جحاء الخاطب 
الصالح. لقي مهم ما يلقى الأسير العربي في إسرائيل» أهلكوه بالمطالب 


١4 


الثقال. من المهر الكثيرء والتكاليف الباهظة» والحفلات المتكررة؛ والهدايا 
العديدة؛ حتى يِل فيتهزم» أو يصبر حتى تستنفد هذه العادات الخبيئة كل ليرة 
كان ادخرها لهذا اليوم الأسود. فيدخل بيت الزوجية مفلساًء فييدا الخصام من 
أول يوم » ومتى دخخل المخصام بيتاً حرجت السعادة من ذلك البيت. 

مع أن رسول الله يَلِيأمرنا أن ننظر في الخاطب إلى دينه وخلقه؛ 
ونسهل له الزواج. 

ولكن الناس يقولون. هل هذا ممكن في هذا العصر؟ نعم إنه ممكن. 
وأنا فعلته. إن عندي حمس بنات» فل] جاء الخاطب الذي يرضى دينه وخلقه. 
قلت له: خذ وامش. كتبت مهراً كبيراً وم آخذ منه شيئاًء و أدع العادات 
تستعبدني» بل كنت أنا الذي أستعبدهاء وم أترك النساء يتحكمن في الأمرء 
بل حكمت الشرع أولاً ثم العقل والمصلحة؛ ول أندم على ما فعلت ولا ندمت 
البنت. 

ومن الآباء من يدع ابنته تخرج سافرة يراها كل من يمثى في الطريق حق 
الحمير. . . فإن أراد الخاطب أن يراها الرؤية الشرعية؛ نادى: يا للحجاب» 
ويا للديانة» ويا للعادات! 


لقد سددنا أمام الشباب طريق الزواج المشروع, وفتحنا السدود التي 
أقامها الشرع أمام طغيان الغريزة وخروجها عن مجراها . 

وضع الشرع سد الحشمة والتصون. فقالوا: ماذا؟ أنعود إلى الحجاب. 
ونرجع إلى الوراء؟ 

فسكتناء فانكسر السد الأول. 

ومنع الاختلاطء وقال: ما خلا رجل بإمرأة إل كان الشيطان 
ثالنهم|. فقالوا: ما هذه الرجعية؟ ما هذا الاحتقار للمرأة» وسوء الظن بها؟ 
أتحرم المرأة من حريتها؟ أنتم أعداء المرأة. قلنا: يا جماعة ما نحن والله أعداء 


فيل 


المرأق» نحن والله أحباؤها؟ نحن المدافعون عنها المحافظون عليهاء نحن نحميها 
من عدوان الرجل ومن ظلم المجتمع . 

فلم يصدقونا وخدعما المرأة فلم تصدّق أننا نحن أصدقاؤهاء وتركرها 
تنفرد به وحدهاء في عيادة الطبيب حيث تكشف جسدها للفحص, وفي مكتب 
المحامي حيث تكشف نفسها لشرح القضية» وني محزن التاجرء وني السيناء 
وفي المصيف, وفي الجامعة, وني السفرء وفي الحضر, وفي الملعب. وعلى 
الشاطى»! . . 

وقالوا: هذه هي المدينة» فانهزمنا وانكسر السد الثاني . 

وكان السد الغالث خوف الفضيحة» فانقلبت الحال حتى صار الشاب 
الفاسق يفخر بفسقه. ويسرد حوادث فجوره. بعد أن كان يتوارى ويستثرء 
وتجحد إن سئل وينكرء وصارت القصص الماجنة مباحة لكل قارىء تصور 
أفظع حوادث الجنسء بريشة المصورء أو بقلم الكاتب» يقرؤها الشاب والشابة» 
والأفلام (ولا سيما العربية مع الأسف) تعرضها لمن لا يقرؤها. . . 


فانكسر السد الثالث. 
ينادون بأعلى أصواتهم , أن لا تخافوا الأمراض يا أبها الفسّاق». فإن عندنا 
البنسلين والستربتوميسين والتيراميسين؛ وكل ما تصيبكم به المحرمات من 
مرضء نحن نزيله, فأقدموا ولا تخافوا. . . 

فأقدموا وما خافوا ؤانكسر السد الرابع . 

وكان السيد الخامس» هواخحوف الحكرمة» لما كانت الحكومات تأمر 
بالمعروف وتغبى عن المنكرء وكان الحكم بالشرع. فأخذنه قانون العقوبات من 
فرئسا. من البلد الذي دمره الفجور حتى وطئته تعال الألمان فاتحين 


1١2 


ثلاث مرات , خلال سبعين سنة! ونصصنا في قوانينا (انظر قانون 
العقوبات) على ما يشبه الإباحة للزناء ويمنع الادعاء على الزاني إلا من قبل 
الزوجء فإن رضي فلا ادعاء ولا عقاب, وجعلنا عقوبة الزنا بين الأم والولدء 
وبين الأب والبنت» أقلّ من عقوبة السرقة الموصوفة ولوكانت سرقة 
عشرة دنائير. . 

وسكتناء وسكت العلماء والمفتون» والنواب والحاكمون» وانكسر 
السد الخامس . 

وكان أقوى السدود وأمتتها خوف الله وخحشية جهنم, فأبعدنا الناشئة عن 
التربية الدينية» وأنسيناهم خحوف الله وخشية جهنم » ول يعد الشاب الجديد 
يعرف طريق الجامع إن كان مسلياًء ولا الكئيسة إن كان نصرانياً. 


فانكسر أقوى السدود. 

ثم قلنا للمغويات: انطلقي. فانطلقت. وصارت الرأة تمي في الطريق 
على صورة؛ تستحي قبل أربعين سنة أن تخرج با أمام أبيها وعمها في الدارء 
إي والله العظيم؛ مع أن دين الإسلام» ودين النصرانية» وكل دين في الدنيا 

صحيح أوباطل يحرم على المرأة أن تكشف الأعضاء التي تثير الفتنة أمام الأجنبي » وقد 
وجدت على باب كنيسة في القدسء إعلاناً للنساء المسيحيات المصليات» يملع 
دخولهن الكنيسة إلا بالكم الطويل» والوشاح الذي يستر الشعرء والوجه الخالي 
من الأصباغ . 

وما زالت المرأة تقصر من ثوبها من هنا إصبعاً, ومن هناك إصبعاً. حتى 
إذا وصلت إلى ساحل البحر لم يبق منه شيء! 

هذه هي الحال» فها ذنب الفتاة؟ 

ما ذنبها؟ بل ما ذنب الشاب وقد وجد الغريزة قوية في نفسه .والزواج 
متعذراً أو متعسراً. والسفاح سهلاً ولذيذاً» والمغريات والمغويات من كل جانب؟ 


6١ 


وكيف تريدون أن يصبر ويقاوم؟ 

وكيف تريدون أن ينصرف إلى درسه وكتابه؟ 

إنها مشكلة ينبغي أن تجتمع على معالجتهاء الحكومات» والشعوب ورجال 
العلم, ورجال القلم؛ والجمعيات النسائية. اللجمعيات النسائية على 
التخصيص » لأن الخطر فيها على البنت. والضحية هي البنت» وهذه الجتمعيات 
أولى بالدفاع عن النساء المظلومات . 

وإذا فسدكت اليوم بنت صاحب الكتاب» فالفساد ماش إلي وإليك؛» إلى 
بيي وبيتك » إلى بنثي وبنتك» إنبا النار تمي في الدار» ونحن قاعدون نتفرج ح 
لا نحاول إطفاءهاء بل نحن نلقي البنزين عليهاء ونأمل ألا يمسنا الحريق . 

فكيف لا نحترق ونحن نضع البنزين فوق النار؟ 

كيف؟ كيف يا أبها العقلاء؟! 


نع كن 


يحل 


هذا هدو العسدواء 


فح 1111 1 [؟ 1 1[دتااا00ا 06068686120 0 0 :606 2-0-7-6 ل ٠-ل772يبيل‏ ملسا 


شرت سئة /1ه9١‏ 


قرأ الناس مقالتي في العدد الثالث من «المسلمون»» فكتبوا إل يقولون: 
هذا هو الداء» عرفتاه؛ فها الدواء. 

والدواء قريب مناء سهل عليناء» ولكن الناس يدعونه ويذهبون في طلبه 
أبعد المذاهبء. فمن ماض إلى أقصى اليسار» يرى الإصلاح كل الإصلاح؛ في 
فتح بيوت للبغاء العليي حنج لذلك بأن (الكبت) هوالذي يدفع إلى هذه 
المنكرات التي نراهاء وأن البغاء شيء لايخلو منه زمان ولا مكانء فلأن يكون 
منظيأً وأن يكون بنظر من الحاكمين؛ خير من أن يكون فوضى وأن يكون 
مستتراًء ولأن فتح هذه البيوت ينقي البلد وينظفهاء كمن يعمد إلى علبة 
فيجعلها لأقذار داره, وِلَقَي أهلهء كيلا تنتشر هذه الأقذار في الدار» وتدخل 
كل بيت فيها. 

ومن ذاهب إلى أقصى اليمين لا يرضيه إلا أن تعود الفتاة اليوم إلى مشل 
ما كانت تخرج به جدتها من نصف قرنء إلى الملاءة المزمومة أو الأزار الأبيض» 
ولا يحسب للواقع ولا للزمان حساباً» ويرى الطفرة في الإصلاح. مع أن الطفرة 
مستحيلة» وهذا الفساد ما جاء في يوم واحد. حتى يذهب في يوم واحد. بل إن 
النساء ما فنئن يقصّرن الثياب أصبعاً أصبعاً. حتى بلغن بها ما نراه اليوم» وأنا 
لاأكره الحجاب السابغ, ولكني أحب لمن يتصدر للاصلاح أن يتكلم من 
الأرض لا من رؤوس المآذن, وأن يرسم الطريق الموصل للإصلاح العمل 
الممكن» لا أن ينظم القصائد الخيالية في تمجيد المثل العليا. . 


1١1 


أما فتح بيوت الزنا فالجواب عليه من وجوه. 

أولها: أن الزنا شر كالقتل والجرح والسرقة, وليس في الدنيا عاقل يراه 
خيرأًء فإذا جاز أن نفتح له بيتاً نبيبحه فيهء بحجة أنه لا يخلو من الزنا زمان 
ولا مكان» فلماذا لا نعمد إلى حي من الأحياء» أو قرية من القرىء فنعلن أن 
ولا مكان؟ 

الثاني : أننا لو قلنا بأن الزنا ليس كالقتل» لأنه يتم بالتراضي بين الفاعلين 
والقتل والجرح لا يكون إل قسرأء ولوذهبنا مذهب من ييز إتيان هذا المتكر 
وفتحنا هذه البيوت» لكان من حق كل شاب أو كهل أن يدخلها إن شاءء 
لا سبيل إلى إباحتها لزيد منهم ومنعها عن عمروء وإذن يجب أن نجعل في كل 
بلدة من البغايا عددا يكفى ما فيها من رجال. 

فإذا كان في القاهرة مثلا مليونان ونصف مليون من الناس(2©, فإن منهم 
أربعمئة ألف رجل على الأقل. ولبس يكفي هؤلاء إذا أرادوا دخول هذه البيوت 
أقل من أربعين ألف بغي, فما رأيكم في أن يكون في القاهرة مثلاً أربعون 
ألف بغى؟ 

ومن أين ناتي بها إل أن نخري أربعين ألف أسرة» وأن نجلّلها بالعار؟ 
أو أن نستورد من كل أمة ساقطاتما ومومساتهاء يأتين معهن بأمراض أجسادهن 
وأمراض نفوسهن» ويأخذن بها مالنا وشرفنا وديننا . 

الثالث : أننا لو وفقئا' في فتح هذه البيوت» وجمعنا فيها ما نحتاج 
إليه من البغاياء لاكتفى الشباب بها عن الزواج» وكسدت بنات البيوت وبقين 


)١(‏ زادوا الآن عن العشرة. 


ل 


0 هن أديرة تتسع لفن جميسأء ونسوتهن جيعا لبهاء ليكن 
من الذكور؟ 

ولا تستبشعوا هذا الوصف, فليس الذنب ذنب الطبيب الذي يصف 
المرض الفظيع صادقاً» بل الذنب ذنب المرضء وإذا كان الوصف بشعاًء فإن 
الواقع الموصوف أبشع ! 

نيز يذ نا 

تقولون» فا العلاج عندك؟ 

العلاج عندي على مراحل» ذلك أن المجتمع يقاسي الآن مثل الام النوبة 
المرضية (الكريزة) فالمرحلة الأول لوقف النوبة» والثانية نع عودتمهاء والشالثة 
لإذهاب المرض » والرابعة للوقاية من رجعته بتهوية ة الجسم وتحصينه. 

فالمرحلة الأولى في محاربة نوبة الدعارة التي وصفت لكم مظاهرهاء 
وأريتكم آثارهاء وذلك : 


أولا : بتقوية جهاز الشرطة الأخلاقية وتنظيمها وتمكينها من العمل لأن 
الشرطي هوأول من يستتجار به إذا كانت الجريمة ‏ وأول من يلتفت إليه ويبحث 
عنه. فإن كان الشرطي مفقوداً أو كان غائياً: أوكان مقيداً لا يستطيع أن يصنع 
شيئاً ٠»‏ م يبق مانع من الجريمة» ولا وازع للمجرم. ْ 
ولقد طالما شكا إليّ رجال الشرطة الأخلاقية؛ من أنهم يعرفون أرباب 
الدعارة» وبيوتباء ولكهم لا يستطيعون أن يعملواشيثاً لآنه ليس لديهم قانون 
وازع دادع» وأنهم يقبضون على المرأة الفاسدة, فلا يملكون لها شيئاً. إلا أن 
تكون مريضة؛ فيعالجوها لتبرأ فتعاود الفساد ويطلقوها تفسد وتفسد ولكن 
تحت المراقبة» أي أننا نغسك اللصء. فنقول له: لا بأس أن تسرق» ولكن اقعد 
في مركز معين واسرق بعلمنا ورأينا 


وعمل رجال الشرطة الأخلاقية صعبء صعب جداً لأنهم أمام إغراء 
بالجمال وإغراء بالمال. ويحتاجون إلى إيمان الصّديقين» وصبر الشهداء ليقاوموا 
ويصبرواء لذلك يجب أن يختاروا ما أمكن من الكهول المجربين؛ أصحاب 
الخلق والدين, وأن يعطوا تعويضاً ضخماً فوق الراتب؛ ومهما| أخذوا فإنهم 
الخباسرونء لأنهم في موقف امتحان فظيع وأن يزاد عددهمء وأن يكون في 
يدهم سلطان يحاربون به الدعارة» ومن ورائهم قضاء لديه قانون صارم يمكنه 
من عقوبة لصوص الأعراض مثل عقوبة لصوص امال» ومن نخان منهم أمانته: 
بعد التعويض الكبير والرعاية كان أيسر عقوبة له الطرد من الوظيفة . 

وهنا نأي إلى القانون» فإئه لا بد من تعديل قانون العقوبات تعديلا 
يرضي الله ويصلح الآمة ويمنع الإجرام »وذلك هو العَّقّار الثاني لتوقيف نوبة 
المرض وتخفيف الامها. 

العمّار الغالث: القضاء على الدعارة السرية؛ الى استفحل شرهاء وعظم 
ضرهاء واسئترت بكل لباس» فالبيوت الفاجرة تختفي بين البيوت الفاضلة في 
الأحياء الكريمة» والبغايا الفاجرات بلبسن ثياب الفنانات (الأرتستات), 
والسيارات تحمل في الليل هذا الشر إلى الشوارع البعيدة المظلمة. وأطراف 
البساتين» وفي محازن التجارة والعيادات والمكاتب خلوات فساد., وربما اتخذت 
المرأة الفاجرة زي الفتاة الطاهرة؛ فزعمت أو زعم صاحبها أنها سكرتيرة 
أو موظفة أو ممرضة وما هي إلا بخي . 

يجب وجوباً لا هوادة فيه. ولا تراخخي : أن تشن حملة كاسحة ماسحة على 
الدعارة السرية» وعلى من يسخر نفوذه وقوته لحمايتهاء ممن يرتادها ويستمتع 
بلذة الإثم فيهاء وأن لا تقبل فيها وساطة ولا شفاعة؛ ولا يعرض لا تسويف 
ولا تأخير. 

ومبذه العقاقير الثلاثة» نوقف النوبة (الكريزة) . 


* # # 


ال 


أما منع تكرارها فيكون بالمرحلة الثانية من العلاج . 

يكون بالقضاء على المغريات والمغويات . 

وأوطا: السيناء والسينا في كل بلاد الناس تراقب أفلامهاء ويمنع الفاجر 
منهاء وهم أفلام للأطفال» وأفلام للمراهقين»؛ ولا يسمحون بأن يرى الصغار 
والكبار الأفلام كلها على السواء . 

أما نحن فلسمح للصغير والكبير, وللمراهق والمراهقة» أن يرق هذه 
الأفلام الخليعة التي تفسد الرجولة» وتضيع الأخلاق. 

فلماذا لا نقلد الإفرنج إلا في الشر؟ لماذا لا نقلدهم في الخير؟ 

هذه السينما هي رأس الشرور» وأس البلايا. 

والثائية: هذه الروايات وهذه الكتب» التي تباع علناً مع الجرائد 
لا يراقبها أجل ولا يحاول أحد أن يعرف ماذا فيهاء لاوزارة المعارف». ولا غير 
المعارف» ولا الممتي ولا البطرك. مع أن الواجب على رجال الدين» وعلى رجال 
التعليم» وعلى أرباب الأقلام» أن يشرفوا عليها وأن يحاربوا الشر الكامن فيها. 

من روايات أرسين لوبين». ومن الكتب التي تنشر باسم الثقافة الجنسية, 
أو الروايات المترجمة» وفيها جميعاً جرائيم الطاعون الذي يذهب بالرجولة 

حجى المجحلات» إن ْ هله المجلاات المصورة طامات وبلاياء وماأفسد 
هله الآمة شيء. كا أفسدتها هله المجلات , 

والثالث: هذا التكشف بل هذا العري في الشوارع والأسواق. لقد صار 


يفل 


لا يسترهما شىء إلى الكتف, مع أن الشرع والعقل والمدنية كل أولئك يدعو إلى 
فرض لياس الحشمة» الذي لد يبدي ما أمر الشرع ستره ) ومنع التكشيففب 
والاختلاط. ولا سيها بين الشبان والشابات . 

ولو إنا جنّدئا لمحاربة الدعارة آلافا مؤلفة من الشرطة» ووضعئا لردع 
الفاسقين, أقسى القوانين» لما أفادنا ذلك شيئاً مع هذه المغريات» إننا ننظف 
الأرض ولكننا نترك السقف مثقوباً يقطر منه الوكف (الدلف) فلا تنظف الأرض 
أبداً. . . نداوي المرض ولكننا نعود فنعطي المريض جرائيم الداء مع الدواء! 

ل ا نا 

أما الذي يعالج المرض» ويستلّه من مكمنه. ويقطع أسبابه فهو الزواج» 
وكل ما ذكرت لكم الآن. إنا هو علاج طارىء. يقطع النوبات المؤفلة. وبملع 
تجددهاء وهذا هو العلاج الحقيقي . 

لا تضحكواء وتقولواء ولكنك قد اعترفت أنت بصعوية الزواج. فكيف 
تعود إليه فتصفه؟ 

أنا الآن طبيب» ووظيفتي أن (أشخّص) المرض وقد شخصته في تلكم 
المقالة.» وأن أصف الدواءء وهأنذا أصفه اليوم. علي أن أقول. إن المرض 
هوالملاريا مثلا ودواؤه الكينين» فإذأ أخفى الصيادلة الكينين» أو رفعوا ثمنه. 
أو أضربوا وأغلقوا صيدلياتهم في وجوه المرضى» فليس يلام الطبيب» ولكن 
تلام الحكومة الى تدعهم يتلاعبون بصحة الناس . 

ولست أعني الصيادلة ولا الحكومة ولكن هذا مثال. 


الدواء الزواج. وعلى الحكومة أن تؤلف لجنة من أهل الخبرة 
والاختصاص لتعمل على درس مشكلة الزواج» وتبحث عن طرق تيسيره؛ 
وليس ذلك مستحيلاً: وقد ألّفت لجنة لذلك مرة» وكنت أعددت لها مشروع 
قانون (تسهيل زواج) لعلّه لا يزال موجوداً بين أوراقي» ويتضمن بعث حملة 


١4 


للترغيب في الزواج في الصحف وعلى المابر» وإصلاح عاداته؛ وتقليل تكاليفه. 
وتحديد المهورء وزيادة التعويض العائلي» وإلزام كل موظف من المرتبة السادسة 
فا فوق بالزواج» بجعله شرطاً للدخول في الوظيفة» وفرض ضريبة على العزّاب 
عمن يقدر على الزواج ويمتنم عنه بلا عذرء وتعديل برامج التعليم في المدارس 
الثانوية للبنات بحيث تخرج زوجات وأمهات,. لا أن تدرس البنت ما يدرسه 
الشاب نفسه بلا تبديل ولا تغيير» إلى اخخر ما يخطر على البال في هذا الموضوع . 

وأنا أرى أن تؤلف هذه اللجنة من ممثل واحد عن كل من دائرة الفتوى 
والأوقاف والمحافظة ووزارة المعارف ووزارة الداخلية ووزارة الصحة والقضاء 
الشرعي وكلية الطب وكلية الآداب ووزارة المالية معهم بمثلان للمجلس 
النيابي ومن يرى إلحاقهم به وضمهم إليهم . 

وعلى من يبتم بأمر بناته وأبنائه وأخملاق البلد وصحته؛ أن يعمل 
ما استطاع على تحقيق تأليفها. 

وكل ما نصنعه لإصلاح هذا الفساد الخلقي» ومحاربة الدعارة؛ باطل في 
باطلء إذا إذا لم يكن معه تيسير الزواج» وإذا أنت وجدت رجا جائعاًء وأمامه 
انوع الأطعمة في واجهات المطاعم » وأردت أن لا يسرق منباء فعليك أن تقدم 
له بدلا عخباء عليك أن تشبعه فإذا تركته جائعاً» تنبش شهرة الطعام أحشاءه: والطعام 
أمامه» وألقيث عليه مئة خطبة وموعظة كان ذلك كله كلاما فارغاً. 


واللَهُما سدّ باب اذأف إل جب بيه واحزم شين أحل في نايت 
فإذا منع المجتمم الجلال 58 عمد الشبان والشابئات إلى 0 0 


فنا يا نا 


)١(‏ وهو اليانصيب» هو بذاته. 


1.8 


أما القسم الرابع من العلاج وهو الذي يقوي الجسدء ويعطي المناعة» 
ويضمن الوقاية من العودة إلى المرض» فهو تربية النشء على خوف الله؛ وعلى 
الأخلاق الفاضلة وعلى النفور من الرذيلة» وليس المهم أن تدحل الدروس 
الدينية في الامتحان أو لا تدحلء بل المهم أن نحسن اختيار المعلمينء أعنى 
معلمي الدين» وأن يكونوا من ذوي القلوب» ومن المتمسكين بالدين حقاء فإن 
المدرس الذي يأمر بالخير ويخالفه. والذي يكلب فعلّه قولّهى والذي يدع و إلى 
الآخرة وثمه الدنياء هذا المدرس شر مركب . 


هاتوا المدرس العالم العامل ذا القلب الحاضر ولا يهمني بعدء هل دخل 
الدين 5 الامتحانات العامة أم لا ودليلٍ أن المدرس الذي يكون 5 الجامع , 
ويبلغ من نفوس الناس أعظم المبالغ. ويؤثر فيها أعمق الأثرء ليس لديه 

ولا يفهم من كلامي أي لا أرى دخول درس الدين 5 الامتحان. 
ل وأنا أصرٌ على دخوله وعلى زيادة ساعاته(2, ولكن الأصل المعلم لا الهج 
ولا الكتاب ولا الامتتحان. 

وإذا نحن حاريئا الدعارة. ومئعنا المغويات» وسهلنا الزواج» وم نجد 5 
النفوس : خلقاً وديئاً لم يفدنا ذلك كله ونخن نرى في المتروجين ومن لهم الأبناء 
والبنات» مَنْ هم مِنَّ الفسّاق» لم يمنعهم الزواج حين لم يمنعهم الخلق 
ولا الدين. 

# ا 


)١(‏ والواقع أنه ليس عندنا شيء اسمه علم الدين» بل علم التوحيد وعلم الحديث وعلم 
التفسير وعلم التجويد وعلم الفقه ‏ فيجب أن يكون لكل علم الساعات الكافية 
لتدريس مواده: إنها علوم مختلفة وإن جمعها اسم اللدين, كما يجمع الحساب والجبر 
والهندسة والمثلشات اسم الرياضيات ويجمم الكيمياء والفيزياء والطبيعي اسم 
الطبيعيات والنحو والصرف والبلاغة اسم العربية. 


١6 


خحوف الله هو الأصلء» فإن ذهب لم تسد مكانه الأخلاق ولا القوانين» 
لأن القانون يبقى ما بقي الشرطي فإذا أمنت أن يراك الشرطي لم تبال بالقانون. 
والأخلاق تبقى ما بقي الناس», فإن لم يرك الناس لم تبال. بالأخلاق. 

هذه هي الحقيقة» فلماذا نكتمها ونفرٌ من الاعتراف ببا؟ ٍ 

إن النفوس فطرت على العمل ابتغاء المنفعة فمن من الناس يكون جائعا 
وليس معه إلا قرش واحدء فيضعه في صندوق الصدفات حيث لا يراه أحد 
ولا بطلع مخلوق. ويبقى بلا طعام؟ 

أنا أقول لكم . من! 

المؤمن» المؤمن وحدهء هو الذي يصنع هذاء يصنع أكثر منه لأنه يعتقد 
أن الله يعطيه بدلا من هذا القرش أضعافاً مضاعفة» ويعوّضه عما حمل من الام 
الجوع لذائذ ليس لما حد(ا2. 

المؤمن الذي يخاف الله هو الذي يفعل الخير دائياً» ويمتدع عن الشر 
دائياًء سواء أكان وحده أم كان مع الناس» لأنه يعلم أن الله معه دائيأ» ومطلع 
عليه في كل وقت. وأن مايفعل من الخيرء وما يدع من الشرء لن يذهب 
سدىٌّ» بل هو سيجد مكافآته عاجلاً أوآجلا. 

وإذا ذهب خوف الله من النفوس» لم ينفع بعده شيء. 


لا تنتهي الأنفس عن غيّها ما لم يكن منها لهازاجر 


ين ين 


)1( هذه هى فطرة البشر الي فطر الله الناس عليهاء ومايروونه عن رابعة وغيرها من 
المتصوفة من عبادة لله لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته. دعوى لا دليل عليهاء والله 


١6ؤ‎ 


ارسي 


30 
ع ب 
أذيعت سئة ١95٠‏ 


حديث اليوم انتقاد للإذاعة؛ فهل سمعتم بأحد يتحدث في الإذاعة فينقد 
الإذاعة؟ 

نعم» فلقد كانت محطة الشرق الأدنى قديماً. تأتي بالأدباء لينتقدوا 
برامجهاء وتدفعم إليهم على ذلك الأجر الحزيل» لأنهم يخدمونها هذا النقد 
وينفعونهاء وإذاعتنا الوطنية أولى مهذه الفضيلة» من تلك الإذاعة الإنكليزية. . 

وأنا لا انتقد القائمين على الإذاعة الآن. لاء وإِنّ أخانا الأمير يحيى 
بالذات» بل هو نقد عام لبرامج الإذاعات العربية كلها. 

ذلك أنما لا تجد ما تذيعه إلا هذا الغناء»؛ تغنى من الصباح إلى الليل» 


أهو شعر عامى ؟ أعوذ بالله ! 


(1) هذا العنوان بخط المؤلف. 


١٠6 


أهو زجل رفيع؟ أعوذ بالله مرة ثانية! 

هل يسجل حالة من حالات النفس؟ .هل يعرض وضعاً من أوضاع 
المحبين؟ هل يصور محلى من مالي الطبيعة؟ هل يهزٌ سامعه, هل يسمو بخياله. 
هل يحرك عاطفته؟ 

هل هوفن» نقبله من أجل الفن؟ 

هل هو توجيه؟ هل هو للوطن؟ 

إن أكثر ما نسمع من ألفاظ الأغاني ليس في شيء من ذلك كله 
ماهوالا كلام عامي ساقطء لا معنى فيه ولا مببى» وإن ثقله وغثائته وبرده 
وسماجته يفسد حلاة النغم الحلى إن كان معه نغم حلوء وأن؟ إن اكش 


الأنغام اليوم مستكره ثفيل . 
أقول أكثرهاء لا كلهاء لأن من الإنصاف أن نقرر أن في الأنغام 


ولا أدري لماذا لا يغني جماعة هذا الفن الجديد كما يغني الناس! 

لاذا لا ينطلقون بالغناء على سجيتهم . 

إن العلم يكون عالمياًء لأن طرق التفكير واحدة في الأمم كلها أما الفن 
فلا يمكن أن يكون عالياً أبداً» إننا يستحيل أن نطرب لأغاني الأفرنج» كما 
يستحيل أن يطربوا لأغانيناء ولكنهم يصرحون بذلك لقوتهم وشعورهم 
بانفسهم» وننكر ذلك ونتظاهر بضده لشعورنا بالضعف, هذا الشعور الذي 
وضعره في نفوسنا في أوائل هذا القرن. والذي حاولنا الآن أن نبرأ منه وتتخلص 
من بقاياه. 

فلماذا يقلد جماعة المغنين أوربة في غنائها؟ 

ويا ليتهم يقلدونها ويأتون بفنها ا هوء فلا يفسدوا الفنين» ويزوغوا عن 
الطريقتين. ويأتوا بشىء لا شرقي ولا غربي » ولا شمالي» ولا جنوبي . 


يل 


كنت راكباً في الباص من أيامء فخطر على بال السائق الطرب ففتح الراد 
ووضع الراد في الحافلات عادة شئيعة لا أدري متى تبطل ‏ فإذا رجل. يمخرج 
صوتأ عجيباء لا يشبه أصوات بني ادم. صوت كأنه صوت مختنق يطلب النجدة 
ثم يمنعه الماء قُ فمه أن يفضصح أويبين» أو كأنه صوت امرأة أخذها الطلق, 
أوكأنه صوت دجاجة علقت بها البيضة فلا تحرج ولا ترجع. وسألت جاري 
مدهوشاً: ما هذا؟ 

قال: هذا فلان (واحد من المغنين المشهورين) يغني ‏ يقول: أه. 

فلم أصدق» حتى جاء بأربعة شهود من ركاب (الباص) فشهدوا أن هذا 
الصوت الغريب» هو غناء مغن يقول: أه. 

ونظرت فإذا هذه ال (اه) قد خرج ربعها فكان على لسانه. وربعها علق 
زيت خروع . 

فقلت: ولاذا لا يغنى كما يغنى الناس؟ 

قالوا: هذا هو الفن الحديد. 

قلت : لعنة الله على هذا الفن الحديد. 

أين هذا من آهات صالح عبد الحي وعبده الحامولي؟ 

أين هذا من غناء الأمس؟ 

اسمعوا برنامج نشوة الماضي إن كنتم لا تعرفون تلك الأغاني, ثم الظروا 

بين ذلك الانطلاق وتلك الحرية. وذلك الطبع وبين هذا التكلف وهذه 
القيود وهذه الحشرجات . 


غ16 


على أني لا أمدح أغاني الماضي فأكثر كلامهاء كلام فارغ أو بذيء» ولكن 
أذكر هنا النغم» فإن لم يكن بد من الغناء. فمثل هذا. . 

وإذا أردتم أن تطعموا ألحاننا بألحان الإفرنج» فاصنعوا كما صنع سيد 
درويش على الأقل» أما هذا ال (قرف) الذي نسمعه من ذلك المسخ | الذي 
اسمه (فلان) » وأمثاله من عجائب المخلوقات الذين لا نعرفهم رجالا هم 
رجولة الرجال» ولا نساء لهم أنوثة النساءء ولا ندري ماهم. مانراهم 
إلا مخانيث, أما هذا فثىء لا يطاق . 

أين الملحنون الفحول؟ 

أليس من العيب أن نجيء إلى نشيد (الحمد لك والشكر لك) فلا نجد له 
ِل هذا اللحن المائعء من هذا الحنك المرخيء وهذه الرجولة المزورة» 
فيمسخ النشيد من نشيد الرجولة الشاكرة العامدة إل . كاه بق لسان 
فأقول الكلمة التي لا يقال هنا غيرهاء ثم ذكرت أني في أتكلم في الإذاعة, وأنه 
لا يجوز أن يقال فيها ذلك الكلام . 

وما لنا وللغناء الإفرنجي؟ حضرت مرة فليا غنائياً في السينم| يغني فيه 
رجال ونساء مجتمعين, ويصرخون فيه ذلك الصراخ فا شبهتهم إلا بقطتين 
وكلبين» ربطتها جميعاً. ثم دست على ذنب القط مرة» وعلى ذنب الكلب مرة 
فصرخا معأ فكان هذا الغناء الإفرنجي . 

أنا أعتذر إلى من يدفعه التقليد إلى الغرة عمل هذا الغناء؛ فإن هذا 
وأنا رجل لا أذ فهم الموسيقى الفرنجية فم| أصنع 

ا فتحث الراد مرة» وقلا افتحه, ست أسوات آلات متنافرة. 
فقدرت أن الفرقة تصلح آلاتها (تدوزنها) قبل العرف. وقلت, في نفسي, اذا 
يذيعون (الدوزان)؛ فل) انتهواء قال المذيع قدمنا لكم السمفونية كذا لبتهوفن. 

حسبتها والله دوزان آلات» وكل السامعين من أهل الشام ما عدا ثلاثمئة 
وأحد عشر رجلا في سورية كلهاء لا يفهمون منها أكثر نما فهمت وكنت أناقش 


١6 


أحد المدافعين عن موسيقى الغرب مرة» فقال بأن فهم هذه السمفونيات يحتاج 
إلى علم خاص . 

قلت: قاتل الله موسيفقى لا تفهم إلا بعلم خاص » أهذه موسيقى ؟ 
إنها مسألة رياضيات. 
وسمعته. وطلبت إليه أن يعد حديثاً آخر موضوعه (كيف نفهم حديث 
السمفونيات) لأني ل أفهم شيئا مما قاله. 
الأطضرش والأخرس» وتلك الي لما مثل صوت القطة ولا أدري مااسمها. 

وإذا كان الغناء الدائم يعجب ناساً فإن آخرين ينزعجون منه. 

إنهم يلون هذا التكرارء لقد قلت عشرين مرة؛ إننا نسمع الأغنية الحلوة 
فنطرب لحاء فلسمعها الثانية فنلتذ مهاء والثالثة فنستريح إليهاء فإذا سمعناها 
الرابعة والخامسة» والحادية والستين بعد المئة طلعت أرواحنا منهاء نخد الفقير 
الذي يرى البقلاوة عند البياع فيشتهيها ويتمى أن يأكل قطعة منباء فاحسبه في 
غرفة عشرة أيام لا تطعمه فيها إلا البقلاوة» فإنه يتمنى أن يتخلص منها إلى 
الزيت والزعتر. , 

فلماذا لذ تهىء الإذاعات بخبراء من علماء النفس فتسأهم عن طاقة 
الإنسان كم مرة تحتمل ترداد الأغنية الواحدة؟ 

والطريقة سهلة. تضعون هذا الخبير وحده» وتغلونه إ(على العصفورية) 
كل ساعة مرة. مثل العلاج الذي يعطى منه فنجان كل ساعة. وتنظرون متى 
يكسر الباب» ويخرج رأسا إلى العصفورية. 

تقولون: ما العمل؟ 


١05 


ياسادتي. إن الإذاعة جعلت لرفع المجتمع إلى حياة أسمى لا لإقراره 
على حياته التي هو فيها. 

وليس” المطلوب منها اللذة فقط بل اللذة والفائدة وهناك فوارق مالية 
واجتماعية بين الناس يجب أن يعمل على إزالتها أو تقليلهاء وهنالك فوارق 
برنايجاً للخاصة, وبرنامجاً للعامة» وبرنامجاً للعامة, وإذا كان في ذلك كلفة 
فقللوا وقت الإذاعة فليس من الضروري أن تشتغل الليل والنهار لا تستريح 
ولا تريح . ولا تنام » ولا تنيم . 
الإذاعة هذه الأمور كلهاء وإذا كان الغناء للقلبء فليس معنى هذا أن نغني 
دائياء إن الإنسان كا قالوا: حيوان ناطق ع وليس حيوانا مغنياء ما في الحيوانات 
ما يغني دائم)| إلا الصرصورء فهل نحن صراصير؟ 


وبعد فلعلى ما آذيت مبذا الحديث إلا من يستحق الإيذاء» ولا تؤاخذوني 


فإنها شكوى. 
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع 


4 ا 


صور دمشقية سوداء من ربع قرن 


1 1 ذا ذأ تا اا ااا مايا1 ا كلمج ص ص | ||| |م|] 


نشرت سنة ه917١‏ 


ذهبت أمس إلى المدرسة الأمينية0», وهي المدرسة الإسلامية التي 
انحَطمّت على جدرانها ثمانية قرون وهي قائمة» وماتت من حوفا ثمامثة سنة 
وهي حيّة» ونشأت دول وانقرضتء وبدئت تواريخ وختمت وتبدلت الأرض 
وتغيرت» وهي ماضية في سبيلهاء عاكفة على عملهاء قد انقطعت عن الأرض 
من حوطاء واتصلت بالسماء من فوقها فعاشت في سماء العلم والناس يعيشون في 
أرض المادة. . 


أو دارسين بتلاوة» وإذا في كل فصل من فصوفا رهط من التلاميذٌ» متفرقون في 


. الأمينية: قبل باب الزيادة المععروف بباب القوافين من أبواب الجامع الأموي‎ )١( 
وهو شرقي المجاهدية جوار قيسارية القواسين بظهر سوق السلاح» وكان به بابها (وبابها‎ 
اليوم من سوق الحرير) وتعرف هله المحلة قديما بباب القباب» وهناك دار مسيلمةبن‎ 
عبد الملك: قبل إنما أول مدرسة بنيت بدمشق للشافعية» بناها أتابك العساكر الملقب‎ 
54١ بأمين الدولة ربيع الإسلام أمين الدين كستكين بن عبد الله السفتكي المتوفى سنة‎ 
إلخ. . . قلت: وجاء ذكرها في ترجمة الغزالي في طبقات‎ 0١4 وقد بنيت المدرسة سنة‎ 
السبكي لما زار دمشق» ودرس بها ابن نخلكان وغيرهء وكان لما شأن بين مدارس دمشق‎ 
كبير. جدد عمارتها واستمخلص بعض ما سرقه منها الجيران وجعلها مدرسة ابتداثية مدة‎ 
. 190 أربعين سنة الشيخ شريف الخطيب قلت: وقد توفي رحمه الله سئة‎ 


١6/4 


زوايا الفصل» لا تنفرج شفاههم عن بسمة السرورء ولا تلمع عيونهم بسريق 
الجذلء وإذا الأستاذ صاحب المدرسة قابع في غرفته, يفكر حزيناً» وينظر 
آسفاً وهوالذي م يأل العمل جهداًء ول يسىء بالله ظنا » فلما راني قام إِليّ 
يحدّئني عن المدرسة, ويعلمني علمها. فإذا المدرسة قد زلزلت في مطلع هذا 
العام المدرسي» لآن الناس قد مالوا عن المدارس الإسلامية وزهدوا فيهاء 
وزاغوا إلى المدارس الأجنية وأآقبلوا عليهاء وضنوأ على مدارسنا بديئار واحد في 
العام ليمنحوا تلك ثلائة أرباع الدينار في الشهر. 


وأفاض الأستاذ في البيان. حتى امتلات نفسى حَرّناً فخرجت حزيناً 
فمررت على (الكاملية)07) فإذا هي في خطب أشدّء ومصيبة أفدحء فجزت 
ب (الجوهرية)(" فإذا هي ماتت بعد شيخ الشام» الشيخ عيد السفرجلاي» 
وإذا فيها بنات يقرأن ويصحن ويلعبن؛ فسلكت على (التجارية)29 فإذا دارها 
الكبيرة في زقاق الفخر الرازي خلاء قواء وإذا همي قد انقلبت إلى الخيصرية 


)١(‏ هي التنكزية الصغرى دار قرآن وحديث شرقي حمام نور الدين الشهيد وراء سوق 
البزورية أنشأها نائب السلطة تنكز سنة .1/٠‏ قلت: وسميت الكاملية الهاشمية لأن 
الأستاذ الشيخ كامل القصاب جدد بناءها وجعلها مدرسة ثانوية فكانت حيناً من أرقى 
مدارس دمشق . 

(؟) الجوهرية شرقي تربة أم الصالح داخل دمشق بحارة بلاطة المسروف اليوم بزقاق 
المحكمة أنشأها الصدر نجم الدين بن عباس التميمي الجسوهري سنة 575, وكان 
بعضهم أواخر القرن الماضي قسمها ثلاث دور إلخ. .. قلت: وقد أعادها مدرسة 
وجدد بناءها الشيخ عيد السفرجلاني رحمه أبله رحمة واسعة , 
قلت: وقد هدمت سئة 19164 وصار مكانها شارعا, 

(7) مدرسة مستحدثة أسسها طائفة من تجار دمشق وكانت قبيل الترب وأوائله أرقى مدرسة 
انوية في دمشق وكان مديرها والدي الشيخ مصطفى الطنطاوي . 


١04 


فاتمخلذت فيها دارءء ورأيت (الجقمقية)(0) القاعة التارية ا حميلة, والمدرسة 
الأثرية الجليلة فإذا هى قد انخذت دارا. . 


فذهبت وأنا أحس الألم يقطع في كبدي» والأسى يز في قلبيء ووددت لو 
أن الله قبضني إليه قبل أن أرى مدارسنا الإسلامية لا تستطيع أن تعيش في 
البلد الإسلامي , ولا تجد من يشد أزرها ويأخذ بيدها. . . وأنمت شارع بغداد. 
أروّح عن نفسي بخضرة البساتين» وجمال الكون. وانطلاق الهواء, ومنظر الخبل» 
فا راعني إلا أفواج من الناس قد ازدحمت على باب بناء كبير» كأنه قلعة من 
القلاع . أو قصر من القصور. حتى لقد كادت تسد بكثرتها الشارع العريض - 
ما راعني إلا الناس على باب (مدرسة اللاييك). يتدافعون ويتزاحمون, كأنهم 
على باب الخنة» فكل يطمع أن يسبق إليهاء وكلما فتح الباب لواحد» لحظته 
العيون بالغيظ» ورمقته بالحسد. . فسألت قوماً أعرفهم ينظرون كما انظرء ماذا 
هناك؟ فقالوا: هم المسلمون يريدون أن يسلموا أبناءهم إلى رجال اللاييك 
ليصبوا في قلومهم ما يشاؤون من عقائد باطلة في الدين» وعواطف زائفة في 
الوطنية. وزهادة في اللغة» وكره للتاريخ الإسلامي؛ والقومية العربية, 
ويدفعون إليهم الأموال الطائلة» وما يشترون بها إلآ الكفر لأبنائهم. والزيغ 
والإالحاد. وحبٌ الغريب» وبغض القريب» وما يشترون إلا أعداء لهم 
ولأوطانهم ‏ يجاربوهم » ويغزونهم 5 أخلاتهم وعقائدهم . وهم قد انحدروا من 
أصلابهم» وخرجوا من ظهورهم؛ أفرأيت بلاء أشدّ وخزياً أكبرء من أن 
يحاربونا بأبنائناء ويأخذوا على ذلك أموالنا؟ . . . 


)١(‏ هي شمال الجامع الأموي أسسها سنجر الهلالي وولده شمس الدين فانتزعها الملك 
الناصر حسن سنة 7١‏ وأمر بعمارتها فبنيت بالحجر الأبلق وجاءت في غاية الحسن 
واحترقت في فتنة تيمور فجدد بنيانها سيف الدين جقمق وخص الخانقاه بالصوفية 
وأضاف إليها مدرسة للأيتام وتربة وفي هذه المدرسة ترج أكثر رجال دمشق المعروفين 
اليوم على يد الشيخ عيد رحمه الله . 


يرجون الخوري. .. أن يسي أبناءهم القرآن, ليحفظهم الإنجيل» ويبغض 
إليهم محمدا وأبا بكر وعمرء ويحبب إليهم بطرس ولويس ونابليون... فسرت 
مسرعاء, لا يطول بي وقوف فتحرقني نار الحزن. وأنحذت طريقي إلى مدرستي. 
أسلك إليها شارع البرلمان» فإذا على باب (مدرسة الفرنسيسكان) أمام الكئيسة 
الفخمة» حمهور من المسلمين لا يحصيهم عل يأخحذون بأيدي بناتهم. 
ليدخلوهن إليها. . . فعدت أدر اجي إلى شارع الصالحية فاأحذت حافلة 
(الترامواي) إلى مدرستي في حيّ المهاجرين؛ في لحف جبل قاسيون . 
نا نا فنا 

المسلمين. عل رأسه عمامة بيضاء كأها برج 2 وحول يده كم كأنه خرج. 
تتدلى منه سبحة لا يفتأ يعد حبّاتها ويلعب بهاء وقد يخطىء مرة فيسبّح عليهاء 
بجر بيده ولداّء فخذاه مكشوفتان وعلى رأسه 00 فقلت له: 

ماهذاياشيخ؟ أغورة من أغلى ‏ وغورة من أسفل؟ 

قال: وماذاك؟ 

ب قلت: ألم ب يكفك أن تكشف عورته) وأنت تذكر الله وتتلو كتابه. 
وتظهر منه ما أمر الله بسثره ) حتى تضم إلى العورة عورة أخرى تجيء من فوق 
رأسه. فتلبسه القبعة؟ 

فقال: (ولوى لسانه وتفيهق وتشدّق) : وما هي بعورة في مذهبنا. 

قلت: وما مذهبك يا مولانا؟ 


)١(‏ الكمة هي (البيريه) وهي جنس من القبعات. 


١كذ‎ 


5-5 قال: مذهب الإمام مالك . 


- قلت: ذاك لمن لا يفرق بين عورة الملتحي وعورة الأمرد هذا الذي 
في مذهب مالكء لا مع مثل ابنك الذي لا تؤمن معه الفتنة . 
ب نا نا 


وتركتهوقمت إلى قسم الشهادة الابتدائية» أرى التلاميذ فجعلت أساهم 
من هنا وهناك, فقلت: 
. ما شروط الصلاة؟ ومن يعرفها منكم؟ 


5 قالوا: لاتعرفهاء درس الديانة ليس من دروس الامتحان 


قلت: فماذا قرأتم في السنة الماضية؟ 

قالوا: وماذا نقرأ؟ عندنا ساعة واحدة في الأسبوع . . . 

قلت: فلبحث في التاريخ. من يمدثناعن وقعة اليرموك 
أو القادسية؟ 


قالوا: ما قرأناها. . . نحدثك عن سيرة نابليون» ووقعة واشرلو. . . 
هذا ما قرأناه وسنقرؤه في هذا العام . . . 
8# #*# 


بلا تعليق! 


ا 9 


١ك‎ 


نشرت سلة 1١969‏ 


هذه رسالة شرعت بها؛ لإرسالها إلى 
صديق حبيب يدرس في بلاد الغرب, ثم 
كسلت عن إكمافاء فتركتهاء فل) قعدت 
أكتب مقالة هذا العدد أخحرجتها فأتممتها, 
وبعثت بها لتنشر لتعم منها الفائدة؛ ويشمل 
النفعء وليقرأها هذا الصصديق مقالة في 
المجلة(١2‏ إن فاته أن يقرأها رسالة في البريد. 


أتذكر مقالي لك يوم ودّعتك؟ لقد كنت خائفاً عليك من هذه البلاد. لأني . 
أخافها ‏ والله ‏ على نفسي» وقد شارفت حدّ الكهولة الأقصى» وقد أعلت 
خونيٍ يوم سفرك » أعادك الله بالسلامة والنجاحءفلما وردت كتبك2. رأيت فيها 
لساناً فصيحاًء وتفكيراً صحيحاأً. وكلام رجل مؤمن. فاطمأئنت عليك إلى 
حين ‏ أقول إلى حين؛ لأني أعلم أن المرء كالنبات» يعيش بنفسه. وبالارض 
التي يمتص غذاءه منباء والماء الذي يطفىء ظمأه به والحو الذي يتنفس 
هواءه. فإذا نقلته إلى أرض غيرهاء بدلته التربة التي انتقل إليهاء والجو الذي 
صار إليه. مالم يكن من الانات التي أعطاها الله من القوة والتمكن, » ما يمنئع 
عنها هذا التغيير والتبديل» وذلك أندر من النادرء وأقل من القليل . 


وليس يظهر هذا التبدّل من أول يوم؛ بل محتاج إلى الزمن الطويل» إنه 
)١(‏ وانظر مقالتي (إلى أخي النازح إلى باريس) نشرت في الرسالة 5 ديسمبر 1970 وهي في 
كتاببي (صور وخخواطر) . 


ينول 


مرض في النفس شأنه شأن الأمراض كلهاء لا بد لها من زمان تفرخ فيه 
(جراثيمها(١».‏ . . ) وتنمو وتسيطرء ؛ فترى الرجل تحسبه صحيحاً وهو سقيم . 

والمرء أبداً ما بين ماضيه وبين أتيه» يعيش بذكريات الماضي »وبامال 
المستقبل» فإذا انتقل من مثل دمشق إلى باريز أوبرلين مثللاء ورأى لوناً من 
الحياة جديداً» وانطلاقاً ميسوراً بعد تقل بقيود الدين والخلق. وطواً مكنا بعد جد 
م يد هذه الحياة الجديدة أثر فيه وهو يعيش فيهاء ٠‏ بل ربما تنبّهت في نفسه 
الأخيرة الدينية» فازداد تمسكا. إنما يبدو ذلك ويظهرء ويعمل عمله» إذا عاد 
إلى بلده» فافتقد ذلك الانطلاق» وحن إليه» وضاق ببذه القيودء وثقلت عليه. 

وقد شاهدنا هذا في ناس من اخواننا عاشوا في باريز مشل عيش الزهاد 
والعباد, فلم| رجعوا إلى دمشق هاموا على وجوههم, كال حيوانات». تسوقهم 
شهواتهم وحدهاء لا يبابون حراما ولا يخافون عاراء ولا يحفلون بشىء. ولولا 
أني لا أحب أن أعرض لأحد من الناس بعينه» ولا يجوز لي أن أعرض لأحدء 
لسميث لك رجالاً باسمائهم لتعرفهم . 

وأنا ما سردت عليك هذه الفلسفة المزعجة, إلآ لتعلم أنك لا تزال تعيش 
بذخائر الماضي في نفسك. وبقايا آداب الصباء وأن الذي تدخره في نفسك الآن 
من ذكريات هو الذي ستحيا به بعد عودتك» فانتبه يا أخحي » بل يا ولدي. كا 
يلطبع فيها . واعلم أن لكل رفيق ترافقه. وكل مكان نحله. وكل كتاب 
تقرؤه, ركل رأي تسمعه. لكل من ذلك أثر في نفسك, لا تحمس به لكنه موجود 
كالبذرة الصغيرة في الأرض . بذرة زيتون مثلاء لا يراها أحد ولا يلتفت إليهاء 
ولكنها تصير يوماً شجرة تضطر كل من يمر بها إلى أن يراها. وتبقى مئة سنة عل 
حين يظن من ألقاها أنه نبذها ورماها. لذلك قال ابن عطاء الله السكندري27: 


)١(‏ الحرثومة في اللغة الأصل» وجراثيم الأمراض أصولماء وإطلاقها على | (المكروبات) 


صحيح من باب التجوز. 
)ع( في (الحكم) وهو كتاب لا بخلو من ضلالات ولكن هذه كلمة حق فيه. 


3 


«لا تمكن زائخ القلب من أذنيك» فإنك لا تدري ما يعلق بهم منه) . 
2 
وقد كنت عرضت لهذا المعنى , في بعض ما كتبت» ولكني أعيده عليك 
لأن من المعاني ما لا بد فيه من الإعادة: ولا يضر به التكرار. 


ولقد ذهبت إلى مصر وأنا في مثل سنك» وأين مصر يومئلذ (سنة )١9378‏ 

من باريس اليوم؟ ؟ وكنت في مصر مثلا مضروباً في التشدد والبعد عن كل ما يحرم 
أو يشين» وعدت مها وأنا أحسب أني ازددت بسفري إليها إهاناً وتقسكاً. آذ 
المرض الذي داخلتني فيهاعدواء, قد تمكن مني حتى أني لا أزال ! إلى اليوم أعا 
أثر هذه الفترة في عواطفي وفي أفكاري» وما ذلك لفساه مصر بل لأ غدوت 
فيها طليقاًء ليس في الناس من يعرفني فيراقبني» أو أعرفه فأتبيبه. وأنت في بلد 
فاسد» المحرمات فيها معلئة» والمنكرات ظاهرة. وان إِلْفَ رؤية الحرام» ودوام 
مشاهدته, هون على النفس اقترافه» ويذهب منها هيبته» نعرف ذلك من نسا 
المسلمات» كان عهدنا بالواحدة من نسائناء أنها تضطرب وتجزع. إن لمحها 
الأجنبي من فتحة الباب» أوشق النافذة» وتسرع فتتوارى. فصارت ترى 
الرجل فتقابل وجهه بوجههاء وتثبت في عينيه عينيهاء وكان الرجل إذا رأ 
الأجنبي ينظر إلى زوجه؛ استكبر ذلك واستنكره. وهاج في نفسه تصون 
المسلم, ونخوة العربي . فتراخى الحبل حتى صار الرجل يماشي امرأته في 
الشارعء ويضاحكها في الطريق» ويرافقها إلى السينم). وصار من.العرب 
المسلمين» من يقدم ابنته إلى الأجنبي ليراقصهاء يدني صدره من صدرهاء 
ويلفٌ ذراعه على خصرهاء ويلامس بساقه ساقهاء وصرر الأجنبي يأخذ 
الزوجة في هذه الحفلات الداعرة الفاجرة من زوجهاء ليرقص معهاء 
فلا تستعصم المرأة ولا تأبى», ولا يغضب الزوج ولا يغار» ولا يعجب الناس 
ولا ينكرون. 


بل لقد سر يي هذا الدواء إل نساء العلماء والصلحاء. فصرن يكشفن 
الوجه حيث تؤمن الفتلة وحيث تخثى » فإذا كشفته لم يتحرجن من مسامرة 


كل 


الأجانب من الأقرباء في السهرة» ومسايرة الأجانب من الأصدقاء في السفرة. 
يفعلن ذلك أولاً بحضرة الزوج وإذنه ثم يفعلنه في غيبة الزوج وبلا علمه. ثم 
يتبع الوجة الشعر ثم النحرء والكفت ثم الذراع ثم الصدرء ثم يكون هذا 
الحسور وهذا الفجور. 

وهذا كله إنما كان تقليداً للافرنج نفعله لأخبم يفعلونه. ولآن المستعمرين قد 
اغتنموا غفلتنا وهجوعناء في مئّة السئة(2© الي مضت, وتأخرنا عنهم في طريق 
الحضارة المادية» فلم يدخروا جهداًء وم يألوا وسعأء في إشعارنا سبقهم إلى هذه 
الحضارة وتأخرناء وعلمهم بهذه العلوم وجهلناء وقوتهم بهذه الأسلحة وضعفناء 
حت مار تعظيمنا إياهم, وهيبتنا لحم حقيقة راسخة في نفوسناء اعترفنا بها 
أو أنكرناها. 

وكان من نتائجها أن تركنا شريعتنا لقوانيغهمء وأخلاقنا لعاداتهم» 
وفضائلنا لرذائلهمء وكان هذا كله تقليداً على السماع ونحن في بلادناء فكيف 
إذا رآه الواحد منا بالعيان, وهو في بلادهمء وكيف إذا كان الرائي شاباً ملتهب 
الغريزة» متوقد العاطفة, يحمل بين جنبيه نفساً قد حشيت بالبارود؟ 

ماذا ذأ يصنع الشاب الذي كان في بلادف يفكر في المرأة ليله ونهاره 
صورتها أبدأً في خياله» وحديثها أبداً على لسانه, يثيره مرآها على بعد مئة مترء 
فصار إلى بلد. يرى فيه حيثما تلفت أسراب الحسان المثيرات». كاسيات 
عاريات» مائلات مميلات» لا يكلفه نيلهن إلا أن يشير بيده فيترامين عليهء 
لا يحجزهن دين, ولا يمنعهن عرفء, ولا يمسكهن حياء. في معشر يروت من 
المدنية أن تستباح الأعراضء» ويتسافح الفتيان والفتيات» قد هانت المرأة حتى 
صار عرضها يبذل في ملء بطنها وستر جسدهاء وصارت تنال بغذاء وكساء . 


فماذا يصنع الشاب في هذه المحنة؟ 


. هذا هو التركيب الصحيح‎ )١( 


افحل 


وكيف يغفل الآباء عن هذا البلاء؟ 

لو سمع الأب أن في هذا البلد الذي يبعث إليه بابنه وباءً فتاكء وأن 
(احتمال) إصابة ولده به واحد في الألف لما أرسله إليه ولوكان فيه علم الأولين 
والآخرين» فكيف يرسله إلى بلد (احتمال) إصابته فيه بخلقه. وتفريطه فيه 
بعفافه, وتهاونه فيه بدينه تسعمائة وتسع وتسعون في الألف. 

لقد حدّثني الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي رحمه اللهء عم رأه في 
أوروبا لَّا ذهب إليها للتداوي ‏ شفاه الله وأتمٌ عليه نعمة العافية 
فسمعت والله شيئاً أعجب من العجب"(2» وأيقنت أنه لو امتحن العجوز2" العابد 
بما يمتحن به شبابنا هناك لخيف عليه والله السقوط . 

ذلك لأن النفس البشرية مفطورة على ابتغاء اللذة» وقصد الراحة» وترك 
العناء» ميّالة إلى الانطلاق» ولأن الانحدار إلى المعصية أهون من التسامى إلى 
الطاعة, كاماء أقْلِيّهُ يتحدّر إلى قرارة الوادي» وأضّْعِده لا يصعد إلا بمضخةء 
لذلك قل في الناس الطائعون» وكث العاصون. وكثرت جرائدهم وتجلاتهم 
وأماكنهم ووسائلهم إلى ما هم فيهء إن الرجل الفاسد يلوح للشباب 
الصالح بالجميلات وما يقدّر من اللذة بقرببن, والخمر وما يتوهم من اللذة 
بشرماء والقمار وما يؤمل من اربخ بتعاطيه» ويأخذه | إلى المراقص والمشارب 
وكل مكان لذةٍ فيفسده. فإلى أين لعمري يأخذه الرجل الصالح ليصلحه. 
وما الذي يغريه به إلا أن يعده للآخرة الغائبة بدلا من الدنيا الحاضرة» 
وذلك مطلب عالر لا يصعد إليه إلا بجهد دونه جهد السجن والضصرب 
والقتال. للك جمل الله هذه المنزلة لمن يؤمن بالغيب» وكرر الثناء عليه في 
القران» ولذلك أ خبر النبي كل بأن سبعة يظلّهم الله بظل العرش يوم لا ظل 


)01 ثم رأيته للا ذهبت إليها. 
زفة كلمة عجوز في اللغة خاصة بالمرأة» ولكنا استعملناها تجوزاً. 


يدجلا 


مغريات الشباب» ومنهم رجحل دعنةه امرأة ذات حمال حتى إذا دكن منها ذكر 


الله فقام عنها. 
0-١‏ 
إن سفر الشاب وحده إلى أوروبةء» خطر مؤكد, ولكن الآباء. لا ينتبهون 
إليه» ولا يفكرون فيه. 


إنهم يربون الولد على العفاف. ويحمونه من فتنة النساء» حتى إذا ما ظنوا 
أنه استقام وصلح . ووطن نفسه على العفة والتقى» وطوى جوانحه على مثل 
النار الآكلة من للع الشهوة . نقلوه إلى بلد كل شيء فيه مباح» الفتن فيه تَحفُ 
به من كل جانب» وقد زالت الموانع. وسقطت الحدود. فليس دون المعصية 
حدء لا حد الدين في بلد لا يدين بدين الإسلام, ولا حد العار في بلد لا يرى 
العار عاراً. 


فهلا فكر الآباء, في مصير أولادهم حين يبعثون بهم ليدرسوا في 
ديار الغرب؟ . 
ذبيا ييا كنا 
وبعد؛» فقدت ذهبت - أنت يا أخى ‏ وقضى الأمرء فاجعل خوف الله 
بين عينيك, وتصور دائً ذهاب لذة المعصية وبقاء عقابهاء وذهاب ألم الصبر 


عنها وبقاء الثواب عليه . 
واسأل الله العون. واستمد مله القوة» والسلام عليك ورحمة الله وأستودع 
الله دينك وحلقك . 


لزن فلن 


كا 


صور من تار يخنا العلمى 


شرت سنة ١809‏ 


هذه صور من تواريخ علمائناء أبعث بها إليكم وحدهاء لا أبعث معها 
بتعليق ولا بيان» ولتحدثكم هي حديثهاء ولتعلقوا أنتم عليهاء ولتذكركم 
بأشباههاء أو بأضدادهاء» من سير من تعرفون, فتكون كامعيار لهم والمقياس 
لأخلاقهم؛ ولتكون كالصنجات في موازين حكمكم عليهم. ترجح بها كفة 
قوم وتطيش كفة آخرين . 


ولو أخذت هذه الصورء من تواريخ الصدر الأول؛ والقرون الماضية 
حيث الدين غضء والزمان مقبل» والعلم في شبابه يتوثب من النشاط. ويتفجر 
بالقوةء لرأيتم والله عجباً من العجب, وعندي من ذلك الكثيرء ولكني أثرت 
أن آخذها من الأمس القريبء. والعلم في كهولته يمشي مشية العاجزء يتلمس 
الجدران» ويقارب الخطوء لا يستطيع أن يجانب الطريق المسلوكة خشية أن 
يتعثر أو يضل» لتروا أن الارض لا تفلو من قائم لله بحجة» وأن أمة محمد إلى 
خير» وأنها لا تزال طائفة منهم على ا حق إلى قيام الساعة . 


ا 


نحن في صحن الجامع الأزهر في مصر. بعد المغرب» وكان شيخ 
الأزهر الرجل ١‏ لعظيم بعلمه. ا لعظيم بمنصبه الشي لشيخ الباجوري (المؤلف 


كول 


المشهور) وقد قعد على عادته كل عشية» وأقبل العلماء والطلبة يقبلون يده'' . 

وكان الشيخ مصطفى ابلط أكبر منه سنا وكان قد نازعه مشيخة 
الأزهمر. وزاحمه عليهاء وم يدخر في سبيل الفوز بها جهداً؛ فلم صارت 
للباجوري؛ صار يعظمه ويرعى له حق منصبه» فلم) أقبل الناس هذه العشية 
على الشيخ لتقبيل يده» اندس بينهم وقبل يذه معهم. فانتبه له الباجوري 
وعرفه» فوب قائباً وأمسك بيده وجعل يبكي ويقول: حتى أنت يا شيخ 
مصطفى؟ لا! لا!. 

فقال الشيخ مصطفى : نعم حتى أنا. لقد خصك الله بفضل وجب أن 
نقرّه» وصرت شيخنا فعلينا أن نوقرك . 

لكا + لك 

وهذه صورة أخرى من الأزهر في ساعة الظهيرة» وقد خلا من المدرسين 
ول ببق فيه إلا طلاب لبشوا قاعدين يتراجعون مسألة من مسائل الدرس» 
أو ينظرون ف كتاب من الكتب» أو يحفون بشيخ من المشايخ يسألونه فيجيبهمء 
أو يرقبونه من بعيد وهو جالس يعد درساً. أو يتلو سورة؛ ينظرون إليه نظر تجلة 
وإكبار, لأن المشايخ كانوا علماء عاملين» صادقين مخلصين» فكان الطلاب 
يرون تعظيمهم من الدين . 

ودخمل شيخ الأزهر؛ وكان يومثلٍ الشيخ عبد الرحمن الشربيني العام 
المصنّف الذي كان من مزاياه أ أنه لم يتزلف إلى كبير قطء فقام الطلبة كلهم 
احتراماً له ووقف المشايخ حيونه» فحياهمٍ وأراد أن يمضي فلمح في طرف 
المسجد شيخاً مسناً في ثياب خشنة» مضطجعاً على جنبه. يظنه من لإ يعرفه 
فلاحاً قدم الساعة من بلده. فجاء يستريح في المسجد. فوضع شيخ الأزهر 


)١(‏ تقبيل يد العالم لم يكن يعرفه السلف. ولا بأس بهء مالم يطلبه العالم ويحرص عليهء 
ويمد يده لكل من يسلم عليه» يضعها أمام فمه ليقبلها . 


7 


حذاءه بعيداً, وأقبل يمني على أطراف أصابعه مترفقاً حتى وصل إليه؛ فقعد 
وأخذ يده فقبلها . 

فانتبه النائم فرآهء فا زاد على أن قال له : 

إيش زيك7© يا عبد الرحن 

ففرح شيخ الأزهر هذه التحية فرح من حيته الملائكة! 

وكان النائم هو الشيخ الأشموني العالم المعروف . 

الا ل 

ونحن الآن في قصر حاكم مصرء وقد زاره الشيخ الأمير (المتوفى قبل 
مئة وخمسين سنة) وهو صاحب الحواشي المعروفة في النحو. والشروح في فقه 
المالكيةء وكان بيئه وبين الشيخ القويسني الذي ولي مشيخة الأزهر بعد ذلك 
خصومة معروفة» فسأله الحاكم عنبهاء ركان يجب أن يتف عل حقيته يوق 
بيهماء فقال الشيخ الأمير: ليس بيننا إلا الخيرء وما أظن الشيخ القويسني 
حدثك بشيء من هذاء ومدح القويسني وأثنى عليه؛ ثم خرج فمر على الفويسي 
وخسره بما دار بيئه وبين الحاكمء » فقال القويسني: صدقت» ماقلت له شيثاً» 
فقال الأمير: هكذا يكون أمل هل العلمء يسؤون مابينهم في خاضتهم» 
أما مظهرهم فيجب أن يكون قدوة في التألف والخير إمساكاً على عروة الإسلام» 
وحفظاً لكرامة العلم . 

اك 1 32 

على أنهم لم يكونوا يبتغون الصداقة إلا من طريق الحق والصدق والتعاون 
على الخيرء فإن -جاءت من طريق الباطل تركوها وأعرضوا عنباء لآن العالم الذي 
يتزلف ويرائي ويحبٌ أن بمدح بما ليس فيه. وأن يُذكر بمالم يعمل. يخالف عن 
سبيل العلماء . 


(1) ومن هنا جاءت كلمة (إزيّك) المصرية. وكلمة زي أصلها (مي) وهو المثيل والشبسه؛ 
ومن قولهم (لا سيا فلان). 


١ا/ك‎ 


أروي لكم قصة وقعثٌ في مدرسة القضاء الشرعي في مصر. وكان 
مديرها يومئذ محمد عاطف بركات., وكان من المحافظين على الصدق» 
والمتمسكين بهء وقد خلت وظيفة في المدرسة ورغب فيها أستاذان: شيخ من 
المشايخء وأستاذ من الأفندية» فلم يحبّ أن يرد أحداً مغبماء وسعى حتّى وجد 
لكل منب عملا وأراد أن يسعفهم معاً. ولكن الوزارة قدّمت الشيخ وخصته 
بالوظيفة» وجاء يشكر المدير فقال له: إن المسألة ليست في يدي» ولوكان الأمر 
في يدي ما عينتك . 


38 - 

أما صدعهم بالحق» وجهرهم به فإني أروي حادثاً واحداً شاهداً عليه. 
لما توالت الهزائم على مصر في حربها مع الحبشة» ووقع الخلف بين قوادهاء 
قال الخديوي إسماعيل لوزيره شريف باشا: ماذا ترى أن نصنع؟ قال: نجمع 
العلاء ليقرؤوا صحيح البخاري . 

كأنَّ صحيح البخاري ورد أو تميمة» وكأنّ المهم تحريك اللسان بألفاظه» 
لا حمل القلب والجوارح على العمل بما فيه. . 

فجمع العلاء في الجامع الأزهر.ء وجعلوا يقرؤونه والمهزائم تتتالى» فجاء 
الخديوي بنفسه إلى الأزهرء فصاح بالعلاء وبالشيخ العروسي شيخ الأزهر 
وقال هم بلهجة المغيظ المحنق: إما أن هذا ليس البخاري» أو أنكم 
لستم العلماء! 

فوجموا وصمتواء ولكن عالماً من آخر الصف, لم يصمت ولم يجم0). بل 
صاح به: منك يا إسماعيل!! فإنا روينا عن النبي كَل أنه قال: «لتامُرَنٌ 
بالمعروف, ولْْهَوُنٌ عن المنكرء أو ليسلطنْ الله عليكم شراركم» فيدعو خياركم 
فلا يستتجاب لهم). فزاد وجوم المشايخ واضطربوا وجزعوأ. ووقف الخديوي 
لحظة لا ينطق ووجهه يتمغر من الغضب, ثم استدار فانصرف ومعه شريف 


. من وجم يجمء مثل وعد يعد. ووضح يضح‎ )١( 


يفن 


باشا. وأخخذ العلماء يؤنبون الشيخ المتكلم؛ شأن الناس مع كل من يصدع 
باحق وينادي بهء كأن الأصل هوالمسايرة والمداراة» وكأن الصراحة خلاف 
الأصل» ويقولون: ماذا صنعت بنفسك؟ ولاذا عرضتها للتهلكة؟ وهولا يبالي 
مبمء ولا يرد عليهمء وما كان لمن يقوم بمثل ما قام به أن يبالي بلوم اللائمين. 
ول تمر ساعة حتق جاء الشرطة يدعونه لمقابلة الخديوي» فقال الناس : قد ذهب! 
وعدّوه مع الموق. ظ 

وحمل فأدخل على الخديوي فإذا هو وحده. ليس معه أحدء فقال له: 
أعد عل ما قلته؟ فأعاد عليه. قال: وما الذي صنعناه؟ قال: يا أفندينا! أليس 
الزنا مباحاً؟ أليس الربا مباحاً؟ أليس؟ أليس؟ ومضى يعدّد المتكرات؛ قال: 
وماذا نعمل وقد اقتبسنا مدنية أوروبا وهذه عاداتها؟ قال: فما ذنب العلماء؟ 


شكاد 


وكانوا زاهدين في الدنياء لا زهد المغفلين المجاذيب» الذين يعيشون في 
الزوايا المظلمة مثل الخفافيش» يفزعون من ضوء النهارء بل الزهد الحقيقي» 
زهد الصحابة والتابعين» زهد من يعرف الدنيا ويسعى لها سعيهاء ولكن الدنيا 
لاتتملك لبّه ولا يسكن حبّها قلبه, ومن يعمل للاصلاح» ويشتغل للعلم» 
ويكون له في :بضة أمته أبرز الأثر» ويكون أكبر همه رضا الله والنجاة في 
الآخرة, لا رضا الناس, ولا متع الدنيا . ومن زهد في الدنيا ل يعظم أهلهاء 
ول يخضع لهم» وجاهرهم بالحقء وين لمم حكم الله وقام فيهم مقام الداييل 
الحادي, لا السائل الطامع. دخل اللورد كرومر جبار مصر وحاكمها يومد على 
الشيخ الأنبابي شيخ الجامع الأزهرء فلم يقم له الشيخ, وردٌ عليه السلام 
ومدّ يده فصافحه وهو قاعدء فاستعظم ذلك اللورد. وقال له: ألسث تقوم 
للخديوي؟ قال: نعم. قال: فَلِم ل تَقُمْ لي؟ قال: إن الخديوي هووليّ الأمر 
مناء واللورد ليس مناء والله يقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي 
الأمر منكم . 


١و‎ 


وهذه هي عرة الإيمانء وهذله هي الوطنية الخالصة. وما كان من اللورد 


إلا أن أكبر فيه هذه الصراحة» وصار يعظمه ويجلّه أكبر الإعظام والإجلال. 
دلا 


وانظروا إلى موقف الشيخ محمد عبده مع اللوره كرومر: زار الشيخ 
اللورد مرةع فقابله (السكرتير) الناموس» ولم يعرفه. فقال له: إن اللورد 
غائب, فترك بطاقته وعاد, فلم ييتعد خطوات حتى أحس اللورد» فبعث 
الناموس يدعوه ويعتذر إليه؛ فقال الشيخ : في فرصة أخرى. وم يَعَدٌ. 

-م4- 

وأخبار الشيخ طاهر في زهده قْ الدنيا وانصرافة عنباء أشهر من أن 
تذكر. من ذلك أنه لما قدم مصرء واحتاج» جعل يبيع من كتبه. وكتبه أعز 
شىء عليه وكان قد أنفق في شرائها كل ما تملك يداه لا سيما المخطوط النادر 
منها. وكان يرضى أن يبيع الكتاب لدار الكتب المصرية بعشرين ولا يرضى أن 
يبيعه للمتحف البريطاني بمئة» ليبقى الكتاب في أيدي المسلمين» حتى لم يكد 
يبقى عنده من الكتب إلا القليل . 

فقال أحمد تيمور باشا للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد (كما يروي خالي 
الأستاذ محب الدين الخطيب): 

ألا ترى يا أستاذ أن من الواجب على مصر أن تعرف لهذا العالم الجليل 
قدره فتستفيد من علمه وفضله في دار الكتب مثللاء وهو اليوم أعلم الناس 
بالكتب الإسلامية وقد كان هو المؤسس للمكتبة الظاهرية في دمشق؟ 

فوعده الشيخ على بالسعي في ذلك . وكانت له منزلة معروفة في المعية 
على يوسف ليقابله بمثلها عند اللحاجة . 


تفن 


ولكن الشيخ لما بلغه الأمر اعتذر بأنه اعتاد المطالعة في الليل إلى 

فسعى له الشيخ علي فرتب له معاش من الخديوي» وذهب تيمور باشا 
يبلغه ذلك؛» فقال له الشيخ طاهر: 
5 ى عليه لعنايته بالكتب العربية, ولكن من الذي يضمن لك أني الا أقف منه 
عكس هذا الموقف إذا صدر منه ما يناقض ذلك العمل؟ الأحسن يا أستاذ لآ 
تعرض نفسك لا قد يسودٌ به وجهك بسببي » وإني بحمد الله في سعة ولا حاجة 
بي إلى الرواتب ولا إلى الوظائف ,فأرجو أن تعمل لقطع هذا الراتب. 

5 

وروى الأب أنستاس الكرملٍ أنه رأى عالم العراق الشيخ الألوسي يلبس 
بعد الاحتلال حذاء من أحذية الجند البريطاني وكانت تُباع رخيصة فقال له: 

- يا مولاي! أراك تلبس في رجلك مالم يرد أن يلبسه جند الإنكأيز 
أنفسهم لضخامة هذه الأحذية وشكلها القبيح ولصوتها المزعج عند المي . 

د ع مادأ ا 

ةرمل ل ساس لير ل فلم] عرف ذلك المعتمد 
الإتكليزي برسي كوكس» أهدى إليه ثلاثمئة ليرة ذهبية إنكليزية» وكلف 
الكرملي بتقديمها | إليه» شه رقا تل وقال: 
1 

فألحّ عليه إلحاحاً متواصلاً. فقال له: 


١7 


لا تكثر من إلحاحك لثلا أطردك من بيتي طرد من لا عودة له إليه . 
فسعى له هو وجماعة من أصدقائه وتلاميله » حتى صدر الأمر بتوليه قضاء 
بغداد. 
فلا جاؤوه بالتولية» قال: 
إن هذا المقام يستلزم علا زاخراًء وذمة لاغبار عليها. ووقوفاً ثاماً 
على الفقه وأنا لا أجدني مستكملاً هذه الشروط ولا أصلح للقضاء ٠‏ ورفض. 


د امه 
وحدّث الأستاذ محمود زناي» وهو من تلاميك الإمام اللغوي الشيخ سيك 
المرصفي شارح الكامل. أنه دخل عليه يوماً وقد سكن داراً بالية من حى 
قديم. فرآه قد جلس على حصير وسط الغرفة يكتب ويطالع وحوله الكتب» 
ومن حول الحصير خيط من عسل القصب مرشوش على البلاط يحيط به . 
فسأله: ما هذا؟ 
قال: هذا خندقي من هجوم البق! 
اسه 
ولا قَدِم الشيخ سليمان النوري الأزهر كان شيخه الشيخ إبراهيم 
الباجوري » فسأله أن يوصى به مدير الدقهلية. والمدير في اصطلاح المصريين 
خادم العلم والفقراء 
إبرأاهيم 


كال 


فرفعت هذه الورقة عن الأسرة كلها ظلم تلك الأيام, وخلصتهم من 
السخرة والمعونة. ورفعت من شأن الشيخ . 

هكذا كانت منزلتهم عند الحكام . 

وكان الخديوي عباس الأول يجيء الأزهر ويحضر درس الشيخ 
الباجوري» ولا يستطيع التربّع على الأرض لعلة فيه. فكان الشيخ يأمر 
بكرمى قش صغير فيجلب له من قهوة بلدية أمام باب المزينين» فيجلس عليه 

وكانت العادة في مصر أيام الاستقبالات الرسمية في الأعياد أن يقتف 
الخديوي فيمرٌ به المسلمون فيسلّمون وهم وقوف وينصرفون. إلا الأمراء من 
أسرة الملك والعلماء فكان يقعد لهم وتقدم هم القهوة وكان يجلس للعلياء كل 
يوم سبت من كل أسبوعين جلسة تسمى (التشريفة الصغرى) يكلمهم 

1 ٠ 
. 10 ويسمع منهم‎ 
اا‎ 

وكان الشيخ حسن الطويل أستاذاً في دار العلوم» فزار المدرسة يوم 
رياض باشاء وكان رئيس الوزراء ووزير المالية» ومعه وزير المعارف علي مبارك 
باشاء فدخل غرفة الأساتذة» فلا رآه الشيخ حسن قال له: يا باشاء أما أن 

فدهش رياض باشاء وقال له: 

- ما هذايا شيخ حسن؟ 


قال: فأيٌ وزارة تريد؟ 


)١(‏ ومثل هذه العادة موجودة هنا في المملكة. 


يفن 


قال: المالية. 

ب قال: لماذا؟ 

قال: لأستبيح أموالها. 

فغضب الرئيس وقطع الزيارة وخرجء وقال لمبارك باشا : 

لا بدٌ أن تخرج هذا الرجل من خدمة الحكومة فوراً. 

قال علي مبارك باشا: وماذا أصنع مع علماء الأرض وهو عالم عالمي؟ ! 


وجاء الشيخ حسن الطويل يوماً ليدخل على الخديوي. فكلفوه أن ينزع 
عنه عباءته, ويدعها في البهوء فأبى وقال: أقف بها في صلاتي وأقابل بها 
ربي» ولا أقابل بها الخديوي؟ 


ا 


وأختم بقصّة الشيخ سعيد الحلبي عالم الشام في عصره. وقد كان في 
درسه مادا رجله فدخل عليه جبّار الشام إبراهيم باشاء ابن محمد علي صاحب 
مصرء فلم يتحرّك له وم يقبض رجلهء ول يبِدّل قعدته. وتألم الباشا ولكنه 
كتم ألمهء وذهب فبعث إليه بصرّة فيها ألف ليرة ذهبية» وكانت يومئلٍ تعدل, 
مليون ريال الآن. 

فرذها الشيخ, وقال للرسول الذي جاءه بها: 

قل للباشا إن الذي يمد رجله لا يمد يده! 


ل تن ين 


١4 


الطلاب 9 العطسلة 


د 


ار 
ع ينا 
أذيعث سنة ١9669‏ 


م تكن في دمشق كلها في أيامنا إلا أربع مدارس ابتدائية فقط. فكان 
أكثر التلاميذ في المدارس الأهلية فلم يكونوا يعرفون هذه العطلة الصيفية» لآن 
هذه المدارس تفتح أبواءها في الصيف وف الشتاءء وكان تلاميذ المدارس 
الأميرية (إلا الأقل منهم) يقضون مدة الصيف في هذه المدارس فإذا كان آخر 
أيلول (سبتمبر) وفتحت مدارسهم عادوا إليها ولويكن يعرف الدمشقيون قضاء الصيف 
ف الجبال. فكانوا يكتفون بالصبحية والمسوية في صدر الباز أو الميزان, أو الربوة 
أو الشاذروان. ومن أراد الاستجمام أمضى أياما في دمر أو الحامة, ثم أبعدوا 
النجعة فصار مجمع الناس في الجديدة والأشرفية وبسيمة والفيجة» تستأجر 
الأسرة دارا من دور الفلاحين أو غرفة من دار تقضي فيها ليالي القمرء وإن 
أطالت أمضت فيها شهراً؛ فتبدّلت الحال الآن؛. فصارت المدارس الابتدائية 
الرسمية عشرات» وازداد الإقبال على الاصطياف وصار كشير من الناس يفضي 
المدارس الأميرية أن بقى التلاميذ مدة الصيف بلا مدرسة. وكان من نتائج ذلك 
أن نشأت مشكلة جديدة» هي مشكلة الأولاد» ماذا تصنعون بهم في الصيف؟ 


هل تنوون أن تحرموهم حقهم في اللعب والحركة والانطلاق وتكلفوهم 
أن يقعدوا طول الهار صامتين جامدين في هذه الطوابيق المغلقة فتكون العطلة 
سجنا عليهم» وهي ما وجدت إلآً لتكون راحة لهم ومتعة لأنفسهم؟ 


لمن 


أم أنتم تنوون أن تطلقوهم على هواهم . تذهبون إلى أشغالكم وتتركونهم 
في البيت للأم المسكينة؛ يقفزون من حولها من الصباح إلى المساء» ويزوغون منها. 
يوسخون ما نظفته» ويفسدون ماأصلحته , ويكسرون الآنية» ويمرّقون الستائرء 
فتطلع روحها مهم أوتضيق بهم» فتقذف بهم إلى الشارع؛ يجتمعون فيه بأولاد 
الجيران» فيدطون ويثبون» ويصيحون ويزيطون؛ ويتضاربون ويترامون 
بالحجارة» فيزعجون المريض» ويوقظون النائم» ويضايقون العباد؛ وتكون لهم 
الطرق مدارس شيطانية تعلّمهم كل بذيء من القول. وقبيح من الفعل. ثم 
لا يعودون إلى الدار إل بثياب وسخة. وملابس ممزقة؛ وربما عاد أحدهم إلى بينه 
محمولاً قد شجّ رأسه حجر أو كسرت رجله وقعة, أو لطمته دراجة» أو ضربته 
سيارة؛ فلا يكون لعب الأولاد في الطريق إلآ شرا عليهم وعلى الناس . 

فماالعمل؟ 

أما الأولاد الذين يذهبون مع أهليهم إلى المصايف فلا كلام لنا الآن 
فيهم. وإن كانت لنا عودة إن شاء الله إلى إلى الكلام عهمء بقي الذين لا يصطاف 
أهلوهم وهؤلاء هم موضوع المشكلة؛ لأن من يمضي الصيف كله في الحبال 

هم الأقل عدداً والكثرة من الناس تبقى في دمشق فماذا يصنع هؤلاء؟ 

لقد كنت كتبت في جريدة الأيام من أسابيع أعالج هذا الأمر من الجهة 
الجماعية » وبينت مايصنع القوم في أميركا وني غيرها من هذا الباب» ولست أعيد 
هنا ما قلته هناك(١2»‏ وإنما أعالج الأمر اليوم من الوجهة الفردية بعد أن عالحته 
أمس من الوجهة الجماعية . 

إن علينا أن نجد للتلميذ في العطلة أعمالاً تقوّم خلقه, وتزيد ثقافته 
أو تقوي جسمه وتحسن صحتهء أو تدربه على مواجهة ا حياة وتمكنه من اكتساب 
بعض المال . 


)١(‏ مر ذلك في هذا الكتاب. 


وقبل أن أفيض في الشرح أ, بين للسامعين أن العمل ليس عيباًء وأن من 
أبناء اء الوسرين الكبار في أميركا وغيرها من يعوده أهله اكتساب المال في الصيف 

من أي طريق حلال؛ وأن طلاب الجامعات يشتغلون في المطاعم بغسل 
الصحونء ويعملون في بيع الجرائد. ولا يرون في ذلك بأسأًء لاعن حاجة 
للمال؛ فمن آبائهم من يملك الملايين حقاً بل لتعويدهم الكسب والاعتماد 
على النفس . 

وأنا لا أريد من كل أب ب أن يبعث بابنه ليشتغل بجلي الصحون أو بيع 
الجرائدء» بل أريد أن يفكر الأب أولاًء فإن كان ولده مقصراً في درس من 
دروسه. أوكان عليه إعادة الامتحجان في مادة من المواد» فأول ما يجب عليه 
هوأن يراجع درسه ويستعد لامتحانه» وإذا حرم راحة العطلة فبذنبه, 
ولولم يسترح وقت الشغل لما اضطر أن يشتغل وقت الراحة, ولعله يعتبر 
فلا مجدع بحلاوة الذنب بعد ما ذاق مرارة العقوبة . 

وإن كان الولد ناجحاً وليس عليه امتحان يعيده»ولا درس يحضره. كان 
على أبيه أن يعد له قبل كل شيء؛ مجلساً من مجالس أهل العلم» أو كتاباً من 
كتب الأخلاق والدين, ليتعلم من مطالعة الكتاب ومجالسة العام كيف يكون 
مؤمنا يخاف الله ويرجو ثوابه» ويحب للناس ما يجب لنفسه؛ ويبتعد عن الكذب 
والغش والعقوق وسائر المحرمات . 

ثم يفتش له عن عمل يشغله, فإن كان الأب مكفيّ المؤونة؛ ميسور 
امال ول يكن بريد أن يعلم ابن صناعة أو يموده التكسسباء ٠‏ علّمه التتردد على 
المكتبة العامة للمطالعة, وسأله عا قرأ ومن صاحبء واختار له بإشرافه نادياً 
رياضياً موثوقاً بأهله والقائمينعليه»فعودهالرياضة »وصبٌ فيه روحها. 


ومن أراد لولده خيراً من .٠‏ ذلك علّمه صناعة سس الصناعات» قصف 
الحروف في المطبعة أو الضرب على الآلة الكاتبة أو الميكانيك» أو وضعه عند 
خطاط أو رسام يتعلّم منه على آلآ يشتغل بذلك نهاره كله بل نصف النهار فقط, 


١مذ‎ 


ويبقى النصف الآخخر لراحته؛ وإن كان الأب تاجرأً صحبه معه إلى دكانه 
فعلمه البييع والشراء وجعل له أجرة على عمله؛ أو اتخذ له(بسطة) فيها من 
السلع الصغيرة ما يشتغل هو ببيعه» ويأخذ هو ربحه؛ يتصرف فيه على ما يريده, 
وإن كان الأب زارعاً أخذه معه إلى حقله ورغبه في حياة الزراعة وكلّفه من 
الأعمال ما يطيق» وجعل له عليه أجراً. 


ولو أن المدرسة تصنع ما يصنع القوم في البلاد الأخرى فتسجل أسماء من 
يريد العمل وتعذّه هي 7 .فتجد لهم بعض الأعمال الهيّلة» وتدفع إليهم 
أجرهاء كأن تجعل من الأولاد الصغار فرقة لتوزيع الخبز صباحاً على بيوت 
الحيّ » أو توزيع الحليب أو الجرائد على مشتركي الحيّ ' أوتشغلهم بموافقة 
آبائهم في المتاجر أو المعامل أو المطاعم على أن تتخل الأسباب الكافية لسلامة 
أخلاقهم وحفظ كرامتهم 


والتلميذات اللحتاجات يُستطعن أن يعملن في البيوت أعمالاً يكسبن منها 
مالأء من ذلك أن أكثر ربّات البيوت تجد المشقة في إعداد الخضر للطبخ, 
أويضيق عن ذلك وقتهاء ولوأن بعض التلميذات اتفقن على أن يجتمعن 
ساعتين كل يوم في بيت واحدة منبن فيعددن الخضر للطبخ » كأن يأخذن 
الفاصوليا فيقطعنها وينزعن خيوطها ويغسلنهاء ويضعنها في أكياس من النايلون 
كل كيلو بكيس . ويقشرن البطاطا أو الباذنجان, ويحفرن الكوسا أو يقطعنه, 
ويأي أولاد المدرسة فيوزعوا ذلك على البيوت» يباع بزيادة خمسين أو ستين في 
المثة ويتقاسم الأولاد والبنات الربح» ويكن قد تعلّمنَ شغل البيت. 


وهذا أمر واحد نخحطر على بالي أسوقه على سبيل المثال. وهناك أمور كثيرة 
يمكن أن تعمل في الدار ويكون منها مكسب ويكون خدمة للناس» كأن يؤخل 
البن مثلآً فيُحمُص ويُطحن, وفي كل دار محمصة ومطحنة» ويوضع في أكياس» 
أو تشتغل البنت بصنع زهور صناعية, أو أنواع من الحلويات والكاتو (أي 
الفراني) والبسكويت أو إعداد المواد التي يصنع منها (الزعتر) ومزجها ووضعها في 


١م‎ 


أكياس . أو ترويب اللبن ووضعه في كؤوس. أو إعداد أنواع المربيات والمعقّدات 
كمربى المشمش والكباد والنارنج والخائرك والخوخ والسفرجل والتين والجحوز 
واليقطين والجزر» أو خياطة ألبسة (سيطة) للأطفال؛ ويتولى الأولاد توزيع 
ذلك 


وأنا أعلم أن هذا الكلام يبدو غريباًء ولا يستطيع أكثر الآباء أن به 
وأنا كذلك لا أستطيع أن ن أقبله إذا سمعته من غيري وهو يبدو غريباً عل وأنا 
أقوله الآن, لأن الأخلاق التي نشأنا عليها والتربية الي ربينا عليها تعد مثل هذا 
العمل عيباً لا يشتغل به إلآ المحتاج» وهو حين يشتغل به يستحي منه ويتمنى أن 
يستغني عله مع أن الإفرنج ولا سيا الأميركان لا يرون بذلك بأساً . 


ونخن نقلدهم دائياً في كل شيء ضار فلماذا لا نقلدهم مرة واحدة في 
الشبىء النافع؟ 

إن القصد ليس المال وحده. بل الاشتغال 3 العطلة والتعود على العمل 
والتمرّن على مواجهة ا حياة»والاعتماد على النفس . 

وربما قال أحد الآباء: أنا نا أشغل ولد أجيراً؟ أعوذ بالله إنني أعطي 
ولدي ثلاث ليرات -خرجية في اليوم فلماذا أكلفه أن يشتغل طول الغبار ليحصل 
على نصف ليرة؟ 


وإني أقول لهذا الأب الغني» إن روكفار لم يكن يعطي ولده شيئاًإلا مقابل 
عملء وقد جعل له نصف بنس (أي أقل من نصف فرنك) مقابل كل ثغرة في 
سياج الحديقة يكشف حاجتها إلى الإصلاح ‏ ثم جعل له عن كل ساعة يعملها 
في إصلاحها سبعة بنسات ونصف, وروكفلر إن كنت لا تعلم يا أيها الأب الغني 
كان يدخل عليه كل دقيقة أكثر من متي ليرة» وله أعمال خيرية هائلة منها 
مؤسسة الصحة التى تنفق كل سنة ما يعادل ثمانية ملايين ليرة سورية» فلم يكن 
بخيلاً ولا فقيراً وكان يستطيع أن يجعل نخرجية ولده ألف ليرة في اليوم ولا يحس 


١ى؟‎ 


بدفعهاء ولكنه ضيّق عليه فجعل منه رجلا مثلء وأنت بتدليلك ولدك وبهذه 
التوسعة عليه تجعله مخنثء لا يعرف للمال قيمة» ولا يدري سبيل الاعتماد على 
النفس. ثم إن الليرة الواحدة التي يكسبها الولد بعمله يكون لها من القيمة 
ويكون له بها من اللذة مالا تعدله قيمة مئة ليرة يأخذها من أبيه ولا لذتهاء 
وهذا شيء لا يعرف إلا بالتجربة. 

وبعدء فهل استطعت بهذا الحديث أن أجعلكم تفكرون في هذه 
المشكلة. مشكلة العطلة الصيفية» وهل وفقت إلى إقناعكم بأن تعويد أبنائكم 
على العمل ليس بعيب بل هو مكرمة وفضيلة . 

إذا كان الجواب بالايجاب» فأنا سعيد. 


9# 


غ14 


في الز واج 


د 


أذيعت سئة حك حل 


زارني من يومين شاب من أقربائناء يحمل شهادة عالية ويملك مرتباً كبيرأً» 
وهو صحييح الجسمء حسن الخلق. قد قارب الثلاثين من عمرهء ولا يزال 
عزباء فقلت له وأنا أحدثه . 

اذا لا تتروج90 . 

قال: لأني وجدت كل المتزوجين من إخواننا يشكون الخلاف الزوجيء 
ويقاسون آلامه ويتجرعون غصصه. ويتمئون لوأنهم ما كانوا قد تزوجوا. 
فعلمت أن الزواج في هذه الأيام وجع رأس وتعب دماغ وأنا لا أحب أن 
أشتري الأوجاع والمتاعب لنفسي» وأدفع في ثمنها مالي . 

قلت: وهل العشرة من إخوانك الذين سألتهم هم الناس؟ وإذا كانوا 
هم في تعب وعناء كان النزوجين كلهم كذلك, وكان الزواج وجع رأس. 
وتعب دماغخ؟ ولاذا سألتهم ول تسألني أنا؟ إني أعرف منهم وإذا كان الرجل 
الذي بحضر خسة مجالس عائلية ليفصل فيها بين الزوجين المختلفين يعد نفسه 
خبيراً» فأنا قد حضرت في المحكمة أكثر من ثلاثين ألف جلسة» سمعت فيها 
من الزوج وسمعت من الزوجة» وأنا فوق ذلك أشتغل بالتحليل النفبي» 
والدرس الاجتماعي » وإذا أنا يوماً أحلت على التقاعد ولم أشتغل بالمحامأة» 
ولا بالكتابة والتأليف. فإني أفتح مكتباً للدراسات العائلية» أقوم فيه بحل 


)١(‏ إذا أكثرت الكلام عن الزواج» فذلك لأن تشجيع الزواج أساس الإصلاح في 
الأخلاق والعاداث. 


6ض 


المشاكل الزوجية فأنا خبير فني في الموضوع27. فاسألني . 

قال: ألا ترى أن أكثر المتزوجين في خلاف مستمر؟ 

قلت: أحب أولاً أن ن أحدد معنى الخلاف» فإذا كنت تريدء وكان 
إخوانك الذين 0 يريدون» حياة زوجية خمالية من كل اختلاف في الرأي 

بين الزوجين», وأن يكون العمر كله شهراً من شهور العسل» وجلسة واحدة من 

جلسات روميو وجوليت» أو قيس وليلى» فهذا لا يكون» وماذا في مجالس الحب 
إلا هذا الكلام الفارغ تقول له (أحبك)» ويقول لها: (أحبكِ). ويعيدان هذه 
الكلمة حتى لا يبقى لما معبى» ثم يملان ويسكتان» فهل يمكن أن تكون الحياة 
كلها أحبك وأحبك؛ كا يتوهم الفتيان الصغار؟ ولوأن قيساً تزوج ليلى واقتصر 
على حديث الحب. لوقع الخلاف بينهها من أول الشهر الثاني» ولسمع الجيران 
خخصامههم| في الشهر الثالث» ولأقيمت دعوى التفريق في المحكمة الشرعية قبل 
مباية السئة . 

فلا يمكن أن يكون في الدنيا زوج وزوجة يعيشان هذه الحياة الخيالية 
العاطفية» التي لا تكون إلا في القصص. وكل زوجين يختلفان أحياناً . ولا يخلو 
بيت العام من هذا الاختلاف». حتى الرسول يله ) يخل بيه وهو أشرف بيت 
أقيم على ظهر الأرض مما يكون بين النساءء وهذا هو القران فاقرؤوا 
(سورة التحريم). والصحابة كانوا يختلفون هم ونساؤهمء ولقد جاء رجل 
يشكو زوجته إلى عمر» فلما قرع الباب سمع زوجة عمر ترفع صوتها عليه 
وهو ساكت, وهو عمر العظيم الذي كانت تخافه صناديد الرجال» فولى الرجل 
متصرقا فخرج عمر يناديه فرجعء قال له عمر: مالك؟ قال: يا أ مير المؤمئين 

جئت أشكو إليك سوء خلق زوجتي, وأنها تتجرأ عل فوجدتك مثلي . فضحك 
عمر. وقال: “أحتملها لحقوق لها علي . 


)١(‏ أحلت على التقاعد سنة 15155. ولكني لم أصنع هذاء بل عكفت على الكتابة 
والإذاعة والتأليف ‏ وأنا أكتب هلا الكلام سنة ١984‏ . 


كما 


والله عز وجل لم بخلق اثنين على صورة واحدة حى التوأمين إذا وقفا معا 
وحدت بينه| فروقاً دقيقة. ول يخلق كذلك اثنين بطباع واحدة وإذا أراد الزوجان 
والشريكان والرنيقاك لا يختلفا فلا بن لأحدهما أن يسايز الآخرء وأن يخالف 
رأي نفسه, ليتبع رأيه. وإذا وقف كل عند رأيه لا يمكن أن يتفقاء وإذا كنت 
أنت على الرصيف الأيمن من الشارع: ورفيقك على الرصيف الأأيسرء وأردت 
أن تصافحه لم تستطع ولا بد أن يمني أحدكما إلى الآخر أو تَشيا معا حتى تلتقيا 
في منتصف الطريق20, 

وكل شركة لا بذ ها من رئيس والرجل هويع 3 بيسن الشركة 
الزوجية» فيجب أن يكون رأيه هوالمقدم. بشرط ألا يتدخل في الصغيرة 
والكبيرة» ويدس أنفه في الكنس والطبخ وترتيب الدارء فإن هذا من حق المرأة 
فهي (وزيرة داخلية) وله الإشراف العام كإشراف رئيس الوزراءء فإذا كانت 
المرأة مثلً وسخة لا تبالي بتنظيف الدار» أوتسيء إعذاد الطعام نبههاء وإذا 
كانت مصابة بجنئون النظافة تسى نفسها بلا طعام» وتشسى حق زوجها وحق 
ولدهاء لتمسح البلاط وتنظف الدار» فلا تراها إلآ راكضة من هنا إلى هناك 
رأسها يسبق رجليهاء كان عليه أن ينبههاء وإن أكثر الرجال لا همهم الإمعان 
ف النظافة» ولالمعان البلاط ولا ترتيب المقاعد. بل يهمهم أن يجدوا شريكة 
لحياتهم» توافقهم وتذهب مذاهبهم» وتكون على رأهم» ومن النساء من يزيد 
معها هذا المرض (مرض النظافة) حتى تدرك غرف الدار المفروشة للشياطين 
لا يستعملها أحد وتقعد في زادية؛ سن ا . فإذا قعد على 


ا ل 
ولا يوضع في معرض . 


والمرأة العاقلة هي التي تنظر ما الذي يرضي زوجها فتفعله؛ وعلى الرجل 
كذلك أن يبتغي مسرتها ورضاهاء وألا يغتر مبهذه السلطة. وحسب أنه صار 


١ما/‎ 


كسرى أنو شروانء فلا يعرف إلا الأمر والنبي. وألا يكون ظرفه ولطفه للناس 
فقط. فإن الناس من يكون خيره للغرباء وشره للأهل . 

ولقد كان في دمشق رجل معروف بسرد النادرة, وسرعة البادرة. حفظ 
من النكات العجيبة والوقائع الغريبة» ما يضحك الثتكلى» التي ففدت وحيدهاءٍ 
يتسابق الناس إلى دعوته والاجتماع به وبروله زيئة المجالس » إن خضر مجلسا 
م يتكلم غيره: ولم يتكلم بكلمة ! إلا ضحك لما الحاضرون من قرارات قلوبهم . 

وهو مع ذلك, أثقل الناس على أهله. لا يكاد يبتسم في بيته ولا يكاد 
يكلم احدا. إذا دل الدار دلت الكابة وحل الوجوم, لأنه لا ينطق ولا يدع 
أحداً من أهله ينطق في حضوره. 

وأعرف رجلا ما يذهب في رحلة أونزهة إلآ تولى هو بنفسه خدمة 
إخوانه؛ كلهم» إن كانوا في ميم اشترى لهم اللحم والخضر وأوقد النار وطبيخ 
هم ووزع عليهم » وإن كانوا 2 مجلس تولى هو صلع الشاي, لخدم بدلفسه ) 
وإن احتاج واحد من أصدقائه؛ أو من معارف أصدقائه؛ إلى شيء قام به عنه. 


وهو مع ذلك أكسل الناس في بيته» وأشدّهم تحىأ على أهله, وتكليفاً 
هم ٠‏ لا يقوم ليملا لنفسه كأس ماء ولا يسحب لنفسه كرسي ولا يتناول رداء من 
الخزانة إلا أن تكون زوجته أو بنته قائمة بين يديه؛ تملأ له الكأس وتعدٌ له الكرسي 
وتناوله الرداء . 

وأعرف رجلا ليس في الناس أكرم منه على إخخوانه» يوليهم الهدايا 
الثمينة» ويمنحهم المنح» ولا يمسك عنهم مالأ ولا ينشرد دونهم بشيء وهو في 
بينه أبخل البخلاء» يضن على أهله بالقليل» ويجرمهم مالا بد منه 
من الضروريات. 

وأعرف نساء إن كن في استقبال أوكنٌ بين أيدي الضيوف لا تبدو من 
إحداهنٌّ كلمة نابية» ولا تسمع منها لحجة حادة» ولا تمحي عن وجهها الابتسامة 


١14 


العذبة» وكلما رأت منبن من قبيح تغاضت عنه واحتملته. حتى يقلن: (ما شاء 
ألله ما أشدٌ عمذيبها وأكرم خلقها وأحلى حديثها) وإن كانت مع زوجها : تلقه 
إلا بالتقطيب والعبوس وبوجه مقلوب كأنه وجه عجوز شربت شربة ملح 
إنكليزي . 

ثم إن أكثر النساء إذا خصرجنّ لزيارة أوجولة؛ أو تمان لمقابلة قريبة 
أو صديقة, استعدت إحداهن استعذداد عروس لعرسهاء فتزيلدت وتنظفت». 
ولبست أجمل أثوابهاء وتطيبت بأعطر طيويهاء فإذا لم يكن إلآ زوجها رجت 
عليه من المطبسخ منفوشة الشعر» كالحة الوجه تسبقها رائحة السمن والريت 

مع أن حق الزوج على زوجته أكبر من حق الغريب. والعقل والدين 
يوجبان عليها أن تتزين (إن تزيلثك) له هولا للناس» وأن تلقاه بأحسن 
أحواطهاء وتكلمه يأحلى هجاتهبا. وأن تدخر له ابتسامتها ولطفها وإيناسها. 
والعقل والمنطق يوجبان عليه هو ( إن تكرم ) أن يكون كرمه لأهله لا الناس ء 
وإن عمل أن يعمل لهم. وأن يخدمهم لا أن يدعهم ويخدم الناسء وإن 
كان خفيف الروح» حاضر النكتة» سريع البادرة بالخيرء أن يكون لأهله الحظ 
الأو من خفته. ونكثته . لا أن بخص بذلك الناس وحدهم . 

فكيف انقلبت الحال» فصار القريب هوالمستحق للشرور كلها. وصار 
الغريب هو الذي ينال المحاسن كلها؟ 


السبب هو الإفراط في رفع الكلفة؛ وأنا أعرف أن الألفة تزيل الكلفة, 
وأن من العجيب المضحك بلا شك أن يتعامل الزوجان بالرسميات 
بال (بروتوكول) الذي يكون في وزارة الخارجية» وأن تكون حياتهبا كلها على 
(الأتيكيت). ولست أقصد هذاء ولكن أقصد أن رفع الكلفة بالمرة» يؤدي إلى 
أن يعرض كل واحد على الآخر ما لديه من عيوب ونقائص, لا يحاول إخفاء 


ايل 


شيء منها . . مع أن لكل ! إنسان أشياء لا يمسن أن يظهرها حتى لأقرب الئاس إليه. 
وزيادة القرب حجاب (كما يقول العرب). قرب وجهك من رفيقك حتى 
لا يبقى بينك وبينه إلا عرض إصبع فإنه لا يراك وإنما يرى مكان الأئف جبلا قائ) في 
مقدمته مغارتان. وارسم خطين مستقيمين» واجعلهم| متعرجين وباعدهما ترهما 
متوازيين» فإذا قربتهما حتى التصقا بدت الفجوات بينبها» وكذلك الناس , كان 
لي صديق استمرت صداقي إيا لين سنة وآنا لا أرى منه إلا خا وأجده 
موافقي في كل شيء. ثم سافرنا واضطررت أن ن أبيت معه في غرفة واحدة فرأيت 
منه في حالات أكله وشربه ونومه ووضوئه ما أيقنت معه أن بيننا من الاختلاف 


أكثر مما بين الليل والنبار. 


مبذا وبمثله» يسعد المتزوجون» ويرغبون الشباب العزاب بالزواج 


فل 


ل 


حديث اعد 
لحطف و2 1 1 12 12 10121210 1 |[ ز ز1ز1 11[ 11ذ7أاااا بداب ص9#ا-0 3301300-0-110 3 ----25-552292 07222 


1 


ذيعت من دمشق سلة ١9155‏ 


أرأيتم الجيش يوم العرض؟ حيث يمر الحنود متتابعين متشاببين» مشيتهم 
واحدةء ولبستهم واحدة, لا يمتاز فرد منهم عن فردء ثم يأتي ضابط أو رئيس» 
يخال في مشيته ويزهى بأوسمتهء فينتبه الناس إليه؛ وتنصب الأنظار عليه؟ 

كذلك الأيام يا إخوان. 

إنها تمر متتابعة متشابهة» لا يكاد يختلف يوم منها عن يوم» ثم يأتي العيد 
فتراه يوماً ليس كالأيام» وترى نباره أجمل» وتحمس المتعة به أطول. وتبِصر شمسه 
أضوأء وتجد ليله أهناء وما اختلفت في الحقيقة الأيام في ذاتهاء ولكن اختلف 
نظرنا إليهاء نسيئا في العيد متاعبئا فاسترحناء وأبعدنا عنا الامنا فهنئناء وابتسمنا 
للناس وللحياة فابتسمت لنا الحياة والناس» وقلنا لمن نلقى أطيب القول: كل 
عام وأنتم بخير, فقال لنا أطيب القول: كل عام وأنتم بخير("؟. 

كنا كالمسافر يجتاز بالدئيا ممسرعاًء فيبصر الدور والمساكن» وككل ما على 
الطريق, لكن لا يستوعبه.. فإذا تمهلناء رأينا جماهساء واستمتعنا 
بحسنها. وما الحياة إلا سفرء وما نحن إلا ركب الحياة» ولكننا نغمض عيوننا 
عن جمال الروضء ويهاء الينبوع» وفتئة الوادي» ولا ننظر إلآ إلى الغاية. . 
والغاية المال؛ المال, فنحن أبدا ثركض وراء المال» نفيق فنسرع إلى الديوان 
أو إلى السوق نفتش عن المالء أما النفس فلا نخلو بهاء أما الطبيعة فلا ننظر 
إليهاء ثم إنا نقطع أجمل مراحل الطريق» وهي مرحلة السحر من كل يوم 


(1) إن ل يكن بد من هذا التعبير فاحذفوا واو (وأنتم) قولوا: كل عام أنتم بخير. 


او١‎ 


ونحن نيام. . ويوم العيد. هو اليوم الذي ننسى فيه المال ساعات معدوداث 
لنفتش عن الجمال؛ فلذلك كان هذا اليوم عيداًء ولوفعلنا ذلك كل يوم لكانت 
أيامنا كلها أعياداً . 

والأعياد إما أن تكون أعياداً للدين» لذكريات دينية, تتصل بالعقيدة» 
وتنبثق عن الإيمان. وتكون ذكراً وعبادة يتوجه فيها الناس إلى رمهم» ويقيمون 
شعائرهم في ع ابدممء ويتبعون فيها أوضاعاً وأحوالاً. أمرهم بها دينهم» 
أو حسبوا أنه نه أمرهم باء وأكث أعياد الناس أو كلهاء إنما كانت من الأعياد 
الدينية» سواء في ذلك الأمة التي تدين دين الحق. والأمم التي تدين 
أديان الباطل . 

وإما أن تكون أعياداً وطنية» ذكريات أحداث جسام كان لها في حياة 
الأمة أثر» أو معارك مظفرة» أو أعمال لمذه الأمة باهرة. كأعياد الاستقلال» 
وأعياد إقامة الدول. 

وأعياد للفن والرياضة يحتشد لا الناس» ويتبارى فيها أرباب اللْسْنِ 
والفصاحة وأصحاب القوة والبراعة. وربما صحب ذلك بيع وشراء وربح 
وتجارة, كأعياد الأولمبياد عند اليونان» وسوق عكاظ عند العرب . 

وأعياد رجال عظام يجتمع الناس لإحياء ذكراهم, وتلاوة سيرهم. 
وزيارة' بقاياهم واثارهم , ولكل أمة من ذلك أيام عُرٌ مشهرات . 

وأعياد هي مواسم للطبيعة» كأعياد الربيع في كل بلاد الغرب» حيث تلبس 
المدن حلة من الورد وتعرض فيها مواكب الزهرء قد جمعت في هذه المواكب 
زهرات الحقول». وزهرات البيوت والقصورء وربما فرشوا الشارع كله ببساط 
من الفل والزنبق والياسمين والنسرين» مزخرف منقوش237) ومن ذلك يوم النيروز 
أيام بني العبّاس» وعيد شم النسيم في مصرء وقد كانت بلدان الشام تعنى ني 
القرن الماضي بمثل هذا العيد» فتبتغي فيه المتع المباحات والمسرات» من غير أن 
تكشف العورات» ولا أن تأتي المحرّمات . 


)1( رأيت ذلك في هولندا وبلجيكا. 


يدل 


والإفرنج بمزجون هذه الأعياد كلهاء مزيماً عجيباً. فلا يخلو عيد الدين 
وحفلة الربيع يباركها الخوري» وكل شيء لا بد له من هذه البركةء حتى إنزال 
السفيئة الجديدة إلى البحرء أو حفلة توزيع الشهادات في أوكسفورد. 

هذه هى أعياد الناس» ف] هو مكان عيدنا من هذه الأعياد؟ 

إن لنا في الإسلام عيدين, لا ثالث للماء وإن لم يكن ما يمنع من الاحتفال , 
بذكريات المدى والمجد. احتفالا من البدع والمحرمات. ومن تلاوة هذه 
الأكاذيب التي اشتملت عليها الموالد» وبيوم الحجرة وبيوم بدر» على أن لا تعد 
الأضحىء هذا احتفال ببداية نزول القراآن وإكمال الصيام» وذاك احتفاء 

وأعيادنا لله ولأ لأنبا أعياد عبادة وتبتلء وتوجه إلى الله بالشكر والحمد. 
والطلب والرجاء. 

وهي للوطن؛ (ووطن المسلم كل أرض تعلو فيها كلمة اللفى ونحكم 
شريعته) لأنبا ذكرى أعظم حادث في تاريخ البشرية كلها: نزول القرآن في ليلة 
القدر من رمضان, وتمامه في حجة الوداع من ذي الحجة, وإذا كانت الأمم 
تحتفل بيوم الدستور» وتجعله عيداء فإن يوم الدستور الآلمي. الذي أنشأ 
حضارة تفيأت ظلاها الأمم كلهاء حقيق أن يكون عيدا إنسانياء يحتفل به كل 
من استفاد من حضارة القرآن. 

وهي من أعياد الرجال» لأنها ذكرى أعظم رجل مست قدمه ظهر هذه 
الكرة: محمد يله . 


يلل 


محمد الذي جاء بالصيام ليعلم الأغنياء بهذا الجوع الاختياري, أن في 
الدنيا من يموع جوعاً اضطرارياًء ولولا هذا الصيام ما كان يتصور الأغنياء كيف 
يكون الجوع ‏ الذي قرر الساوأة في رمضان حتى صارالغني الذي يملك الملايين 
يشتهي كسرة الخبز وقطرة الماء» كما يشتهيها الفقير المسكين . 

والذي قرر المساواة مرة ثانية» حين جعل من له من كنوز الأموال» يقف 
مع السائل الذي لا يجد عشاء ليلة» وهو يلبس لباساً مثل لباسهء ويقف من 
عرفة موقفاً مثل موقفه» وينام على الأرض في المزدلفة مثل منامه» ويرمي الجمار 
ف منى وسط الزْحمة مثل رميهء وهنالك في هذا الموقف الأكبرء الذي لا تعرف 
البشرية في كل عصورها نظيراً له. وقف محمد كَل يقرر الحرية الشخصية, 
وحرية الرأي» وحرية المسكن» ويعلن المساواة بين الناس» فلا امتياز لجنس على 
جنسء ولا لون على لون ولا أسرة على أسرة. كما يمتاز الناس في أميركا 
في قرن العشرين» وفي جنوب إفريقية» وإنما يتفاضلون بال مزايا الشخصية: 
بالإيمان والعلم والتقى والأخلاق. 

لقد قرر ذلك في خطبته التاريخية الخالدة, في حبجة الوداع» قبل أن تعلنه 
إلكلتراء وقبل الثورة الفرنسية» وقبل مبادىء ويلسون. وقبل ميثاق الأطلنطي 
الذي كتبوه على الماء ‏ بأكثر من ألف سئة! 

أعلنه إعلاناً حقيقياًء تؤيده وقائع الحياة الإسلامية, وأوضاع المجتمع 
الإسلامي» لا الإعلان الغربي الذي تكذّبه شواهد الواقع. ومظاهر الحياة في 
ديار الغرب! 

وهي أعياد بطولة ورياضة» وما الحياة الرياضية إلا حياة الصبر والاحتمال 
وألا يزدهي صاحبّها النصرٌ ولا تهدّه ال مزيمة؛ وأن يستشعر الأخوة الرياضية 
لشركائه في هذا الكفاح» وكل ذلك يتحقق على أمه وأكمله؛ في صيام رمضان» 
وني شعائر الحج . 


ل 


وهي أعياد فرحة ومسرة» وهو شريف, ومتاع حلال. والإسلام ليس دين 
تزمت, ولايحارب طبيعة النفوس التي طبع الله الناس عليهاء ولا يناي 
الفطرة. ولكنه يمنع مأ فيه الضررء هله هي المحرّمات» فكل لهولا محرم 
فيهء مطلوب شرعا إن كان باعتدال وقصدء وإلى الحد الذي يقوي النفس عل 
الخير» وينشطها للقيام بما يجب. 


كنا يننا كن 

بقيت عل كلمةٌ واحدة هي أن حكمة رمضان» لاتثم في عيد الفطر 
إلا إذا شاركتم الفقراء في الأكل والشرب, كما شاركتموهم في الجوع والعطش» 
وكنتم معهم في لذة الوجدان. كى| كنتم معهم في لوعةالحرمان, وأن لا تملؤوا 
أيدي أولادكم باللعب والسكاكر. وفي أبناء جيرانكم أولاد مثلهم. ينظرون 
إليهم؛ وأيديهم خالية» وأن تعلموا أن تما رميتموه زهداً به من ثياب أولادكم 
مايكون ثوب العيد. وفرحة العمرء طؤلاء الأولاد. وأن كل غنى يجد من 
هو أغنى منه. وكل فقير يلقى من هو أفقر منه. والمسائل نسبية» والعصفور تملة 
إن قيس بالفيل» ولكنه فيل إن قيس بالنملة. فأعط من هو أفقر مدك عشر 
ليرات» هي علده مئة ليرة وعندك ليرة» يبعث لك من يعطيك خمسة ألآف وهي 
لك خسون ألفاً وهي عنده عشر ليرات» وإذا فرحت أخاك بعطيتك. فررحك 
الله بعطية من عنده لا تحتسبها ولا ترتقبها وثواب الآخرة أكبر. فاختارواء يا أيها 
القراء. ما يفضل من ثيابكم .وما يزيد من اللعب والسكاكر والحلويات عن 
أولادكم. فأرسلوه إلى أولاد الجيران الفقراءء دعوهم يعيشوا يوماً واحداً من 
السئة» كما تعيشون أنتم كل يوم, ولا تعطوا عطاء الكبر والترقع. إعطاء 
الصدقة. بل إعطاء الصداقة. ورب بسمة في وجه السائل» أوشَدّة على يده 
أحبٌ إليه من المال الذي تضعه في كفه, لآن المال يحيبي جسده وحده والمال مع 
الابتسامة يجيي جسله وروحه. 


وحينما| تخرجون من بيوتكم » فتجدون هؤلاء الأطفال الصغار. الذين 
كسومّوهم وأعطيتموهم الحلويات واللعب. ينظرون إليكم بعيون تبرق بالشكر 


١6 


والحب» ويسمون لكم بأفواه تشرق يالسعادة والفرح . 0 أمهاتهم 
يتملين لكم طول العمر» ولأولادكم كمال العم » حينكلٍ تعلمون أ ن أعظم 
لذة في الدنيا هي لذة الاحسان. 


أليس هذا خيراً من أن تجدوا في عيوهم نظرات الحسدء وعلى ألسنتهم 
دعوات الموت والخراب؟ 


وهنيئا لكم بعد قبول صيامكم» وهنيئاً لكم أفراح عيدكم» وكل عام 
أنتم بخير. 


رت رت كن 


105 


شرت سئة ١989‏ 


هل لك في زيارة مجنون؟ 

وهل فرغنا في زيارة العقلاء حتى نزور الجحانين. 

قال: إنه مجنون عاقل . 

فضحكت وقلت: 

هذا قياس فاسد لأنه إن صح أن يكون هذا المجنون عاقلاء تكون 
أنت أيها العاقل مجنونا. 

قال: دعك من هله الفلسفة؛ واذهب معىء تر رجلا يندر أن ترى مثله 
في الرجال . 

قلت: ما صفته, ما شأنه؟ 

قال: كهل يعيش هو وزوجه العاقرء كان موظفاً فهبط عليه الغنى فجأة» 
مات قريب له موسر وأورثه ماله كله؛ فاعتزل العمل وعاش متبطلا. 

قلت: إن الغنى سبب واضح للجنون, ولكن ما جنونه؟ هل يضرب؟ 
هل يخبق؟ هل يخوض في حديث طويل مع سائق الأتوبيس فيعرض أربعين 


١5ا/‎ 


ولافي معناه؟ هل يضع أولاده في المدارس الأجنبية؟ هل يؤمن بديمقراطية 
أميركا التي تشنق الزنجي إن قبّل امرأة بيضاء قد تكون من البغايا؟ 


قال: إنه على الطريق» لم يصل بعد إلى هذه الدركة من الجنون . 


ومشيت معه فأخذني إلى عمارة ضخمة في حي الحدائق ف (جاردن سيتي)ٍ 
فيها مصعد وتدفثة عامة, وهواء معدّل وأدخلني. بيدأ فيهاء ٠‏ فخي مفروشآفرشاً 
إفرنجياً» ما أظنْ أن رأيت آنق منه, ولا أحكم وضعاً ولا أحسن ترتيباً . ووجدت 
الرجل حليق الوجه» غربي اللباس .يد نحن السيكار ويرطن بالفرنسية» ووجدته 
حلو الحديث» سرييع البادرة. حاضر النكتة. وقضيناً معه ساعة استمتعنا 

3 أين جئونه؟ 

قال: ستراه بعد شهرين : 

وعاد بعد شهرين وقد نسيت القصة كلها فقال لي : 

هلم لزيارة المجنون. 


ومشى بي في غير الطريق الذي سرنا فيه أول مرة. وما زال يتتقل بي 
من الترام إلى السيارة» ويسلك بي من حارة إلى حارة» حتى صرنا عند الجبل» 
فأدخلني أزقة ضيقة ومسالك معوجة, حتى وقفني على دار قديمة طرق بابها 
ففتتح , وإذا الرجل ذاته ولكنه في إزار عربي وعباءة رقيقة» وله لحية خفيفة 
م تكن له من قبل » ورأيت دارا شرقية قديمة مزحرفة الحدران , حالية من الكهرباء 
فيها المصابيح المدلاة» والسرج المحلاة وحمالات الشموع . ووجدت فرشاً عربياً 
غير الفرش الأولء البُسْط والنمارق والوسائد والمتكآت, وليس في الدار كلها 
كرسي واحد ولا نضدء» ووجدت الرجل هو الرجل». ولكن مكان السيكار 


54 


النارجيلة» وبدل الرطانة بالفرنسية الحديث باللهجة البلدية» وسَوق أعرق 
ما هذا؟ 

قال هذاجنونه. أنه لا يطالع ولا يعمل ويخاف الملل» فهو يتنقل هذا 
التنظل المفاجىء ليشعره بللة التغير ومتعة التجددى وينفق على هذا جل ماله 
فهرينتقل في البلدان. يعيش في القاهرة حيئاً. وني الإسكندرية حيناء وتارة في 
أوروباء وتارة في الريف. وينتقل ني الحالات فهويوما شرفي ويوما غربي؛ وانا 
يحيا حياة لورد من لوردات الإنكليزءولا يفتأ يبدل ترتيب الغرف ونوع الأثاث 
وطريقة الفراش. فإن كان السرير في غرفة النوم على اليمين جعله بعد أيام على 
الشمال» وإن كانت مائدة الطعام بالطول أقامها بالعرضء فإن مل الجديد عاد 
إلى القديم . 

قلثت: هذا والله من كبار العقلاء. إن العادة كما يقول علياء النفس 
تضعف الحس وتبطل الشعور. إن الموسر الذي يركب الكاديلاك كل يوم» وينام 
على السرير الفخم. ويأكل على المائدة الحافلة, لا يحس لذلك كله بعشر اللذة 
التي يمس بها الفقير إذا جرّبه مرة» بل إن الغني ليمل الترف ويشتهي لونا ار 
من ألون الحياق» خبرني الشيخ عبد الله أبو الشامات أن أحمد باشا الشمعة 
الذي كان وجه دمشق في أيامهء جاءه مرة واشتهى عليه أكلة فول مُدمّس مع البصل 
على أرض الحديقة. وأنت تعرف مائدة أحمد باشا الشمعة. بل تعال قل لي أنت 
أما مللت وضع غرفة الاستقبال في بيتك؟ وغرفة النوم؟ أما تشعر بلذة إذا بدلت 
غرفة بغرفة» وأنزلت هذه اللوحة التى علقتها منذ زواجك من قبل ثلاثين سنة» 
وجثت بغيرها؟ إنها قد تكون لوحة فنية حميلة ولكن ثق أنه لم يبقّ من يشعر 

أما تحس ببحيأة جديدة إذا تركت هله الدار الي تسكنبها وانتقفلت إلى حي 
جديد تشغ نفسك مدة بدراسة أحواله ومعرفة أهله وكشف أسراره وخفاياه. 


59 


إن التبديل والتجديد حياة؛ والجمود والركود موت. وإن علة الحياة 
الزوجية خاصة هي الاستمرارء وفقد الحديد. وأنا أرى أن يأخذ الرجل الموسر 
أهله وأولاده ل ليلة أو يلين إلى الفندق بوث أيه إذا لم يستطع السفر بهم إلى بلد 
آخر» ليجد في التجدّد ما يبعث في نفسه وفي أ نفسهم الشعور بالحياة» وليكون 
من ذلك مادة للحديث والتذكر. 
المهم هو التبديل» وإلا فلماذا نصطاف في الحبال؟ ما الاصطياف؟ إذا 
كان فعل ذلك الرجل في تبديل المساكن جنوناً فكل واحد منا يمن مرة في السنة 
حين يذهب | إلى الجبال ليصطاف فيها. إن له من وسائل الراحة في بيته وفي 
بلده؛ ما لا يجد مثله في المصيف», ولكنه حب التبديل . 
والموظف في الزبداني ينتظر يوم العطلة لينزل إلى دمشق» ونحن في دمشق 
نرقب يوم العطلة لنذهب إلى الربداني. هويجد المتعة في دمشق ونحن نجد 
لمئعة في الزبداني, وما اختلفت النفوس ولكنه حب التبديل» والكشافة الذين 
يتركون القطار المريح والسيارة السريعة» ويحملون أحمالهم ) ويصعدون الحيال» 
ويؤمون المدن والقرى » يدعون البيوت ويئامون في الخيام ببجرون الأسرة وبجعون على 
0 يريدون التبديل. 
إن الحج نفسه إما هو أولاً ‏ عبادة مفروضة وركن من أركان 
سآ ثم إنه لون من ألوان التبديل في نحط المعيشة. إنه 
معسكر كشفي تدريبي لا بدٌ فيه من تحمل المشاق» والصبر على المتاعب. 
ولوكانت حجة يمكن أن تخلو من تعب لكانت حجتنا الى حججناها سئة 
4 . كنا ضيوف الحكومة, النزول في فندق بنك مصر الفخمء والسيارة على 
الباب. وكل شيء ميس وقاسينا مع ذلك من مشاق الزحام في الطواف 
والسعي والرميء والسهر ليلة منى» والامتناع عم يجرم على المحرمء 
مالا ننساه(». كآن تلك المشاق من مقاصد الشريعة في الحج ليكون معسكراً 
تدريبياً إلزاميا . 


(1) الم يبق من هذا الآن إلا أقل من القليل. 


-؟.٠‎ 


وإن من أسباب التوفيق في الزواج» أن يبتكر فيه الزوجان أسلوباً 
للتجديد ودفع الحياة النمّطية المتشامبة». أعرف رجلاً من أرباب النكتة كان 
يعد لزوجئه كل يوم مفاجأة فهو يتصيد الأخبار ليقصها عليهاء ويخترع من 
التكاثت العلمية أنواعاً عجيبة تكون قُُ أولما جدا كالجد ثم تكون مادة 
للضحك منبها والحديث عنها شهراً. 

جاء هذا الرجل يوماً فوجد زوجه منفردة في الدار تشكو الملل وكانت 
مرأة عامية فأحبٌ أن يشغلها بشيء فجعل يلوي وجهه ويظهرالأم 

مالك؟. 

قال: لا شىء. . لا تهتمي . . 

قالت : مالك؟ قل لي مم تتام؟ . 

قال: لا أدري رجلي كلهاء أحس كأن النار مشي فيها. 
إليه فقال: ها هوذا إنه هنا في خنصر رجليء إنها علة مخيفة قرأت عنها. 
ا خنصر وجل مشموس في 5م 
وانطلقت إل الهاتف لتدعو الطيب. . 

فقال: لا لا فتشي قْ الدليل عن طبيب مختص بمرض الخناصر, وأمضى 
في ذلك نصف ساعة. ثم ضحك فعرفت النكتة وصارت لها مشاراً للضحك 
ومادة تحدّث مها جاراتها . 

وأنا لا أطلب من كل زوج أن يمثل مثل هذه الرواية السخيفة» بل أريد 
من الأزواج أن يعلموا أن من أكبر أسباب الشقاق بين الزوجين هذه الحياة 
الراكدة التي تمر أيامها متشاممة متمائلة, كل يوم مثل أمسه وشبه غده؛ وكل 


احبر 


شىء فيها لا يتبدّل» توزيع الغرف ووضع الأثاث وألوان الطعامء. وأسلوب 
الأكل . 

وما أدري ما الذي يمنع أن تأخذ الحكمة من هذا المجدونء فنعمد أبداً 
إلى دار أهلها فتقضي فيها أياماً ويبقى الرجل وحيداً يعالج أمره بنفسهء 
أويكون ضيفاً معها عند أهلهاء فيجد من تبدّل الحال ما يجدد نشاطه ويشحذ 
شعورهء ثم يدعو أهل المرأة ليقضوا عنده أياما مثلها. أو يأخذ زوجه وأولاده 
فيأكلوا يومافي المطعم, أويحملوا الطعام فيتعّشوا على صخرة في الجبل أو عند 
ساقية في البستان. 

ولست أريد هذا بالذات بل أضرب الأمثال على ما يمكن به دفع الملل 
وتجديد أسلوب العيش . 

وما أدري أجئت بشىء معقول, أما أنا لا أزال في جو المجئون الذي زرته 
فأنا لذلك أتكلّم كلام المجانين. 


فل 


5 


السن المناسبة للسز واج 


شرت سنة ١409‏ 


أما الإجابة على السؤال الآخرء فإن كان يكفى فيه أن ينطق المسؤول 
بأول عدد يخطر على باله لا يطالب بدليل ولا بتعليل؛ قال قائل (ثلاثين) وآخمر 
(أربعين)» وإن كان يجب في الجواب أن يكون موافقاً لفطرة الله التى فطر عليها 
النفوس» وطبيعة الكون التى طبع عليهاالأشياء.فلا بد لي قبل الإجابة من تقديم 
هذه المقدمة. قد قلت لكم إن الله وضع في نفس الإنسان غريزتين: غريرة 
حفظ الذوات التي تدفع إلى الأكل» وغريزة حفظ النوع التي يكون بها النسل» 
وما يصمٌ في إحداها يصح في الأخرى» فخبروني متى يأكل الإنسان أخبركم 
متى يتروج! 

متى يأكل؟ 

تقولون : عندما يجوع . . 

فليتروج إذن عندما (يشتهي). أي عندما يبلغ مبلغ الرجال؛ أعني فْ 
الثامنة عشرة من العمر. 


تقولون: وإذا ١‏ جد أسباب الزواج مجتمعة لهي وهوفي هذه لسن 


فماذا يصنع؟ 
فأقول : يصنع ما يصنعه الجائع الذي لا يجد الطعام. يصبّر نفسه حتى 


تقولون: فإن لم يستطع الجائع أن ينتظر. ورأى الطعام أمامه فسرقه 
' فأقول: إن على المجتمع أن يمهّد لكل جائع سبيل الوصول إلى الطعام 
وجب أن يحفظ الئاس أمواهم مله , 

فهو من جهة محق لأن المجتمع حرمه الطعام وهو حقٌ له. وهومن جهة 
مبطل لأنه أخذ ما ليس له. 

الوقت الطبيعي للزواج» هووقت البلوغ ولكن الشاتث يكون في هذه 
السنّ في المدرسة, لا مورد له ولا مال في يده؛ ويستمر في الدراسة إلى سن 
حمس وعشرين على الأقل؟ أي أن الظروف الاجتماعية التي اصطلح الناس 
عليها جاءت مصادمة ومناقضة لطبائع النفوس وحقائق الأشياء. فماذا نصنع؟ 
ماذا يصنع الشاب وهو مضطر أن يمضي هله السنين العشر بلا زواج» مع أن 
هذه السنين العشر هى أشدّ سنى العمر شدّة في الشهوة وإحساساً مها؟ 

إن الله وضع بين جنبيه ناراً متقدة إن لم يطفئها بالزواج أحرقت بالألم 
يكون فيه البحث. 

وإن من أسهل السهل على من يكتب في هذا الموضوع أن يستلقي على 
كرسيّه ويأخذ نفساً عميقاً من دخينته» ويقول ببطء وتمهل : 

إن رأيي أنْ سن الزوج المناسبة هي الثلاثون. . 

هذا رأيك ولكن هذا لا يحل المشكلة. . 
إن الكلام بالمجان» والحاكم الذي ينطق بحكم الإعدام, لا يكلّفه ذلك 


5 


من التعب إلا أن يفتح فمه ويحرك لسانه» ولكن المصيبة | نما تقع على رأس 

المحكوم عليه . والمحكوم عليه هنا هو الشاب. . والشابة أيضاً. 

وإذا كانت طبيعة الشاب وغريزة نفسهء توقظ في نفسه ا جوع الجنسي ف 
سن الخامسة عشرة. وأخونا المفكر المحترم يحكم عليه بآلا يتزوّج إلا في سن 
الثلاثين» فماذا يعمل في هذه الخمس عشرة سنة؟ 

لا سيما وأن هذا المجتمع الذي بمنعه من الزواج فيهاء لا يرك وسيلة 
لزيادة هذه النار اشتعالاً في نفسه إل عمد إليهاء وكلما نسى المسكين هذه الشهوة 
ذكُرناه بهاء بالصور العارية, والأفلام الخليعة» والعورات البادية» والاختلاط 
المتفشى. إن مثبى في الطريق وجد المغريات» وإن دخل الكلية وجد المغريات» 
وهويجد المغريات في كل مكان؛ ونحن نوجب عليه أن يحمل ذلك العبء 
خمس عشرة سئة» ونقول له بعد ذلك انصرف إلى دروسك,ء وإلى مطالعاتك» 
وإياك أن تفكر في الفاحشة» أو تقترب منها. 

أقسم بالله أن من يحكم عليه بالسجن خمس عشرة سئة ليس أشدٌ حالاً 
من الشاب الذي تكلفه بهذا كله؟ 

فما العمل؟ 

العمل أن نعود إلى الطبيعة» ونتبع حكم الفطرة» فإنه لا يستطيع بشر 
أن يحارب فطرة الناس وطبيعة الأشياء. وأن نرجع إلى عادة أجداض فزع 
الشاب في الثامنة عشرة» والبنث في السادسة عشرة» فإن لم يمكن فلا أقلّ من أن 
نربي أولادنا على نخوف الله؛ وعلى متانة الخلق» وأن ننظلف مجتمعنا من كل 
ما يذكر الشاب (الذي اضطررناه إلى العزوبة الجبرية) بما نسي من شهوته. وأن 
0 وأن يحمي الآباء بناتهم من أن 

ق أحد أعراضِهنٌ ى) يحمون أموالهم من اللصوص أن تمتد أيديهم إليها. 

هذا هو الجواب», وأنا واثق أن كل من يقرؤه سيقول إنه صحيح» ولكن 
لن يعمل به أحد» مع الأسف. 

لح اه 


>” 


مسوضوع إنشساء 


نشرت سنة ١91715‏ 


احسبوا معي يا قرائي الأعزاء. لأنٍ كما تعلمون أوكم لا تعلمون 
لا أحسن الحسابء ولا أعلم أن خحمسة وستة ثلاثة عشر إلا بعد ساعة كاملة 
أقضيها في حل هذه المسألة. . . وربما خرجت بعد هذا التفكير» ومعي فيها 
قولان: فهى على قول اثنا عشر؛ وعلى قول هذه الثلاثة عشر المشؤومة, والله 
أعلم بالصحيح . 

إحسبوا معى يا سادة: مئتان وحمسون ورقة في كل ورقة خمسة حميرء 
وخسة أفراس» فكم هو الحاصل؟ لست أدريه على التحقيق ولكنه من غبر شك 
أكثر من ألف حمارء وألف فرس! 

وليست هذه الدواب في اصطبل ولا في خان ولا في مزرعة ولكنها في. .. 
رأمي ولا مؤاخذة! 

نعم في رأبي» فقد دعوني إلى لجنة الفحص. وجعلوا موضوع الإنشاء 
حواراً بين حمار وفرس27. وأرادوني وأرادوا زملائي الكرام على قراءة مئتين 
وخحمسين مقالة في هذا الموضوع (الحماري) فجعلوني أحسٌ أنْ في رأسي ألف 
حمار وألف فرس تتعادى وتترافس وتصهل وتنهق؛ وتضرب بأرجلها جوانب 
رأسي وتدخل في أذني وأنفي وأراها في أحلامي طائرة من حولي تضاحكني 


(1) كان هذا موضوع الإنشاء في امتحان الشهادة الابتدائية تلك السنة ولا ندري متى 
ينتهى مدرّسو الإنشاء من هذه الموضوعات (الخنفشارية)! 


مين 


وتباسطني بنبيق من نغم الصبا احماري» أو بعناق على الطريقة الحمارية» ولست 
ألوم في اختيار هذا الموضوع لأنهم أكدوا لي أن الموظف لا يح له أن يلوم 
رؤساءه ولوبدا له أن هذا اللوم حق» ولكني أقول إن هذا الموضوع لم يعجبني . 
ولا يعنيهم أن يعجبني أو لا يعجبني مادمت في نظر القانون لا يمكن أن أفهم 
شيئاً في هذا الباب لأني معلّم ألف باء تاء ثاء. . . في مدرسة زاكية الحورانية! 
وأقول إنه أضحكنى كثيراً» وأضحك زملائى أن أحد الطلاب كان رقيقاً أكثر 
من اللازم فجعل الفرس والحمار يتعاتبان عتابا رقيقا . ٠.‏ ثم يعتذر أحدهما 
للآخر ويصافحه ويعائقه ويقدّم له (بردونا) حمارياً ‏ وأن أحد الطلاب كان 
سمجاً أكثر من اللازم فجعل بين ا حمار والفرس حواراً أودع فيه كل ما يعرف 
من ألفاظ السباب والشتائم البلدية موجهة إلى حضرات الأساتذة الكرام أعضاء 
اللجنة. . وححجته بأن الحمار رفس الفرس فقتله ‏ وأن أحد الطلاب أراد أن 
يتفاصح » فجعل الفرس الأصيلة فرساً قصيلة» ولا يدتان ورجلتان وعينتان. 
د عد لد 

لا ألوم أحداًء ولكني كتبت لأتنفّس الصعلاء. بعد هذا العناء الطويل» 
والبلاء المستطيل؛ ولأهنىء إخواني الطلاب لا بنجاحهم وحملهم الشهادة فليس 
هذا بالأمر المهم» وليس يعنيني كثيراً أن تزيد قائمة المغترين مائة اسم أو مثتين» 
ولكني أهنئهم بأنهم لا يزالون تلاميذ, لا يعرفون بعد ماهو عناء الفحص. 
والتلميذ يوم الفحص يحسب انه وحده الخائف الحذر في حين أن هؤلاء التلاميذ 
الكبارء هؤلاء الفاحصين, أشدّ منه خوفاً وحذراًء هويخاف من الشقوطء 
والسقوط أمر تافه مادام التلميذ قد حفظ دروسه وقام بالواجب عليه؛ وهم 
يخافون من الظلم, والظلم أمر خطير لا يستطيع الرجل الشريف أن يقدم عليه. 

والتلميذ يكتب ورقة واحدة؛ يصبٌ فيها ما شاء من هراء وهذِّيَانِ ثم 
يذهب إلى بيته فيؤمن» ويؤمن أبوه وأمهى أنه قد أجاد وأحسن وبل الكاتيين» 
وهم مجبورون على قراءة هذه الأوراق كلهاء وحشو أدمغتهم بهذا الهراء وهذا 
المذيان وفهمه وإدراكه: وتقديره بعلامة من علامات الامتحان» وه وإذا سقط 


١و‎ 


يزعم ويزعم أ هله أنه قد ظلم وأن الفاحصين قد تحاملوا عليه» وانتقموا منهى 
وهم إذا أسقطوا تلميذاً سقطت عليهم اللعنات والشتائم.» ورفعت أكففٌ العجائز 
في ظلمة الليل تدعو الله أن ينتقم ممن كان سبب سقوطك يا ولدي. الله يخرب 
بيته, الله يعدمه أولادهى الله يبعث له العمى والكساح . أي أن جراء هذا 
الفاحص المسكين الذي أجهد نفسه وأتعب ضميره وأضاع وقته» أن خرب بيته 
فيبقى في الشارع, ويموت أولاده فيغدو منفرداً اكلا حزيئاًء ويذهب بصره فلا 
يعرف عدواً من صديق ولايعرف أ ين الطريق». ويصبح مُقعداً لا يقدر 
على جراك. . 

والغزيب أن هذا السخف لم يختص به العجائزء بل تجاوزهم إلى مدير 
مدرسة بيني وبينه بعض اجفاء وتلاميذه مقصرون جداً فسقطوا في الفحص. 
فلم ير سبيلاً | إلى ستر تقصيرهم وإخضاء عجزهم إل بأن يندب إي) وي . 
وأغرب من هذا أن كثيراً من أصدقائي قد سآلوني أ ن أضمن لهم نجاح طائفة 
من الطلاب» ولم يروا 5 هذا بأساء 0 حين م لجح هؤلاء الطلاب. . . 
مع أنني أحقٌّ بالغضب منهم. وأولى أن أشور لكرامتي الني يعبثون بها بهذا 
الطلب الذي لا يختلف في شيء عن قوهم لي لوقالوا: أنت رجل خحائن قند 
تعوّدت الخيانة» فنرجو أن تخون أمانتك هذه المرة أيضاً من أجل خاطرنا . 

على أن الذي جرأ اناس عل ما”ء الطلبات وعودهم عليها؛ هو إصعغاء 
بعض المعلمين ومن بيدهم أمر مر الفحص إليها. وأمشج ينيم لماء ولورفضوها 
واستنكروهاء وغضبوا منباء لتراجع الناس وفهموا أن المعلم 50 
ولا خحائناً. ولا يختصّ زيداً بالخير ولاعمرواً بالشرء ولواضطرته إلى 


الصدافة المتيئة أو العداء الأكيد. 
م تنا 


والخلاصة أن أحمد الله على نجاتي من هذا العناء وعلى عودتي إلى نفسي 
وصدوئي ومطالعاي» وأرجو أن تكون هذه آخر مرة أدعى فيها إلى مثل هذا 
العئاء وأحسب حسب أنهم لن يدعوني كرة أخرى. وا وأحسبني قل أتعبتهم كا أ تعبوني . 


خا و 


54 


وبعد» فإني أحمد الله على انتهاء هذه المفازة الامتحانية؛ وأهىء من فاز 
من الطلاب؛ وأرجو لمن سقط نجاحاً قريبأء وليغفر الله من ملأ رؤوسنا 
خيلا وحميراً . 


و ل 


من عبت المتلا ميد 


نشرت سلة ١9177‏ 


كنت في الصف وكان موضوع الدرس شيئاً لا نعرف نحن معشر 
المعلمين» ولا يعرف من هم فوقناء مدلوله إلا بالتقريب» ذلك الشيء الذي 
يحويه ثبت الدروس الرسمية ويهمل في الواقع هو.. . «المحادثة) وقد زعمت 
مرة ة أفي فهمت موضوع هذا الدرس. وافترضت أني مجلون حقيقة (إذ أن كل 
معلم مجلون جاراً ولا مؤاخذة... جنون عبقرية لا جنون مارستان) ورحثت 
أتحدّث أنا وتلاميذي؛ أسخر منهم ويسخرون مني» وأسآهم ويسألوني. 
وم لا؟.. اليس الدرس درس محادثة , . هلم فلنتحدّث! 

سألتهم ماذا يختار كل واحد منهم من المهن إذا هو بلغ مقبل أيامه وصار 
رجلا أعبيى بحسب الظاهر ‏ وهذا السؤال على ما فيه من سخف بين شائع 
فينا معشر المعلمين نلقيه في أوجه التلاميذ كلما لاحت لنا مناسبة أو أخرجنا هذه 
المناسبة من جيوبنا! 

فقال واحد منهم : 

أما أنا فأريد أن أكون ختاراً (أي عمدة) . 

حسنء إن المختارية (العمودية) غاية ما يطمح إليه تلميذ في قرية وهذه *مة 
عالية ولا شكء ولكنى أحببت ‏ أو أن موقفى اقتضى ‏ أن أسأله: لماذا؟ 
فارتبك ساعة ثم قال: (والعبارات كلها مترجمة من لغات الأطفال التي 
لا يفهمها إلا نحن إلى اللغة العامة) : 


5٠ 


إن المختار ينال المال بلا تعب ولا مشقة فليس عليه إلا أن يتم بخائمة 
كل ما يعرض عليه . 

لا... ليس كل مايعرض عليه قديعرض عليه أشياء 
مخالفة للقانون . 

نعم يا سيدي» ولكنه يختمها إذا أجزلوا له الأجر. 

- والله العظيم يختمهاء لقد ختم ل (فلان) بعد أن أخذ منه ورقتين. . 
لا يقبل. 

كيف لا يقبل؟ إن أبي يقول: إن الحكومة تقبل ختم المختار في كل 
شيء وتعد كل ما شهد به حقأء وكل حق لم يشهد به باطلا. 

هذالا بهمنا. . أنت | إذن تريد أن تكون متاراًء سأعود للكلام 
معك» وأنت؟ تكلّم : 

أنا أريد أن أكون دركياً. 

وأي شيء ب يعجبك من الدركي . 

9 أعجبني أنه فوق المختار. يأمره أمرأً ويلعوه إليه متى شاء ويلزل به 
هو وأصحابه. وفرسه وأفراس أصحابه؛ فيأكلون ويشربون ويقيمون ما طاب 
لهم المقامء والمختار لا يستطيع أن يعارض في شيء؛ ثم إن الدركي هو الحاكم 
المطلق في القرى لا قوة فوق قوته يحترمه الناس ويقومون له إذا جاز بهم, 
وإلا وجد سبيلا إلى اتهامهم بتهمة من التهم, وتقطيع أرجلهم بالضرب. 

إن ضرب المتهمين تمنوع. اسكتوا لماذا الصياح. ليتكلم أحدكمء 
قل أنت: 


لحلل 


إنهم يضربون يا أستاذ» يضربون حتى الأبرياء» أقسم بالله . 

لا تقسم . ' 

- يضربون ل يمنعهم أحد» وقد سمعت دركياً يقول» إن هذا المعلم 
متكبر» وإن شاء الله سأرميه في ورطة . 

فأسررتها في نفسي» وقلت: 

خرجت عن الموضوع . . يكفي . 

من منكم يريد أن يكون معلياً؟ معلم. . لا أحد؟ ويحكم لماذا؟.. 
نعم. . قل : فقال ما معناه: 

لأن المعلم يتعب نفسه فلا يعلم بتعبه أحد ولا يجزيه خيراء ويقذف به 
إلى أنحس القرى ولوكان أحسن معله”2 فلا يمس به أحد ولا يرئى له وينظر 
إليه الناس نظرة ليس فيها من الاحترام ما يكون للجابي أو الدركي, وقد قال 
أبو فارس» إن الجابي يستطيع أن يعزل المعلم . 

إن هذا كذب . . إن المعلمين أشرف الناس وأحستهم أخلاقاً و. . . 

دائئمايا سيدي؟ 

دائياً» طبعاً. 

53 كيف إذن يكون في «...» مع لم ليس أحسن اللناس 
أخلاقأء ولكنه. . . 

أسكتء قليل الأدب. . 

وقرع الجرس . فانتهى الدرس وانتهت القصة . 


1 


)١(‏ كان من معلمي القرى في تلك الأيام سعيد الأفغاني وأنور العطار وحلمي اللحام 
وجميل سلطان وأمجد الطرابلسي وعلي الطنطاوي . 


"1 


شرت سئة ١9481/‏ 


هذه مقالة كُتبت من أكثر من نصف قرن يوم كان لبنان 
لبنان , م تمسسه الحدثان وم تعبث به يد الزمان؛ كائت أدبا 
فصارت تاريخاًء وكانت للمتعة؛ فصارت للعبرة. 


لقيني الأستاذ عز الدين التنوخي» وكنت قادماً من سفر. فقال لي: هلم ! 
قلث: إلى أين؟ 

قال: إلى الجبل نزور أمير البيان» ورجل الإسلام شكيب أرسلان. 
قلت: ما أعدل والله بزيارته شيئاً. ولكني آت من سفر ول أبلغ داري . 
قال: إطمئن, فإن الدار في محلها لم تطرء وما عليك أن تراها غدا؟ 
قلت: صحيح. وسرت معه. 


ولم أعد أرى السفر شيئاً. لأني أصبحت في هذه السئين الأواخر كذلك 
الذي كان (موكل بفضاء الله يذرعه)» فلا أكاد ألقي عصاً التسيار,وأحطّ الرحال 
من سفرء حتى أتبيا لآخر. وأطوف. أطوف,. ثم أوي إلى هذه الغرفة 
الصغيرة؛ أجلس بين ركام الكتب. أحسب ما كسيت من هذا العناء الطويل» 
فلا أجدني كسبت إلا صورة في الذاكرة أضمّها إلى صورة» وذكرى في نفس 
أقرنها بذكرى, وصفحة في دفتري أضيفها إلى صفحة. . أسعد بتدويهاء وأسر 
ببقائهاء وإن كنت لا أدوّن إلا الأقل مما أراه وأشعر بهء ولا أذكر إلآ التافه ثما 
يمرّبي. وإن كنت أعلم أن صوّر الذاكرة إلى اتحاءء وذكريات النفس إلى 
ضياع» وقصص الدفتر إلى السكين والنار؛ لا يزهدني ذلك فيهاء ولا يصرفني 


51 


عنها لعلمي أن ال حياة نفسها ستموت» والسوجود سيعدّم؛ ولا يبقى ني الوجود 
إلآ الموجد. 

وكنا خمسة في السيارة: الأستاذ التنوخي » والأستاذ الشيخ بهجة البيطار, 
والأستاد الشيخ مببجة الأثري » والشيخ ياسين الرواف معتمد المملكة العربية 
السعودية في دمشق سابقاً» وأنا. 

خرجنا من دمشق مع الغروب. وكان اليوم حمعة» وكانث ليلة قمراء. 
فسالت الطريق بالدمشقيين على عادتهم في مثل هذه الليالي. فامتلات جوانب 
بردىء. والمرجة الخضراء. والربوة. ووادي الشاذروان (أحمل أودية الدنيا 
وأحلاها) بخير الفتيان. وأجمل الفتيات» وأحلى الأطفال؛ فلم يكن أمنع 
للعين» ولا أشهى للقلب» من ذلك المشهد. 

فسرنا في هذا العام الساحرء مترفقين متمهّلين» لأننا لامش في طريق 
وإنما نمثي في بحر من العيون والقلوب والمفاتن» جمع كل جميل بارع أخاذ حتى 
بلغنا دمر: 
والحور في دمر أو حول هامتها ‏ حور تكشف عن ساق وولدان0) 


فوقفنا مع الأنظار بحورها وحورهاء وشموسها وبدورهاء وأنت مهم]| 
عرفت دمشق لا تزال ترى فيها أبداً حالاً تجهله ولا تعرفه, ففي كل يوم جمال 
جديد, وفي كل مكان فتلة جديدة؛ فلا تدري أين تقفء وماذا تنظر. 
وأياً نفضل؟ 

أوادي الشاذروان أم جنائن الغوطة. أم جبال بلودان» أم عين الخضراء. 
أم سهول الزبداني» أم العون ني لايصيها عددة 
سقى الله ما تحوي دمشق وحياها فما أطيب اللذات فيها وأهنا 
نزلنا بها واستوقفسا محاسن 2 يحنٌ إليها كل قلب ويهواها 
بسنا بها عيشاً رقيقاً رداؤه ونلا بها من صفوة اللهو أعلاها 


)١(‏ شوقي. 


غ551 


سلام على تلك المعاهد إنها محط صبابات النفوس ومثواها 
رعى الله أياماً تقفضْت بقربها فما كان أحلاها لديها وأمراها("» 
# # #4 
خلينا الهامة مة وجرايا بلدة ابن واسانة'؟2 والوادي كله عن أيماننا» وأسئدنا 
لى الجبل» نستقبل الصحراء إلى ميسلون بلاط شهدائناء ومشهد أبطالناء 
9 تاريخنا الحديث ومثوى الأسد الرابض يوسف العظمة.» الذي 
وقف هو وأشبال دمشق العزّل الأقلاء في وجه ثاني دولة قوية ظافرة» فما ضعفوا 
ولا استكانوا ولا جبنواء وما زالوا يقاتلون ويدافعون عن العرين ثابتين ما ثبتت 
الروح في أجسامهم, حتى أعجزهم أن يعيشوا أشرافاً فماتوا أشرافاً؛ فكان 
موتهم حياة هذه الأمة التي حفظت العهد وحملت الأمانة؛ وكانت قبورهم مناراً 
أحمر في طريق هذا الشعب المجاهد المستميت لن يقف أويتباطاً حتى يأخحذ 
(الكل) الذي (أعطى) الآن0؟ (بعضاً) منهء ولن ينام حتى يرى هذه الصحراء 
قد آضت جنات ألفافاً ؛ تحمل الزهر الذي لا يسقى إلا بالماء الأحمر الملتهب 
تحمل أزهار الحرية . 
سيبقى هذا اللحد لتمرٌ عليه الأجيال الآتية» الأجيال الحرة العزيزة» 
فتذكر جهاد أسلافناء وتعرف الثمن الذي دفعوه. ولتعلم أن القوة إن غلبت 
الحق حيئاًء فإن الحق يصئع القوة التي يغلب بها دائاً. 


مقيم ماأقامت ميسلون- يذكر مصرع الأسد الشبالا 
تغيب عظمة العظمات فيه وأول سيد لقي النبللا 


)١(‏ ابن النقار, 

(؟) ولابن واسانة هذا قصيدة طويلة جداً. من أعجب الشعر القصصي الواقعي» يصف 
فيها جماعة دعاهم إلى قريته ففعلوا معه الأفاعيل» وهي قصيدة نادر مثالما على بذاءة 
فيها وأوصاف مكشوفة يستحيا منها . 

5) أي سنة 19519 , 


550 


مشى ومشت فيالق من فرنسا2 تجر مطارف الظفر اختيالا 
أقام نهاره يلقى ويلقى فلمازال قرص الشسس زلا 
فكفن بالصوارم والعوالي 2 ووسد حيث جال وحيث صالا 
إذا مرّت بهالأجيال تترى 2 سمعت لهاأآزيزاً وابتهالا(') 
يننا فنا 

ثم أخذت السيارة تصعد بئا في مسالك ملتوية مستديرة تزيغ الأبصار 
من استدارتها وعلرّهاء حتى إذا ظننا أننا بلغنا قنة الحبل تكشفت لناقئن. فإذا 
نحن لا نزال في الحضيض» وما فتئنا نعلو ونتسلّق وندور حتى حاذينا «بلودان» 
درّة المصايف الشاميّة» وبدا لنا فندقها الفخم الذي بنته الحكومة ليملا الخزالة 
مالا والجيوب ذهباً, فملاً النفوس فساداًء والأخلاق انحطاطاًء لا أنشؤوا فيه 
من بلايا وطامات زعموها حضارة ورقياً. 

ثم عدنا نجبط وهذه سنّة الحياة: «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع) 
ولاعلا رجل إلآ هبطء إلآ رجلا علا بعلمه وبأخملاقه ومواهبهء فذاك الذي 
لا هبط أبداً بل يزداد رفعة» لأن علمه لن يشسسبى» وأخلاقه لن تذهب. ومواهبه 
لن تضيعء أما من علا على قوائم الكرسي وأعناق الشعب. فأَحْرٍ به أن يسقط 
مهما استمرٌ علوه وطال بقاؤه . 

أقول: إننا ما زلنا نمبط حتى التهينا إلى سهل البقاع الخصب الأفيح 
الجميل. الذي يفصل لبناننا «الشرقي) الأجرد المهيب الرهيب الذي ادرع 
المهابة» وانّشح بوشاح الخلود» ولاحت عليه سمات الجلال» والجد والوقار, 
ولبناهم «الغربي» المرح الفرح الأخضر الجميل» الذي اتزر بالسحر, وارتدى 
رداء الشعرء وكلاهما أنخاذ فاتن. ولكن الأول جليل والثاني جميل» والجنات 
الخالدات والفراديس الباقيات في دمشق» على سفح لبنان الشرقي. . 
قال شوقي : 


(1) شوفي. 


املك 


نبئت لبنان جنات الخلود وما 2 نبئت أن طريق الخلد لبنان 

وأنت حين يحتويك لبنان الغربي تحس بجماله وروعته ولكنك نشعر 
أنك أنت لهء وأنك جزء منه؛ ولكنك تحسسٌ حين تكون في لبناننا أنه هولك» 
وأنه جزء منك. وشتان بين ما تكون أنت في قلبه وما يكون هوفي قلبك» وأنت 
حين تكون في لبنان الغربي تجد يد الإنسان لم تبق من جمال الطبيعة إلآ قليلاً: 
وتجد ما تجد أكثره في المدن الكبرى. ولكنك حين تكون في لبنان الشرقي تجد 
الطبيعة الحلوة الفاتئة التي لم تبدّها يد الإنسان, وإنما أحاطتها بإطار يحفظها 
ويُظهر جمالها . 

ثم إن الجبلين كانا جبلا واحداً. صدعته حوادث أرضية «جيولوجية» من 
زمن قديمء, والأمتين فيها أمّة واحدة. ولكنك واجد في هذه المسافة التي 
لا تتجاوز الساعشين جمهوريتين مختلفتين, وَعَلّمَيْن متباينين؛: وحدوداً كحدود 
ألمانيا وفرنسا . 

ألقاب مملكة في غير موضعها 2 كلهر يحكي انتفاخاً صولة الأسدٍ 

وسبحان خالق الهرء وخالق الأسد. وخالق كل شيء! 

با نا نا 

وأنخنا رواحلنا (أعني وقفنا سيارتناء ولم يكن معنا رواحل ولا رحال) في 
شتورة» عروس السهل» نستريح فيها قليلاً قبل أن نتسلّق بالسيارة الجبل 
الذي ل تبلغ الطبر ذراه» وإذا أنت شئت أن تتصور مبلغ ما نعلو فتصور 
شارعاً طوله قرابة كيلين اثنين» قد وقف على رأسه. وكنت أنت فوقه تطل على 
الدنيا من عل . 

علونا في جبال شجراء ضاحكة:؛ نجتاز القرى المتنائرة على السفوح 
والذرى» ونرى الينابيع تتدفق من أعالي الصخورء وتسيسل في بطون الأودية 
حالمة سكرى. وما زلنا في علو ولف ودوران» حتى بلغنا (ظهر البيدر) حيث 
صرنا فوق السحاب, لا عل المجاز أو المبالغة كما يقول الشعراء. بل على 


"1 / 


الحقيقة التي يشاهدها الناس كلهم » فقد كان السحاب يمس الذرى التي تحتناء 
ويلفح وجوهناء ويحجب عنا السهل والسفوح» وكنا نعلو عليه أحياناً فلا يبلغنا 
ولا يمسّناء ونراه يمر من تحتناء أشبه شيء بالغبار الأبيض تحمله الريح. حتى 
درنا تلك الدورة الكبيرة» وأشرفنا على وادي (صوفر ‏ حمانا) العظيم أوسع 
أودية لبنان وأجملهاء وقد ازدهى بالصنوبر وانتئرت على سفوحه عشرات القرى 
ولاحت مبانيها العظيمة وقصورها الشم . 

والروابي توسّدت راحة الشحب إنامت على وشاح مرقق 

والذرى البيض في العلاء نسور حوّمت تكشف الخفي المغلق 

نشرت في الفضاء أجنحها الزرهفر فأسنى بها الوجود وأشرق 

والقرى غلغلت بأخبية الغي ب وضاعت بين الغمام المنمق 

والينابيع ضاحكات من الزهو ترامى فيها السّنا وتألق 

وتراءى البحر البعيد كحلم 2 مبهم راجف الخيال ملمق 

سرقته السماء في الأفق النا ١‏ ثيفمنأبصرالخضماتتسرق7») 

6د اق 

تمر على الإنسان ساعات بل لحظات يسى فيها هذا العالم المادي» وهذه 
الحياة القصيرة الناقصة. ويحس كأنه يعيش بنفسه حياة أكمل وأحمل, تخالط 
نفسه مشاعر لا عهد له بهاء ولا يقدر على وصفهاء وتغمر قلبه لذة لا يعرف أي 
شيء هي » فيشعر أنه انتقل إلى عالم سحري جني عجيب. كهذه اللحظات التي 
تمر علينا في غمرة التأمل النفسي» أوفي هزة الموسيقى» أوفي نشوة الحب. 
أو حين الاستغراق في العبادة والمناجاة. 

هذه هي اللحظات التي تمر عليك حين تشرف على وادي (صوفر ‏ حمانا) 
أو تجلس في الشاغور» أو تصعد إلى عين الصحة في فالوغا. 


(1) أنور العطار. 


51 


لست أريد الدعاية للبئان» وما لبنان في حاجة إلى دعاية؛ وما في لبنان 
سرير في فندق» أوغرفة في دار إلا وقد امتلأت حتى أننا لى نجد في صوفر وقد 
وصلناها ليل مكاناً نبيت فيه, وكلّم) دخلنا فندقاً خرجنا منه بخفى صاحبنا حنين 
الإسكاف... حتى قادنا المطاف إلى فندق لطيف معتزل, قاعد في منتصف 
الطريق بين صوفر وبحمدون, ولم يكن بعده فندق نأوي إليه. فتعلقنا بصاحبه. 
وتوسّلنا إليه وأطمعناه حتى رضي أن يعد لنا مكاناً في الردهة (الصالون) فقبلنا- 
ووضعت سرر صغار كسرر الحند وطلبة المدارس الداخلية جاء با من بيثه. 
فحمدنا الله عليها. ش 

تن ف 

ولمًا دخلنا (الأوتيل): عمامتان عاليتان على رأسى البهجتين» بهجة 
العراق وببجة الشام» وعقال نجدي فخم على هامة سيد من سادات نجد ونحن 
الاثنان (المطربشان) الأستاذ عز الدين وأناء تعلّقت بنا الأنظار ودارت حولنا 
الأبصار» وحفٌ بنا شباب يسلّمون علينا. فقلنا: وعليكم السلام 
يا إخواننا. . . فا راعنا إلا أنهم ضحكوا وضحك الحاضرون. . . 

فقلت لأحدهم: من فضلك قل لي, للماذا تضحك؟. . هل تجد في هيئتي 

فازداد الخبيث ضحكاً» فهممث به فوئب الحاضرون وقالوا: 

وإذا هي (فتاة) بثياب الرجال. 

وفررنا ونحن مستحيون . نحاول ألا نعيدها كرّة أخرى. 

ولا خرجت في الليل لمحث في طريقي واحدة من هؤلاء النسوة فحيتني» 
فقلت لها: مساء الخيريا مدموازيل . 

فقالت: مادموازيل إيه يا وقم؟ 


علض 


قلت في نفسي : إنها متزوجة وقد ساءها أن دعوتها بالمدموازيل (الآنسة). 
وأسرعت فتداركت الخطأ وقلت: بردون مدام . 

قالت: مدام في عيدك قليل الأدب» بأي حق تمزح معي أنا (فلان) 
المحامي . 

قلت : بردون» بردوك. 

وولّيت هارباً» فذهبت إلى صاحب الأوتيل فرجوته أن يعمل لنا طريقة 
للتفريق بين الرجل والمرأة» فدهش مني ووجم لحظة. ثم قذّر أني أمزح فانطلق 


ضاحكا. 
قفلت: إني لا أمزحء ولكني أقرل الح وقصصت عليه القصة. 0 
قال: وماذا نعمل؟ 


قلت: لوحات صغيرة مثلاً من النحاس» كالتي توضع على السيّارات 
لبيان رقمهاء أو على الدرّاجات . 0 يكتب عليها (رجل).. (امرأة)» تعلق قُْ 
الصدر تحت الثدي الأيسر. أو تتخذ حلية من الذهب أو الفضة عليها صورة 
ديك مثللً ودجاجة. أو... أوشاة ولحروف أوشىء أخحر من علامات 

التذكير والتأنيث, . . 

َراقه اقتراحى وقبله على أنه نكتةء ولكنه لم يفكر بالعمل به لأنه لم يجد 
حاجة إلى هذا التفريق مادام المذهب الحديد يقول بمساواة الحنسين! . 
كن نا فنا 
نحمد الله على أننا لا نزال نعيش في بلد فيه النساء نساءء والرجال رجال7©. 
ل نت د 

)١(‏ كان هذا سئة 19897 قبل أن (تستجمل) الناقة» وتسترجل المرأة» وتقعد مقعد الرجل 
من كرسي التدريس في الجامعة» ومكتب الوظيفة في الديوان» وستكون غداً هي 
(النائبة)» ثم تكون (القاضية). 
وقبل أن (يستأنث) الرجلء فلا ينكر منكراً ولا يمنع ممنوعاً! 


7 


ا موضوع 


نحن المأنبون 0 


الوعد الشرقفى .. 


واأقفاف وه هد هاه قاقاف ا فى فاع هاد 4 هد واه وا واج .ا وه هام 


عقاف فاه فا فاه ورا واو ها هاه قافا ف فاع فاه ع راو واواء رار وار مام 


.افا قاو ها فاع عاع د عا هد وه ها فاه قد فد فاه ودف فاع مد راو مد راردا قار مار فو 


هااها او واف فا هاه فا فاه ف واه هاهافد ود .6د .د قاع قاع جاع رامد قاع هد .د مام 


هوا ها فاهد اه هاهاع د قداو واو ودع قار ود مر دواع فده قا قا فاع تقار فداه .امام 


شاع لوقاف فاه هشاع واه هده .اه هد وا ود ود و قاع هده قامه د عفاود ود فاه ها .ام 


هالع فاو هدو ده قد هدو واو و واه هعافد قاع وافاهد ا ها فاع عواعم ا تفاع ندع وو 


هاه وو وافقاه » هشاع قاع عد فاع فاه هاه هد فا هي هد واه وه وقاقدا .د وا فار ما وام 


#اهاى ا وه واه هاه قاقد ف فاع فاه هاقاع فاوقدا هد ع هد وا هاعد فاه وارا نار ماهم 


هاع عاقاعد د ففاعه ها فاده هاعد ود .د عه ودعاع د مد را ودام ماود ع ع راو را ف و تر م وى 


فالهاه د .د قد ود ود و فد فاع قا فده فاع ها قاع عاقاعداع د فاعد هم اعافد راد ندند .د مام 


ها ماع ماوقافاه سد قد وادعد عد 5د قاع وق قداعد مد ردواع د قدوع قاع عفد مامد هد فد دافام 


فلع قاود واو واو هاه ه اهار وا و قاف قاها هاه ودود ياف مه هقاهد فاه قارد ,دقام 


شغلوا الطلاب في عطلة الصيف 0 


مشكلة الزواج . . 


فاه مد هده افا هافاوة 6هد فاه وها و هده هاه ع ودوا. د و وار و .قاع رار فد مام 


ا موضوع الصفحة 
ااا يسيس سه 
أسبا المشكلة ا ا 6ن 

إبراهيم بك هنانو قال لي. . . ! ب ب ب ا ل ذل 

من حديث المزعجات ا ا يل 
في الفندق يح ا ا ا ا ا اميل 
إلى الطلاب ل ل 
الوصايا ا ايل 
نساؤنا ونساء الافرنج ل 
صناعة «(المشيخة) عي ب ب ع ع ل 0 كرون 
هذا لذير للناس ع ع ع ع ع ل ل 00 الال 
هذا هو الدواء ا رف 
الإذاعات العربية تتفي ةنب ةم ةارم مم00 000000000000000 1817300! 
صور دمشقية سوداء من ربع قرن ل ع ا ا 0 دل 
رسالة م ن ةر ةا ا لاه ةامر رين 
صور من تاريخنا العلمي ل ايل 
الطلاب والعطلة نل 
في الزواج ل ل ل ع ا ل ا ل 0 كليل 
حديث العيد ا ل 0 اليل 
مجنلونلن 0 مايل 
السنّ المناسبة للزؤاج ا رين 
موضوع إنشاء ا ا 
من عبث التلاميذ ا ا يون 
إلى لينان ل 0 لقن 
الفهرس يقس 


2 


١ ٍ‏ - ذكريات عل الطنطاوي .)8-١(‏ 
: ؟ - فهارس ذكريات علي الطنطاوي» إعداد: أحمد العلاونة. 
'" - فتاوى علي الطنطاوي . : 
:| ؛ - تعريف عام بدين الإسلام» (طبع أكثر من عشرين طبعة وبأكثر من لغة). 
ه - أبو بكر الصديق» (تجليد فني). 
57 - أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمرء (تجليد فني). 
١‏ /ا - مع الثاس . 
١‏ 6 - الجامع الأموي في دمشق. 
:| 9 - رجال من التاريخ» (تجليد فني). 
٠١]‏ - قصص من التاريخ . 
- هتاف المجد. 
- في سبيل الإصلاح , 
- صور وخواطر. 
- دمشقء» (صور من جمالها... وعبر من نضالها). 
- فكر ومباحثك. 
- بغداه» (مشاهدات وذكريات). 
- قملص من اللحياة. 
- من حديث النفس . 
8 - فصول إسلامية. 
٠ 1‏ - مقالات في كلمات, 
"١1‏ - في ألدوئيسياء (صور من الشرق). 
ا 5 - من نفحات الحرم ؛ (غت الطبع) . 
*1؟ ب صيد اللخاطر للومام ابن الحوزي » تحفيق الطنطاويين»؛ (تجليد نني). 


١4 |:‏ - حكابات من التاربخ (07-1» (تجليد نني) . 

١ 8‏ - جابر عثرات الكرام. 4 - قصة الأخرين. 
١‏ - المجرم ومدير الشرطة. 5 - وزارة بعنقود عنب. 
* - التاجر والقائد. / - ابن الوزير. 
م 4 - التاجر الثراسال . 

| 7 - أعلام التاريخ (0-1). 

١ :‏ - عبد الرحمن بن عرف. 

؟ - عبد الله بن المبارك , 

- القاضي شريك. 

؛ - الإمام النوري. 

ْ ه - أحمد بن عرفان الشهيد. 

1 - قصة حياة عمر. 

| /!” - من شوارد الشواهد. 

: 18 - من غزل الفقهاء . 

| 19 - الفضاء في الإسلام. 

١ |‏ بابي ويا لني. 

#١ |‏ - إرحموا الشباب. 

:| ؟” - طريق الجنة وطريق الثار, 

ٍ - صلاة ركمتين , 

ا 4" - قصتنا مع اليهود. 

ٍ ه” - طرق الدعوة إلى الرسلام . 

| 6" - موقفنا من الحضارة الغربية. 

| 0 -- تعريف موجز بدين الإسلام . 


:]88 - المثل الأعلى للشاب المسلم. 


: وله مئات من البحوث والمقالاات في عشرات من الصحف 1 
| و«لمجحلاثت. 0 


تمَللب؟ سل 2 رامنا مكن 


0 ا ينا . « 7 ما 
ارا نارق للنة كروالتوزلع 
جدة 711 صاب ١16١1‏ 
هائف :557*567 - فاكس :55117598" 


و م 0 
محببة الممتتارة 
مكّة المكامتة - الفرنزيتة 
هحاتفتث +ه177م 4 صرب ؛ 2187 


ردمك ‏ 2 م١‏ ١م‏ ب 4456